[ تتلقى أسر يمنية نازحة، فرّت من هجمات الحوثيين على قراها في تعز ومنطقة الساحل الغربي، مساعدات مقدمة من منظمات إغاثية في عدن، اليمن، في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026. (عبد الناصر الصديق/الأناضول عبر غيتي إيمج ]
لم تكن محافظة تعز، الواقعة جنوب غربي اليمن، مجرد جبهة أخرى في الحرب التي تعصف بالبلاد. فالهجوم الخاطف الذي شنّه الحوثيون في سبتمبر، واستمر سبعة أيام، وتمكنوا خلاله من السيطرة على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية ومضيق باب المندب، الرابط بين البحر الأحمر وخليج عدن، لم يكن مجرد تغيير في خريطة السيطرة العسكرية. كما أن سقوط عدد من مديريات المحافظة في جنوبها وغربها وشرقها، خلال الفترة الممتدة من 13 سبتمبر إلى 10 أكتوبر، وسّع نطاق سيطرة الحوثيين إلى مناطق استراتيجية إضافية، وعزّز مكاسبهم على الساحل الغربي لليمن.
ظلت تعز، طوال سنوات الصراع، إحدى أهم حواضن المقاومة للحوثيين. فثقلها السكاني والسياسي والتاريخي يجعل المعارك فيها تتجاوز أهميتها حدود المحافظة بكثير. وإذا تمكن الحوثيون من إحكام قبضتهم على ما تبقى من الريف، ثم السيطرة على مدينة تعز نفسها، فقد يعيدون رسم موازين القوى في اليمن.
تكشف التطورات الأخيرة مفارقة مؤلمة: كانت تعز حاضنة شعبية للنظام الجمهوري الذي وُلد عام 1962، عقب إسقاط الحكم الملكي ذي الطابع الديني الذي حكم البلاد، كما امتلك أبناؤها خبرة قتالية متراكمة. لكنهم أخفقوا في بناء مؤسسة عسكرية موحدة قادرة على حماية مناطقهم وصون التضحيات التي قدموها. ولم يكن الانهيار الأخير مجرد نتيجة لنقص المقاتلين أو غياب إرادة المواجهة، بل كان أيضاً حصيلة إخفاقات في القيادة والتنسيق والإمداد، وتغليب المصالح الحزبية والشخصية على بناء مؤسسات وطنية جامعة.
على مدى نحو 12 عاماً، ظلت محافظة تعز مركزاً رئيسياً للمقاومة، حتى مع سيطرة الحوثيين على أجزاء من مدينة تعز ومساحات واسعة من ريفها، بما في ذلك الحوبان، أهم مراكز المحافظة الاقتصادية والتجارية. لكن صمود السكان والمقاتلين لم يتحول إلى منظومة دفاع مستدامة. فقد ظلت الجبهات مكشوفة أمام تشتت القرار وتضارب المصالح وضعف التنسيق، إلى أن عاد شبح الحصار من جديد.
لم يعد السؤال اليوم مقتصراً على قدرة الحوثيين على السيطرة على مدينة تعز، بل يتصل بما قد يعنيه ذلك لمستقبل اليمن. فهل سيكون الأمر انتكاسة عسكرية يمكن احتواؤها، أم تحولاً استراتيجياً يعيد رسم موازين القوى في غرب البلاد، ويضعف المعسكر المناهض للحوثيين، ويعمّق الانقسام بين الشمال والجنوب؟
ليست هذه حكاية خطوط تماس تراجعت فحسب، بل قصة مقاومة لم تتحول إلى جيش، وقيادة لم تستوعب دروس الحرب، ومشروع لبناء دولة جمهورية بات مهدداً لأن القوى التي رفعت شعاره عجزت عن إنشاء المؤسسات اللازمة للدفاع عنه.
من الساحل إلى الجبال: انهيار متسلسل
لا يمكن فهم الانتكاسات الأخيرة في ريف تعز بمعزل عن التحولات التي سبقتها على الساحل الغربي. فقد أدى تقدم الحوثيين إلى مناطق المخا وموزع والوازعية، واندفاعهم نحو الشريط الساحلي وباب المندب، إلى فرض ضغوط عسكرية جديدة على المرتفعات التي تمثل عمقاً دفاعياً مهماً للمحافظة.
كان يفترض بهذه التطورات أن تدفع القيادات العسكرية والحكومية، إلى جانب حلفائها الإقليميين، إلى إعادة تقييم الموقف والاستعداد لاحتمال انتقال المعركة من الساحل إلى الجبال. فالمرتفعات الجنوبية والغربية ليست معزولة جغرافياً عن الساحل، بل ترتبط به عبر شبكة من الطرق والممرات الجبلية ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة. وكان ينبغي التعامل مع الساحل والمرتفعات باعتبارهما مسرح عمليات واحداً ومترابطاً، لا جبهتين منفصلتين.
