يتبنى الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) نهجًا في السياسة الخارجية يقوم على مبدأ المعاملات المتبادلة: تُقدّم شيئًا فتحصل على مقابله، أما إذا لم تُقدّم شيئًا، فلا تتوقع الكثير.
لقد قدّمت إسرائيل الكثير للولايات المتحدة، وحصلت في المقابل على الكثير أيضًا. فقد خاضت الحرب إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران، وقدّمت معلومات استخباراتية قيّمة، وأظهرت القدرات العسكرية التي ترغب واشنطن في رؤيتها لدى حلفائها.
وفي أبريل/ نيسان، قال وزير الدفاع الأمريكي (بيت هيغسيث): «إلى حلفائنا الإسرائيليين، شكرًا لكم على كونكم حليفًا شجاعًا وكفؤًا ومستعدًا للقتال في ساحة المعركة هذه. لقد شاهد بقية العالم وسائر حلفائنا الذين يُفترض أنهم حلفاؤنا ما تبدو عليه القدرات الحقيقية. وينبغي لهم أن يستخلصوا العبر من ذلك».
أما حلفاء الولايات المتحدة التقليديون، من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى كوريا الجنوبية، فلم يقدموا دعمًا يقترب من هذا المستوى. ولذلك، لم يقتصر ما تعرضوا له من جانب ترامب على الانتقادات اللاذعة.
فقد أمر ترامب بتقليص نطاق المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، مستشهدًا برفض سيول المساعدة في الحملة العسكرية ضد إيران. كما هدّد بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، بعدما رفضت مدريد السماح لواشنطن باستخدام قواعدها العسكرية لشن ضربات على إيران.
ثم تأتي السعودية.
أثار إحجام واشنطن عن التدخل المباشر في المعركة التي تخوضها السعودية ضد الحوثيين حيرة كثيرين. وقد اتخذت هذه المواجهة منحى بالغ الدموية يوم السبت، عندما استهدف صاروخ مطار الملك خالد في الرياض، ما أسفر عن مقتل 12 شخصًا وإصابة أكثر من 300 آخرين، في أخطر هجومٍ تتعرض له السعودية منذ عقد من الزمن.
وجاء ذلك في وقتٍ كانت فيه التوترات بين السعودية والحوثيين تتصاعد بشكل مستمر و متزايد. وكان هجوم السبت الثالث من نوعه خلال أسبوع واحد، منذ أن أطلقت السعودية هجومًا مضادًا ضد الحوثيين بهدف دفعهم إلى التراجع بعيدًا عن مضيق باب المندب الاستراتيجي.
وعلى الرغم من كل ذلك، ظل ترامب مترددًا. فقد قدّمت واشنطن دعمًا استخباراتيًا ومساعدة في تحديد الأهداف، لكن الرئيس الأمريكي امتنع حتى الآن عن التدخل العسكري المباشر. وفي يوم السبت، صرّح بأنه يدرس إمكانية الانضمام إلى الضربات السعودية.
فما أسباب هذا التردد؟
تتراوح التفسيرات المطروحة بين عدم الرغبة في الانخراط في حملة عسكرية كبرى جديدة، قبل أقل من شهر على انتخابات التجديد النصفي، والمخاوف من استنزاف مخزونات الأسلحة بفعل الحرب الدائرة في إيران.
• رفض السعودية الانضمام إلى اتفاقية أبراهام
ومن التفسيرات المحتملة الأخرى إحباط ترامب إزاء إصرار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على رفض الانضمام إلى اتفاقية أبراهام. إذ كان من شأن تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل أن يمنح ترامب مكسبًا دبلوماسيًا مهمًا قبيل الانتخابات.
وإذا صحّ هذا التفسير، فإنه ينسجم مع نمطٍ متكرر في تعاملات ترامب. ففي يوليو/ تموز، وقّعت الولايات المتحدة والسعودية اتفاقية للتعاون في المجال النووي، فتحت الباب أمام قيام الشركات الأمريكية بدور تجاري كبير في هذا المجال. لكن ترامب صرّح لاحقًا بأنه لن يمضي قدمًا في الاتفاق ما لم تنضم السعودية إلى اتفاقية أبراهام.