وبحسب مصادر عسكرية وسياسية ومحلية، لم تحظَ التحذيرات من انتقال المعركة إلى المرتفعات بالاهتمام اللازم، ولم تتحول المؤشرات التي ظهرت على الساحل إلى استعدادات دفاعية تتناسب مع حجم التهديد. وعندما بدأ التصعيد في الريف، ظهرت ثغرات التنسيق والاستجابة، رغم أن الفترة التي أعقبت انهيار الجبهة الساحلية كانت، وفق تقديرات تلك المصادر، كافية لإعادة الانتشار ومعالجة مواطن الضعف.
لم يكن انتقال الحوثيين من الساحل إلى الجبال مفاجئاً. فبعد تأمين المواقع الساحلية، يصبح التقدم نحو التضاريس المحيطة خطوة طبيعية في سياق العمليات العسكرية. وكان يفترض بالقوات الحكومية أن تدرك أن خسارة المواقع الساحلية ستفتح الباب أمام الضغط على المرتفعات والطرق التي تربط مدينة تعز بريفها الجنوبي، وتترك مواقعها العسكرية مكشوفة من عدة اتجاهات.
لكن الاستجابة جاءت دون المستوى الذي فرضته خطورة التهديد.
بدأت الانتكاسات في بني عمر بمديرية الشمايتين، ثم امتدت إلى الصافية ومناطق المعافر والحُجَرية، بالتزامن مع قطع الحوثيين الطريق الرئيسي الرابط بين مدينة تعز والتربة. وبعد سقوط التربة، انتقل القتال إلى مناطق المواسط وسامع والصِّلو، ثم سقط جبل حبشي، وامتدت الاشتباكات إلى المسراخ. وفي الوقت نفسه، انسحبت قوات حكومية ومقاتلون من المقاومة من مواقع في الريف باتجاه المدينة، فيما تراجعت وحدات أخرى نحو طور الباحة.
لم تكن هذه خسائر منفصلة، بل سلسلة من الانتكاسات المترابطة التي فككت خطوط الدفاع وهددت طرق الإمداد والاتصال بين المدينة ومحيطها. فكل موقع يسقط يعرّض المواقع المجاورة للخطر، وكل طريق يُقطع يجعل نقل التعزيزات والذخائر أكثر صعوبة، ويترك الوحدات المتبقية أكثر عرضة للعزلة والتطويق.
وبحسب روايات محلية، دخلت مجموعات حوثية إلى مواقع في المرتفعات الغربية، ولا سيما في بني عمر، مستخدمة الدراجات النارية وبعض المركبات الأكبر حجماً، عبر طرق جبلية وقرى يصعب التحرك فيها من دون معرفة دقيقة بالتضاريس. وتحدثت هذه الروايات عن محاولات لاختبار المواقع الدفاعية واستغلال بطء الاستجابة، إلى جانب توزيع الأموال والإمدادات على خلايا محلية.
لم تبدأ جميع التحركات بهجمات واسعة. فقد استهدف بعضها اختبار ردود فعل القوات المدافعة، وتحديد الثغرات في انتشارها. لكن الاختراقات الأولى لم تُحتوَ بالسرعة المطلوبة، فتحولت إلى تقدم متدرج اجتاح مواقع متجاورة، ومكّن المهاجمين من التوغل أكثر.
وفي بعض المواقع، ومنها العجرم غرب تعز، سقطت مواقع بعد مقاومة محدودة، فيما شهدت مناطق أخرى اشتباكات متقطعة. ووصلت التعزيزات متأخرة في بعض الحالات، وفق روايات محلية، ما منح الحوثيين وقتاً إضافياً للتقدم.
بين أناشيد الفضول وشعارات الحوثيين
حملت المشاهد أيضاً دلالة رمزية عميقة. فقد أخذت شعارات الحوثيين تتردد في الوديان والجبال التي ارتبطت طويلاً بأغاني عبد الله عبد الوهاب نعمان، المعروف بـ«الفضول»، وأناشيده الوطنية، وفي مقدمتها النشيد الوطني الذي كتبه وغناه الفنان أيوب طارش.
وُلد الفضول عام 1917 في الحُجَرية بمحافظة تعز، وكان شاعراً معروفاً وأحد أبرز المدافعين عن الجمهورية. كما كان كاتباً وصحفياً ودبلوماسياً مؤثراً.
عبّر الفضول عن رؤية وطنية تتسع للتنوع، وتقوم على الوطن المشترك والمواطنة والجمهورية. أما أيديولوجيا الحوثيين، فتقوم على تصور ديني للسلطة يمنح جماعة بعينها امتيازاً وراثياً في الحكم؛ إذ يدّعي الحوثيون انحدارهم من نسل النبي محمد، ويزعمون أن لهم حقاً إلهياً في تولي السلطة.
لم تكن الشعارات التي رددها المقاتلون المهاجمون (صرخات الحوثيين) مجرد أصوات تتردد في الجبال. بالنسبة إلى السكان الذين سمعوها، حملت هذه الشعارات معنى أوسع يتعلق بطبيعة السلطة التي قد تفرض نفسها على المنطقة، وما يمكن أن يعنيه ذلك لمستقبل مجتمع ارتبط بتقاليد التعدد السياسي والاجتماعي.
وبحسب تلك الروايات، أطلق السكان نداءات للمطالبة بالسلاح والذخيرة لصد التقدم الحوثي. ووصف أحد السكان المهاجمين بأنهم «التتار الجدد»، مشبهاً اقتحام الحوثيين للقرى والمناطق المحلية بما ارتبط تاريخياً بغزوات المغول من بطش ودمار. لكن تلك النداءات، وفق الروايات نفسها، لم تلقَ استجابة كافية.
لم يكن التناقض بين شعارات الحوثيين وأغاني الفضول مجرد مفارقة رمزية، بل اختزالاً للصراع على هوية اليمن: مشروع جمهوري يستند إلى المواطنة في مواجهة مشروع يسعى إلى إحياء سلطة دينية ذات امتيازات وراثية. غير أن الدفاع عن هذه الهوية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على حماية الأرض والناس.
كان قطع الطريق الرئيسي بين مدينة تعز والتربة نقطة تحول مفصلية. فقد أصاب أحد الشرايين الحيوية التي تربط المدينة بريفها الجنوبي، وهدد حركة السكان والإمدادات، وزاد من عزلة المواقع العسكرية الحكومية.
ثم امتد القتال إلى عمق الحُجَرية، وازدادت الضغوط على مناطق المواسط وقدس وبني يوسف، بالتزامن مع تجدد الاشتباكات في سامع والصِّلو. ولم تعد القوات المدافعة تواجه هجوماً على موقع منفرد، بل خسارة شبكة مترابطة من الطرق والمرتفعات التي تضمن حركة التنقل بين المدينة وريفها.
تكمن أهمية الحُجَرية في أنها ليست مجرد مجموعة من المديريات والقرى. فالتربة مركز اجتماعي واقتصادي مهم، والحُجَرية جزء أصيل من النسيج البشري الأوسع لتعز. وعلى مدى عقود، أنجبت المنطقة شخصيات سياسية واقتصادية وفكرية، وأسهمت في تشكيل القاعدة الاجتماعية التي منحت المحافظة مكانتها الوطنية.
إن خسارة هذه المناطق لا تعني فقدان الأرض فحسب، بل تعني أيضاً قطع المدينة عن شريحة سكانية طالما أسهمت في دعمها، وقطع الطرق التي تربطها بمحافظتي لحج وعدن. كما أتاح تقدم الحوثيين توسيع نطاق الحركة بين دمنة خدير شرقاً والوازعية غرباً، ومنحهم مسارات متعددة للتحرك والإمداد، في حين ازدادت صعوبة ربط المواقع الحكومية المتبقية بعضها ببعض.
ومع سقوط جبل حبشي في الرابع من أكتوبر، اقترب الحوثيون من منطقة الضباب ومشارف مدينة تعز، في تطور هدد بتغيير موازين القوى حول المدينة. ولم يكن سقوط المديرية حدثاً مفاجئاً، بل جاء نتيجة تراكم مشكلات شملت محدودية الانتشار وضعف الإمكانات وسوء تقدير الوقائع الميدانية.
وتتعمق المفارقة حين نعلم أن جبل حبشي مسقط رأس شخصيات عسكرية بارزة في تعز، من بينها العميد خالد فاضل، قائد محور تعز العسكري، والعميد يوسف الشراجي، الذي تولى مسؤوليات عسكرية على جبهات المحافظة. لكن الارتباط الشخصي بالمنطقة لم يتحول بالضرورة إلى تماسك في خطوط المواجهة أو قدرة على الصمود فيها.
وتزامنت خسارة المواقع مع انسحابات أثارت غضب المقاتلين والسكان على حد سواء. فبعد سقوط التربة وتعطل الطريق الرئيسي، انسحبت قوات تابعة لمحور طور الباحة العسكري، بقيادة أبو بكر الجبولي، باتجاه المنطقة. كما انسحبت وحدات أخرى نحو مدينة تعز، فيما انتقلت تشكيلات من جبهات الريف إلى المدينة أو أطرافها لإعادة التجمع.
وتضمنت تسجيلات وروايات منسوبة إلى مقاتلين اتهامات للجبولي بالتخلي عن المقاتلين والانسحاب في وقت كانت المواقع تحتاج فيه إلى التعزيزات. كما تعرض قادة عسكريون، بينهم الشراجي، لانتقادات بشأن إدارة الأسلحة والمخازن والانسحاب من بعض المواقع. وأشارت مصادر إلى احتفاظه بمركبات وأسلحة كان يمكن توجيهها إلى الجبهات، وإلى استيلاء الحوثيين على مركبة محملة بالأسلحة. كذلك انسحب قائد أمني يُدعى جميل عقلان، تاركاً مستودعاً للأسلحة تعرض للنهب على أيدي السكان.
وتحدثت مصادر عن خلافات عميقة بين أبرز القادة العسكريين في تعز، وجميعهم ينتمون إلى حزب الإصلاح، أحد الأحزاب الرئيسية في الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي. وقال بعض من تحدثت إليهم إن هذه الخلافات تجاوزت الاختلافات المهنية إلى صراع على النفوذ والمصالح الشخصية.
وفي توصيف يعكس حجم الأزمة، قال مسؤول رفيع في تعز، تعليقاً على سقوط التربة وتقدم الحوثيين: «اكتشفنا أنه لا يوجد جيش في تعز بالمعنى العسكري للكلمة... لم تُطلق رصاصة واحدة في التربة».
وطلبتُ من قيادة محور تعز العسكري توضيحات بشأن بعض هذه الاتهامات، لكنني لم أتلقَّ رداً.
لم يكن الانهيار نتيجة معركة واحدة أو قرار انسحاب منفرد، بل حصيلة عوامل متداخلة، شملت التقدم الحوثي التدريجي، وقطع خطوط الإمداد، وضعف التنسيق بين محور تعز العسكري ومحور طور الباحة، وسقوط المواقع المجاورة، وانسحاب وحدات من دون خطة دفاعية بديلة واضحة.
مقاومة بلا جيش
بعد انهيار الجبهة الساحلية، تبادلت القوى المناهضة للحوثيين الاتهامات بالإهمال والخيانة، ووصل الأمر أحياناً إلى الشماتة العلنية بإخفاقات بعضها بعضاً. وقال قادة في حزب الإصلاح إن الحوثيين تقدموا من مواقع في الوازعية لم تكن خاضعة لقيادة قوات تعز، بينما رأى آخرون أن التنسيق بين قوات تعز والمقاومة الوطنية على الساحل، التي انهارت جبهتها الشهر الماضي، كان من الممكن أن يحمي الجبهتين ويمنع استغلال الثغرات الفاصلة بينهما.
وفي الحالتين، تكشف التطورات أن الانقسامات القديمة أهدرت فرصة بناء منظومة دفاع مشتركة.
منذ بداية الحرب، لم تتحول المقاومة الشعبية في تعز إلى مؤسسة وطنية متماسكة تتولى إدارة الجبهات والموارد، وتفرض المساءلة وفق معايير مهنية. واستمرت تشكيلات عسكرية متعددة ومراكز نفوذ مختلفة في التأثير على القرارات، فيما تحدثت مصادر عن تهميش ضباط محترفين وإسناد مواقع قيادية إلى أشخاص يفتقر بعضهم إلى الخبرة والتدريب الكافيين.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن الفجوة بين الأعداد المسجلة على الورق والقوة الفعلية في الميدان.
لا يمكن مطالبة المقاتلين بالثبات في مواقعهم من دون ذخيرة واتصالات وإخلاء طبي وإمدادات منتظمة. ففي تضاريس تعز الجبلية، قد يؤدي انقطاع الاتصالات أو تأخر التعزيزات إلى خسارة موقع كان بالإمكان الدفاع عنه لولا ذلك. ومع هذا، تحدثت مصادر عن وجود أسلحة في المخازن لم تصل إلى خطوط المواجهة، ما يثير تساؤلات حول كيفية إدارة الموارد وتوجيهها.
وتشير تقارير إلى أن بعض القادة تسلموا نحو مئة جهاز «ستارلينك»، في حين ظل مقاتلون في الميدان يعتمدون على شبكات اتصالات خاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هناك منظومة اتصالات مستقلة وموحدة تضمن التواصل بين القادة والمقاتلين أثناء الهجمات والانسحابات.
كما اشتكى المقاتلون من تدني الرواتب وضعف الدعم المالي. ووفقاً لتقارير، لم تتجاوز رواتب الجنود في بعض التشكيلات نحو 40 دولاراً شهرياً، قبل تعديلات حديثة يُقال إنها رفعتها إلى ما يعادل ألف ريال سعودي، أي نحو 260 دولاراً. ودفعت محدودية التمويل، بحسب بعض المصادر، قادة إلى التنافس على الإيرادات المحلية والجبايات لتمويل قواتهم.
كان تقدم الحوثيين على الساحل الغربي إنذاراً مبكراً بما يمكن أن يحدث في المرتفعات. فتأمين المناطق الساحلية يعني تأمين المؤخرة وطرق الوصول والجبال المحيطة. وكان انتقال الضغط إلى الحُجَرية ومناطق تعز الجنوبية احتمالاً عسكرياً واضحاً كان ينبغي الاستعداد له.
لكن مصادر عسكرية وسياسية قالت إن الحكومة والقيادات العسكرية وحلفاءها الإقليميين لم يتعاملوا مع التحذيرات بالجدية اللازمة، وإن الدعم الجوي، الذي كان يمكن أن يبطئ التقدم أو يعطل بعض التحركات، وصل متأخراً، بعد أن تغيرت الوقائع على الأرض. فالدعم الذي يصل بعد سقوط المواقع وقطع الطرق لا يكون بفاعلية الاستعداد المبكر.
وتجسد تجربة عدنان الحمادي حجم الضرر الذي يمكن أن تلحقه الصراعات السياسية بالمؤسسة العسكرية في تعز. فقد كان الحمادي، قائد اللواء 35 مدرع، من أبرز الضباط الذين قادوا المقاومة المنظمة ضد الحوثيين في المراحل الأولى من الحرب. وأسهمت القوات التي قادها في تحرير مناطق من الصِّلو والمسراخ، وأجزاء من حيفان وقدس والأحكوم. وتحول اللواء 35 مدرع إلى قوة عسكرية بارزة في المحافظة.
لكن الحمادي دخل في خلافات مع مراكز نفوذ عسكرية وسياسية راسخة، وسط صراعات أوسع بشأن إدارة الجبهات وصنع القرار العسكري. وفي ديسمبر 2019، قُتل في ظروف لم تُكشف ملابساتها بالكامل، لا من الناحية القانونية ولا السياسية.
لا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين مقتله والانهيار الحالي، لكن تهميش قائد عسكري محترف ثم مقتله، وما أعقب ذلك من صراع على اللواء 35 مدرع، يندرجان ضمن نمط أوسع من التآكل المؤسسي.
ويرى كثيرون من أبناء الحُجَرية وتعز أن المنطقة لم تستعد توازنها منذ ذلك الحين، وأن غياب الحمادي، الذي جمع بين الخبرة العسكرية والحضور الشعبي، ترك فراغاً لم يُملأ حتى اليوم.
وتوضح هذه التجربة كيف يمكن للصراع على القيادة أن يفرغ الجبهة من قوتها من الداخل قبل أن تواجه هجوماً واسعاً. فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن يملك السلطة، بل أيضاً بقوة مقاتلة تسمح للخلافات السياسية والشخصية بالتأثير في جاهزيتها القتالية.
تآكل الثقة بين المقاومة وحاضنتها الشعبية
ترافق التراجع العسكري مع تآكل الثقة بين القوات التي يُفترض أنها تحمي السكان والشرائح الاجتماعية التي شكلت حاضنتها الأساسية منذ بداية الحرب.
لم تبدأ المقاومة في تعز باعتبارها تشكيلات مسلحة فحسب، بل استندت إلى مجتمع رأى في مواجهة الحوثيين مسؤولية جماعية للدفاع عن المدينة والجمهورية وحق الناس في تقرير مستقبلهم. فتح السكان منازلهم للمقاتلين والنازحين، وقدموا المعلومات والإمدادات، وتحملوا القصف والحصار والنزوح، ودفعوا ثمناً اقتصادياً واجتماعياً باهظاً.
لكن هذه العلاقة استنزفتها سنوات الحرب والانقسامات السياسية وسلوك بعض القوى التي كان يفترض بها حماية المجتمع. وتزايدت الشكاوى من تدهور الأوضاع الأمنية والإدارية، وظهرت اتهامات لمجموعات مسلحة بارتكاب انتهاكات ومخالفة القانون، مع إفلات بعضها من المحاسبة بسبب ارتباطها بقيادات عسكرية أو سياسية. وهذه اتهامات تستوجب التحقيق والمساءلة، لا التعتيم أو الإهمال.
إن تراجع الثقة بالقوات الحكومية لا يعني أن السكان سيؤيدون الحوثيين. فرفض سوء الإدارة أو تجاوزات القيادات لا يعادل قبول الحوثيين أو بنمط الحكم الذي يفرضونه. وقد يستغل الحوثيون المظالم المحلية لتحقيق مكاسب تكتيكية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة حصولهم على قبول سياسي مستدام.
تحمل سكان مدينة تعز أعباء الحرب لسنوات. أرسلوا أبناءهم إلى المقاومة، وفتحوا منازلهم للمقاتلين والنازحين، وساعدوا في توفير المعلومات والإمدادات. لكن بعض القيادات انشغلت بصراعات السلطة والمصالح الشخصية بدلاً من تدريب القوات ورفع جاهزيتها، في الوقت الذي واصل فيه الحوثيون تطوير قدراتهم.
ومع ذلك، ففي هذه اللحظة الفاصلة، تتراجع الجراح والمظالم أمام كابوس أكبر: سقوط المدينة في أيدي الحوثيين. يدرك السكان أن كلفة هذا السيناريو قد تكون أشد من المظالم التي عانوا منها، وأن خسارة تعز لن تعني سقوط مدينة فحسب، بل هزيمة النظام الجمهوري برمته.
حتى سكان المناطق الخاضعة للحوثيين في ريف تعز يتساءلون بقلق عن مصير المدينة. فمحافظة تعز لا تخص أبناءها وحدهم، بل تمثل رمزاً لكل الجمهوريين اليمنيين الرافضين لأيديولوجيا الحوثيين وعودة حكم الإمامة الذي أُسقط عام 1962.
واليوم، تضع الحاضنة الاجتماعية للمقاومة مظالمها جانباً، لا لأنها نسيتها، بل لأنها تدرك معنى الهزيمة وما قد يحمله سقوط المدينة لمجتمع بأكمله. وتعود الأغاني الثورية التي كتبها الفضول وغناها أيوب طارش إلى الواجهة، وكأنها كُتبت لهذه اللحظة، لتستنهض روح الصمود والتحدي.
في تعز، التي صمدت أكثر من 12 عاماً، يدرك الناس أن إخضاعها لن يكون مجرد انتصار عسكري للحوثيين، بل إسكاتاً لصوت ظل حاضراً في مختلف المنعطفات التاريخية لليمن. إنها المدينة التي ارتبط اسمها بالثقافة والتعليم والعمل السياسي والمجتمع المدني، ويخشى أبناؤها أن يؤدي إخضاعها إلى تقليص تأثيرها الوطني.
وقال لي ناشط حقوقي أمضى سنوات في الدفاع عن المدينة ضد الانتهاكات التي ارتكبتها مختلف الأطراف، إنه لم يعد يرى خياراً سوى حمل السلاح للدفاع عنها. وأضاف: «لم نتوقع أبداً هذا السيناريو المرعب. إلى أين نذهب؟».
شبح الحصار يعود
يمهد سقوط الطرق والمواقع في ريف تعز الطريق أمام فرض حصار جديد على المدينة. فقد ضيّق تقدم الحوثيين طرق التواصل بين المدينة ومناطقها الجنوبية والغربية والشرقية، كما ترك الانسحاب من بعض المواقع جبل صبر، المطل على المدينة وأطرافها، مكشوفاً أمام مزيد من الضغوط.
عاشت تعز حصاراً لسنوات، وكان فتح الطرق تحولاً كبيراً في حياة سكانها. وإذا أُغلقت مجدداً، فلن يعني ذلك مجرد العودة إلى الأوضاع السابقة، بل الدخول في أزمة أكثر تعقيداً، بعد سنوات من الاستنزاف الاقتصادي وتراجع الخدمات وانهيار القدرة الشرائية وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.
ومن المفارقات أن الحوثيين أطلقوا التصعيد الحالي تحت ذريعة «كسر الحصار السعودي على اليمن»، لكنهم يفرضون اليوم حصاراً جديداً على مدينة يزيد عدد سكانها على مليون نسمة، وفق بعض التقديرات.
لا أستحضر حصار تعز باعتباره مفهوماً مجرداً على خريطة عسكرية؛ فقد عشته ميدانياً خلال السنوات الأولى للحرب.
في 22 ديسمبر 2015، كنت أول صحفي يصل إلى منطقة غرب مدينة تعز عبر طريق محفوف بالمخاطر، محاولاً الاقتراب قدر الإمكان من معبر الدحي، الذي أصبح رمزاً لمعاناة السكان. كان الناس يتعرضون للإذلال والاستجواب أثناء محاولتهم الدخول إلى المدينة أو الخروج منها. وتمكنا من توثيق المشهد بالكاميرا، واستخدمت تلك اللقطات لاحقاً دليلاً على قسوة الحصار.
وفي أواخر ديسمبر من ذلك العام، غادرت المدينة إلى عدن لرؤية أسرتي، عبر المنحدرات الوعرة لجبال طالوق في مديرية المسراخ. استغرق النزول نحو ساعتين سيراً على الأقدام، وشاهدت الناس يحملون الأدوية والألواح الشمسية والمواد الغذائية على ظهورهم أو ظهور الحيوانات.
وفي طريق العودة، التقيت امرأة من صبر قالت إنها مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل كرامتها. ثم خضت رحلة الصعود الشاقة، قبل أن أستقل سيارة باتجاه المدينة ليلاً، مع إطفاء المصابيح لتجنب قناصة الحوثيين.
وفي 11 مارس 2016، أُصبت أثناء تغطية محاولة لكسر الحصار عند معبر الدحي، برفقة المصور طه صالح. وكادت الإصابة أن تفقدني عيني اليمنى.
وعندما فُتح الطريق عبر منطقة الضباب والريف الغربي، أتاح ذلك للسكان التنقل نحو جنوب تعز وعدن دون الاضطرار إلى تسلق الجبال وسلوك المسارات الوعرة. وأصبح الطريق ممراً للوصول إلى المستشفيات ونقل البضائع وزيارة الأسر، ومتنفساً من العزلة التي فرضها الحصار.
وفي يونيو 2024، كان لفتح الطريق الشرقي المؤدي إلى الحوبان الأثر نفسه. فبعد سنوات من الرحلات التي كانت تستغرق ست ساعات أو أكثر عبر المسارات الجبلية الوعرة، بات الوصول من الحوبان إلى المدينة يستغرق عشر دقائق بالسيارة. وأعاد الطريق ربط المدينة بمحيطها الاجتماعي والاقتصادي.
كما أتذكر السنة الأولى من الحصار، حين أصبحت مواد أساسية مثل الثلج والزبادي نادرة أو غير متوفرة. كان الحصار يخنق تفاصيل الحياة اليومية، فيما يتحمل سكان تعز معاناة هائلة.
وقد تكون العودة إلى العزلة اليوم أشد وطأة. فالاقتصاد أكثر تدميراً، والخدمات أضعف، والسكان تحملوا سنوات إضافية من الحرب. كما أن سيطرة الحوثيين على مناطق من الريف قد تقلص خيارات الالتفاف حول المدينة عبر الطرق الجبلية التي استخدمها السكان خلال الحصار الأول. وعلى خلاف السنوات الأولى، حين كان كثيرون يستطيعون الفرار إلى القرى، أصبحت الخيارات المتاحة أمام السكان أضيق، بعدما امتد القتال إلى مساحات واسعة من الريف.
ووصف لي صديق داخل المدينة الوضع بأنه «قلق وغضب وتحدٍّ». وتحدث عن نقص الوقود وغاز الطهي وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وعن شعور عام بالخوف في الشوارع. وقال سكان إن حركة التنقل تكاد تكون توقفت، وإن المدارس أُغلقت، وإن شعوراً عميقاً بالقلق خيّم على مدينة اعتادت الحرب والقصف والحصار، لكنها تواجه الآن تهديداً وجودياً.
وقال لي محافظ تعز، نبيل شمسان، إنه يجري مباحثات مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن آليات إدخال الغذاء والسلع إلى المدينة. وإذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين وضمان استمرار الإمدادات، فقد يتحول خطر الحصار إلى أزمة إنسانية كبرى.
بين الاستسلام والمقاومة
تجد تعز نفسها أمام خيارات بالغة الصعوبة: الاستسلام، بما يحمله من مخاطر على السياسيين والصحفيين والعسكريين والمدنيين الذين وقفوا في مواجهة الحوثيين لسنوات، أو المقاومة، بما قد تترتب عليها من عواقب إنسانية كارثية. فاندلاع المعارك داخل الأحياء المكتظة بالسكان يهدد بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، ويفتح الباب أمام انتهاكات يصعب احتواؤها.
ليست تعز مجرد محافظة ذات موقع جغرافي حساس، بل فضاء تاريخي وسياسي واجتماعي أسهم في تشكيل الدولة اليمنية الحديثة. وقد جعلها ثقلها السكاني ودورها الثقافي وموقعها بين الشمال والجنوب واحدة من أهم ساحات الصراع على مستقبل اليمن.
وتعود جذور هذه المكانة إلى قرون مضت. فقد اتخذت الدولة الرسولية في العصور الوسطى من تعز عاصمة لها لأكثر من قرنين، كما كانت عاصمة إدارية لليمن خلال الفترة الممتدة من عام 1948 إلى عام 1962. وظلت المحافظة موطناً لشرائح واسعة من النخب التعليمية والإعلامية، ومركزاً للنشاط المدني والسياسي والفكري.
كما احتلت تعز موقعاً مهماً في التحولات السياسية الحديثة في اليمن. فقد ارتبطت بالحركة الوطنية والتيارات الجمهورية والنشاط المدني المناهض للاستبداد. وأسهم أبناؤها في ثورة 26 سبتمبر 1962 ضد الإمامة في شمال اليمن، وثورة 14 أكتوبر 1963 ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب.
وعندما سيطر الحوثيون على صنعاء عام 2014 واتسعت رقعة الحرب، تحولت تعز إلى أحد أبرز مراكز المقاومة، وإلى رمز للصراع حول هوية الدولة وطبيعتها. ولم تكن مقاومة أبنائها مجرد رفض لقوة عسكرية متقدمة، بل رفضاً لأيديولوجيا سياسية تتعارض مع تقاليد الجمهورية والمواطنة والتعددية التي مثّلتها المحافظة طويلاً.
إن هزيمة تعز لن تمنح الحوثيين السيطرة على الطرق والمواقع العسكرية فحسب، بل ستضع سكاناً بأعداد كبيرة تحت سلطتهم، وتتيح لهم السعي إلى تعبئتهم، فيما تتقلص المساحة الجغرافية التي تستطيع القوى المناهضة لهم التحرك فيها بفاعلية.
لكن الرصيد التاريخي والرمزي لا يمكن أن يعوض غياب القيادة الجادة. فلم تحظَ تعز دائماً بالدعم المؤسسي والحماية اللذين يتناسبان مع أهميتها. وأسهمت الحسابات السياسية في التعامل مع المحافظة باعتبارها، في المقام الأول، مجال نفوذ لحزب الإصلاح، فيما ظلت أسئلة جوهرية بلا إجابة: لماذا أصبحت محافظة تمتلك هذه الموارد البشرية وهذا الموقع الاستراتيجي مكشوفة إلى هذا الحد؟ ولماذا تحملت سنوات من القصف والحصار، إلى جانب إخفاقات داخلية في الأمن والإدارة؟
لا توجد إجابة واحدة. فالتراجع نتاج تفاعل عوامل عدة، تشمل حساسية الجغرافيا، والانقسامات السياسية، وضعف المؤسسة العسكرية، والإخفاقات الإدارية واللوجستية، وتآكل العلاقة بين القيادة وحاضنتها الشعبية.
إن سيطرة الحوثيين على تعز ستمنحهم فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى في غرب اليمن، وتضييق الخيارات المتاحة أمام خصومهم.
تعز وباب المندب والأمن الإقليمي
ما يحدث في تعز يرتبط مباشرة بقضية البحر الأحمر. فالأهمية العسكرية لمرتفعات المحافظة تنبع من دورها في تأمين خطوط الإمداد وممارسة الضغط على القوات الحوثية المنتشرة على الساحل الغربي.
ولا تقتصر هذه الحسابات على الصراع اليمني وحده، في ظل ارتباط الحوثيين بإيران وما يُعرف بمحور المقاومة، واستمرار التنافس الإقليمي على أمن البحر الأحمر والممرات البحرية. وتُظهر الهجمات على السفن والتهديدات التي تطال الممرات المائية والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك التهديدات التي تصل إلى السعودية، أن الحرب اليمنية أصبحت جزءاً من حسابات إقليمية أوسع، قد تمتد تداعياتها إلى أمن المنطقة واقتصاداتها، بل إلى ما وراءها.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى تطورات تعز بمعزل عن المعارك الدائرة على الساحل الغربي، أو عن العمليات التي أطلقتها الحكومة والتحالف السعودي لاستعادة المواقع الاستراتيجية التي خسرتها القوات الحكومية أمام الحوثيين خلال الشهر الماضي، ضمن عملية «فجر اليمن»، الممتدة من المخا إلى باب المندب. وقد أعلن مسؤولون أن هدف العملية هو استعادة صنعاء، بينما تُركت تعز لمواجهة مصيرها وحدها.
يؤثر مستقبل تعز في قدرة القوى المناهضة للحوثيين على الاحتفاظ بموطئ قدم جغرافي مترابط في غرب البلاد، كما يؤثر في فرص بناء استراتيجية وطنية مشتركة. وقد يمنح اتساع النفوذ الحوثي في هذه المنطقة الجماعة خيارات إضافية للضغط على الساحل والممرات البحرية، حتى إن لم يصل الأمر إلى السيطرة المباشرة على باب المندب.
لكن الخطر الأكبر يكمن في تعامل القوات اليمنية والسعودية مع هذه التطورات باعتبارها مكاسب أو خسائر محلية منفصلة، في حين تعيد نتائجها التراكمية، بعيداً عن الأنظار، تشكيل الصراع برمته، وتهدد الأمن الوطني السعودي والأمن البحري على نطاق أوسع.
إن التنافس بين القوى المناهضة للحوثيين، وغياب التنسيق، وتبادل الاتهامات بعد خسارة كل جبهة، لا يضعف طرفاً بعينه فحسب، بل يهيئ الظروف التي يستطيع الحوثيون استغلالها في مختلف أنحاء اليمن وخارجها.
بهذا المعنى، لا تمثل معركة تعز صراعاً على الأرض فحسب، بل اختباراً لقدرة المعسكر المناهض للحوثيين على إعادة بناء نفسه، والانتقال من إدارة جبهات متفرقة إلى مشروع وطني شامل يمتلك قيادة واضحة وأهدافاً مشتركة.
وإذا لم يتحقق هذا التحول، فقد يصبح الانهيار الحالي منعطفاً تاريخياً يتجاوز حدود المحافظة ليطال مستقبل الجمهورية نفسها. ولهذا يرى بعض السياسيين أن سقوط تعز قد يكون أشد خطورة من سقوط صنعاء؛ إذ سيكسر ظهر الحكومة المعترف بها دولياً، ويحطم الثقل الرمزي لقيادة تنحدر من تعز، ويفكك النظام الجمهوري في اليمن، ويقوض هويته الوطنية الحديثة، ويوهن الحركة الوطنية التي ظلت تعز حاضنتها وقلعتها.
هذه حكاية منطقة دافعت عما تبقى من معنى الدولة، فإذا بالدولة وقيادتها تخذلانها.
وإذا لم يتحول هذا الانهيار إلى مناسبة لمراجعة حقيقية وشاملة، فلن تكون تعز وحدها من يدفع الثمن.
اليمن كله سيدفعه.
هذا المقال نشر في مجلة نيولاينز الأمريكية
https://newlinesmag.com/argument/if-taiz-falls-yemen-may-never-be-the-same/