أنت تقدّم شيئًا، فتحصل على مقابله.
و لطالما مثّل تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل الغاية الدبلوماسية المنشودة في الشرق الأوسط.
و قال (آفي جيل)، السكرتير العسكري السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو)، في مقابلة مطوّلة وكاشفة أجرتها معه صحيفة «إسرائيل هيوم» يوم الخميس، إن الرغبة في ضمّ السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية تساعد في تفسير ضبط إسرائيل لردود فعلها تجاه حركتي حماس وحزب الله في الفترة التي سبقت هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.
وأوضح أن إسرائيل أرادت تجنّب أي تصعيد من شأنه عرقلة مسار تطبيع العلاقات مع السعودية، مشيرًا إلى أن البلدين كانا «أقرب إلى التوصل إلى اتفاق مما يدركه الناس».
لكن التحركات الإسرائيلية لم تكن هي التي أجهضت هذا المسار، بل إن حماس هي التي أطاحت به بمفردها.
ومنذ ذلك الحين، أوضحت السعودية موقفها بجلاء، مؤكدة أنها لن تمضي قدمًا في تطبيع العلاقات مع إسرائيل ما لم يتوافر مسار واضح يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية. وجاء ذلك رغم تزايد التهديد الإيراني، ورغم ما ينطوي عليه تطبيع العلاقات مع إسرائيل من جدوى استراتيجية في إطار السعي إلى إنشاء منظومة أمنية إقليمية جديدة.
وهذا يترك فجوة مألوفة بين المنطق الاستراتيجي وإمكانية التطبيق السياسي، ففي ظل استمرار آثار هجمات السابع من أكتوبر وحداثة ذكراها وثقل تداعياتها، من المستبعد جدًا أن توافق أي حكومة إسرائيلية في المستقبل المنظور على إقامة دولة فلسطينية.
و تواجه إسرائيل والسعودية تهديدات من إيران وحلفائها. ولدى الطرفين مصلحة مشتركة في منع الحوثيين من تهديد الملاحة البحرية والمطارات والاستقرار الإقليمي. وتشكل هذه المصالح المشتركة مبررًا قويًا للتعاون بينهما، لكنها لم تكن كافية حتى الآن لتجاوز العقبات السياسية التي تحول دون إقامة علاقات علنية بين البلدين.
وبرز دليل إضافي على توجهات الرياض في بناء منظومتها الأمنية الإقليمية في أغسطس/ آب، عندما وقّعت اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا. فبدلًا من إخراج علاقاتها مع إسرائيل إلى العلن، كانت السعودية تعمل على تعزيز إطار أمني بديل بالتعاون مع قوتين إسلاميتين.
وقد حملت الاتفاقية تعهدًا واسع النطاق، مفاده أن أي هجوم على أحد الأطراف سيُعدّ هجومًا على جميع الأطراف. لكن الاستجابة لحملة الحوثيين لم ترقَ حتى الآن إلى مستوى هذه التعهدات. وتشير تقارير إلى أن تركيا بدأت تقديم مساعدات دفاعية وتقنية، غير أن ذلك لا يزال بعيدًا كل البعد عن الانضمام إلى السعودية في شنِّ ضربات ضد العدو الذي يستهدفها.
ويُظهر توقيع هذه الاتفاقية أن السعودية، رغم اهتمامها بالحفاظ على التعاون الاستخباراتي مع إسرائيل وإبقائه بعيدًا عن الأضواء، كانت تسعى إلى إبرام ترتيبات أمنية واسعة النطاق مع أطراف أخرى.
ثم أقدم طيار عُماني على التخطيط لتحطيم طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي»، كانت تقلّ على متنها عددًا كبيرًا من الركاب الإسرائيليين، في مطار بن غوريون، غير أن عددًا من الركاب وأفراد الطاقم تحلّوا بالشجاعة وسرعة البديهة وتمكنوا من إحباط مخططه. وعندها، تبيّن للقيادة الإسرائيلية بوضوح، ودون مواربة، حقيقة موقف السعودية منها.
صحيح أن السعوديين سمحوا لطائرة متضررة تقلّ ركابًا إسرائيليين بالهبوط في مطار ذي استخدام مدني وعسكري في تبوك. وصحيح أيضًا أن الطواقم الطبية السعودية قدمت الرعاية للركاب الإسرائيليين. وقد مثّل كلا الإجراءين مساعدة مهمة في لحظة خطر بالغ.
لكن الرياض رفضت رفضًا قاطعًا طلب إسرائيل إرسال طائرة تابعة لها لإجلاء الركاب. وفي نهاية المطاف، أعادت طائرة بديلة تابعة لشركة «فلاي دبي» الركاب إلى بلادهم.
• تعاون، ولكن ضمن حدود
كشفت هذه الحادثة عن الخط الفاصل بين التعاون العملي والقبول العلني. فالسماح لطائرة إسرائيلية بالتوجه إلى السعودية لنقل الركاب كان سيمثل خطوة تتجاوز الحدود المقبولة في مسار تطبيع العلاقات؛ إذ كان من شأنها أن تثير معارضة شديدة من قطاعات واسعة من الرأي العام السعودي، فضلًا عن أنها كانت ستمنح إيران بلا شك فرصة لتوظيف هذه الخطوة ضد السعودية سياسيًا وإعلاميًا.
وبغض النظر عن الحسابات الدقيقة التي استند إليها هذا الرفض، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة: يمكن المضي قدمًا في التعاون، ولكن ضمن حدود معينة.
وبعد عشرة أيام، تعرّض مطار سعودي لهجوم، لتجد الرياض نفسها فجأة في حاجة إلى حلفاء في معركتها ضد الحوثيين.
وقد أثار ذلك الهجوم، بطبيعة الحال، تكهنات بشأن احتمال أن يدفع إلى إخراج التعاون الأمني السعودي الإسرائيلي إلى العلن، وأن يفضي إلى توثيق العلاقات بين الطرفين لمواجهة تهديد مشترك. فإضعاف الحوثيين، في نهاية المطاف، يخدم المصالح الإسرائيلية كما يخدم المصالح السعودية. وليس خافيًا أن الجماعة تتبنى موقفًا عدائيًا تجاه إسرائيل.
لكن وجود أعداء مشتركين لا يعني بالضرورة الدخول في عمليات عسكرية مشتركة. فالمشاركة الإسرائيلية العلنية قد تترتب عليها كلفة سياسية بالنسبة إلى الرياض، كما قد تمنح الذريعة لمن يسعون إلى تصوير الحملة السعودية على أنها تصبّ في خدمة المصالح الإسرائيلية.
وسيتعين على القيادة السعودية الموازنة بين هذه التكاليف والمكاسب التي يمكن أن تحققها من المساعدة الإسرائيلية. وفي المقابل، سيتعين على إسرائيل أن تقرر حجم المخاطر التي ينبغي لها تحمّلها نيابة عن السعودية، وما الذي يمكن أن تتوقع الحصول عليه في المقابل.
ورغم أن الهجوم على المطار لا يضمن تحقيق اختراق في العلاقات بين إسرائيل والسعودية، إلا أنه يفرض على الرياض مواجهة سؤال جوهري: هل من المنطقي الاستمرار في إبقاء أحد أقوى شركائها الإقليميين المحتملين على مسافة منها؟
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فيتخذ السؤال شكلًا آخر من معادلة ترامب القائمة على مبدأ المصالح المتبادلة: إلى أي مدى ينبغي لإسرائيل أن تقدّم الدعم، في حين لا تزال السعودية مترددة في إظهار استعدادها العلني لتلقّيه؟
للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي..