[ رويترز ]
لم تعد الحرب الإقليمية الدائرة حول إيران محصورة في الخليج ومضيق هرمز، فإلى الجنوب، وعلى بعد أكثر من ألف كيلومتر من السواحل الإيرانية، بدأت جبهة قديمة تستيقظ مجددا في سياق إقليمي مختلف تماماً، حيث يصعّد الحوثيون ضد السعودية من جهة، ويهاجمون القوات التابعة للحكومة اليمنية من جهة ثانية، كما يهددون الملاحة في البحر الأحمر في الوقت نفسه.
ومع انتقال الصواريخ والطائرات المسيّرة من جبهات الداخل اليمني إلى منشآت الطاقة السعودية وممرات التجارة البحرية، يطرح التصعيد تساؤلا حول أسباب دخول الحوثيون الحرب في هذا التوقيت، وفيما لو بات باب المندب امتداداً لمعادلة مضيق هرمز وورقة ثانية تستطيع إيران وحلفاؤها استخدامها للضغط على الخليج والولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.
ويأتي التصعيد الحوثي بينما تستمر أزمة مضيق هرمز والمفاوضات المتعلقة بإيران، وبعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقا للدفاع المشترك، وبذلك تتقاطع ثلاثة صراعات كانت تبدو منفصلة، المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وحلفائها، والصراع السعودي–الحوثي، والحرب اليمنية الداخلية، فيما تبدو النتيجة المحتملة ليست مجرد إضافة جبهة جديدة، وإنما ظهور مسرح عمليات مترابط يمتد من هرمز إلى الخليج والسعودية واليمن وباب المندب والبحر الأحمر.
من طائرة إيرانية إلى مصفاة جازان.. كيف بدأت شرارة القتال؟
لم تبدأ دورة التصعيد الحالية بضربة على ناقلة نفط أو منشأة سعودية، وإنما بخلاف حول طائرة إيرانية ومطار صنعاء.
بحسب وكالة أسوشيتد برس، تعود جذور الأزمة الأخيرة إلى محاولة تشغيل رحلة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية إلى مناطق سيطرة الحوثيين، وتطورت المواجهة حول السماح للطائرة بالهبوط والسيطرة على المجال الجوي، وصولاً إلى ضربة قادها التحالف السعودي عطلت مدرج مطار صنعاء، وتمكنت وساطة عمانية لاحقاً من احتواء الأزمة المباشرة والسماح للطائرة بالهبوط في الحديدة، لكن الشرارة كانت قد أطلقت مساراً جديداً من التصعيد.
أدت الضربات على مطار صنعاء والخلاف حول السيادة على المجال الجوي والرحلات الإيرانية إلى مناطق الحوثيين إلى انهيار هدنة سعودية–حوثية فعلية استمرت نحو أربع سنوات، فالتحالف يعتبر الرحلات غير المنسقة تهديداً لسيادة الدولة ومدخلاً لتوسيع النفوذ اللوجستي الإيراني، بينما يراها الحوثيون حصاراً غير قانوني. ويهدد انهيار هذه الهدنة بإعادة إشعال الحرب اليمنية وتهديد طرق التجارة، وربط الصراع المحلي بالمواجهة الإقليمية الأوسع.
وما بدا للوهلة الأولى خلافاً تقنياً على رحلة جوية كان في جوهره صراعاً على السيادة، وانعكاسا لتحولات أوسع في أولويات الحوثيين، فالجماعة التي كانت تركز خلال المفاوضات السابقة على إجراءات مثل دفع رواتب الموظفين وتخفيف القيود، أصبحت تقدم ملفات المطارات والموانئ والمجال الجوي والمياه الإقليمية باعتبارها مسائل تتعلق بالسيادة اليمنية.
وسرعان ما تجاوز النزاع مسألة الطائرة، ففي 20 يوليو/تموز أعلن الحوثيون ما وصفوه بحصار بحري للسعودية ضمن حملة "الحصار مقابل الحصار"، ثم تصاعد استهداف السفن المرتبطة بالمملكة، بالتوازي مع هجمات على الأراضي السعودية.
وخلال الأسابيع التالية اتسعت رقعة المواجهة لتشمل منشآت الطاقة والمطارات والملاحة، وصولاً إلى إعلان الحوثيين في 9 أغسطس/آب مهاجمة مصفاة أرامكو في جازان بطائرة مسيّرة، وأعلنت السعودية اندلاع حريق تمت السيطرة عليه من دون تسجيل ضحايا.
ثلاث حروب في وقت واحد
تظهر خريطة التطورات خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة أن التصعيد لم يكن حادثاً منفرداً، وإنما عملية متدرجة توسعت جغرافياً ونوعياً لتشمل البنية التحتية للطاقة والملاحة والمطارات.
واللافت في الحملة الحوثية الحالية أن الجماعة تتحرك على ثلاثة مستويات متزامنة.
المستوى الأول هو السعودية نفسها، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديد باستهداف المطارات والبنية التحتية ومنشآت الطاقة.
المستوى الثاني هو البحر الأحمر، حيث يحاول الحوثيون استخدام موقعهم الجغرافي لفرض تهديد مستمر على السفن المرتبطة بالسعودية وعلى حركة الملاحة قرب باب المندب.
أما المستوى الثالث فهو الداخل اليمني، فقد تزامنت الضربات على السعودية مع تصعيد ضد القوات التابعة للحكومة اليمنية وهجمات في مأرب والمخا ومناطق أخرى، وفي المخا تحديداً، أدت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى سقوط قتلى وإلحاق أضرار بالبنية التحتية للميناء.
وهذا المستوى الثالث مهم لفهم أن المسألة ليست مجرد قيام الحوثيين بتنفيذ وظيفة إقليمية لمصلحة إيران.
فالعمليات، قد تشير إلى أن الحملة لا تستهدف فقط إرباك الاقتصاد السعودي، وإنما يمكن أن ترتبط أيضاً بمحاولة تغيير ميزان القوى على الأرض والسيطرة على أراضٍ إضافية داخل اليمن.
وبذلك قد تكون أهداف الحوثيين مزدوجة لصالح إسناد موقع إيران ومحورها في الحرب الإقليمية، واستغلال الحرب نفسها لتعزيز المشروع الحوثي داخل اليمن.
كما أن هناك أيضاً عامل داخلي لا ينبغي تجاهله، فالمناطق الخاضعة للحوثيين تواجه ضغوطاً اقتصادية ومعيشية متراكمة، والتصعيد الخارجي يسمح للجماعة بإعادة توجيه جزء من الغضب الداخلي نحو السعودية والولايات المتحدة والحرب الإقليمية.
وكل ذلك يدفع لاحتمال أن تقود الضربات الحالية إلى إعادة إشعال الحرب اليمنية على نطاق واسع، فالحوثيون يهاجمون داخل اليمن وعبر الحدود في الوقت نفسه، ما يعني أن الصراع السعودي–الحوثي والحرب الأهلية اليمنية يمكن أن يعودا معا.
هل فعّلت إيران ورقتها الثانية؟
في شمال الخليج يقع مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة النفط والغاز في العالم، وفي الجنوب الغربي من شبه الجزيرة العربية يقع باب المندب، البوابة التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي ومنها إلى قناة السويس.
وبين الاثنين تقع دول الخليج ومنشآتها النفطية وطرق تصديرها.
كانت العلاقة بين الجبهتين نظرية إلى حد كبير، إلى أن بدأت الحرب الحالية تجعلها أكثر واقعية، ففي يوليو/تموز أفادت رويترز، نقلا عن مصادر، بأن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق بوابة البحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة شبكة الطاقة الإيرانية. وحذرت الوكالة آنذاك من أن تهديد باب المندب بالتزامن مع أزمة هرمز يمكن أن يفاقم أزمة الطاقة العالمية بصورة كبيرة.
وهذا لا يعني أن كل عملية حوثية تُدار مباشرة من طهران، فالحوثيون يمتلكون مصالحهم وحساباتهم اليمنية الخاصة، لكن إيران هي الداعم الخارجي الرئيسي للجماعة، وقدمت لها على مدى سنوات أسلحة وتدريباً ومساعدات استخباراتية.
السعودية بين مضيقين
لكن مضيق باب المندب "يبدو كورقة جديدة ظهرت عمليا في الشرق الأوسط يمكن الاحتفاظ بها حتى إذا توصلت طهران إلى تسوية حول هرمز في وقت تجد فيه السعودية ودول الخليج نفسها بين المضيقين.
وليست المسألة نظرية فقط، فقد أدى مجرد تهديد الحوثيين سابقاً للسفن التي تنقل الخام السعودي عبر باب المندب إلى زيادة المخاوف في أسواق النفط من ارتفاع الأسعار وتعطل طرق التصدير.
وتزداد أهمية ميناء المخا في هذه المعادلة بسبب قربه من باب المندب، فإذا أصبح المضيق غير آمن، تتعرض السعودية لضغط استراتيجي مضاعف، هرمز لم يعد آمناً، والطريق البحري البديل عبر البحر الأحمر يصبح بدوره عرضة للتهديد.
" اتفاق مكة" أمام أول اختبار
جاء الهجوم على مصفاة جازان في توقيت بالغ الحساسية، بعد أيام فقط من توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك في مكة.
الاتفاق ينص على اعتبار الهجوم على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، في محاولة لبناء مظلة أمنية إقليمية جديدة في ظل الحرب الإيرانية والشكوك المتزايدة بشأن قدرة الولايات المتحدة وحدها على توفير الأمن لحلفائها.
ثم جاءت الطائرة الحوثية المسيّرة باتجاه أرامكو.
حتى الآن لا توجد إجابة واضحة، رويترز أشارت إلى أنه لم يتضح كيف، أو حتى ما إذا كانت، تركيا وباكستان ستشاركان في أي رد من قبل السعودية التي لم ترد على الهجمات، فيما شددت أنقرة على أن الاتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد إيران وأن أي رد عسكري يخضع للتشاور بين الدول الثلاث.
أما إيران فاختارت علناً التقليل من مخاوفها من الاتفاق، وقالت إنها ليست قلقة من "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، بل قدم بعض مسؤوليها الاتفاق باعتباره دليلاً على تغير نظرة دول المنطقة إلى الاعتماد على الولايات المتحدة في أمنها.
وفي حين لم تعد إيران تحتاج بالضرورة إلى ضرب السعودية مباشرة كي تمارس الضغط عليها، تبدو السعودية من جهتها تتعامل مع هذا التهديد عبر مزيج من التحالفات الجديدة والدبلوماسية والرد العسكري المحدود، وهي تريد ردع الحوثيين، لكنها لا تريد العودة إلى حرب 2015 بصيغتها القديمة، ولا تريد كذلك التحول إلى طرف مباشر في حرب مفتوحة مع إيران.
وتسعى الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا إلى تجنب الانجرار إلى تداعيات دخول الحوثيين الحرب، لكن هشاشة الوضع السياسي والاقتصادي والعسكري في اليمن تضيق هامش المناورة، وقد حذرت الحكومة من عواقب التصعيد الذي قد يدفعها إلى دعم الجهد العسكري الأميركي، خصوصا حول باب المندب.
وفي المقابل، يحاول الحوثيون استباق تشكل أي تحالف بين الحكومة اليمنية وواشنطن، عبر مهاجمة القوات الحكومية المنتشرة على الساحل وتعزيز سيطرتهم قرب باب المندب، ما يهدد بإعادة إشعال الجبهة الداخلية اليمنية بالتوازي مع الحرب الإقليمية.
جبهة جديدة في حرب آخذة بالتوسع
إذا تحولت المواجهة الحالية إلى حرب برية واسعة داخل اليمن، فقد تحتاج السعودية مجدداً إلى دعم أميركي أكبر: ذخائر، دفاعات جوية، معلومات استخباراتية، تدريب ومستشارين وربما ضربات جوية.
لكن الولايات المتحدة تواجه معضلة مختلفة عن تلك التي واجهتها عند بداية التدخل السعودي في اليمن عام 2015.
فواشنطن منخرطة اليوم في حرب إقليمية أوسع مع إيران، ومخزونات بعض أنواع الذخائر تعرضت لضغوط نتيجة العمليات العسكرية، بينما يمثل فتح جبهة إضافية في اليمن والبحر الأحمر استنزافاً جديداً للقوة الأميركية.
ويبقى السؤال فيما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع تحمل حرب إيران، وحماية الخليج، وتأمين البحر الأحمر، ودعم حرب يمنية جديدة في الوقت نفسه.
ويدرك الحوثيون هذه المعضلة، كما يدركون أن السعودية لا ترغب في حرب طويلة، وأن حركة التجارة العالمية لا تستطيع تجاهل باب المندب، وأن أي أزمة في المضيق تنعكس سريعا على التأمين والشحن والطاقة.
وفي حين تنظر طهران إلى تفعيل الجبهة اليمنية على أنه تذكير بالقيمة الاستراتيجية للورقة الحوثية، فإذا زاد الضغط على إيران في الخليج، يمكن أن يظهر الضغط في البحر الأحمر؛ وإذا تعرضت طهران لحصار بحري أمريكي، تستطيع السعودية أن تشعر بجزء من كلفته؛ وإذا اعتقد خصوم إيران أن الحرب يمكن احتواؤها داخل حدودها، تستطيع شبكة حلفائها توسيع الخريطة، إلا أن الحوثيين ليسوا مجرد قطعة على رقعة إيرانية، ويبدو أن لديهم مشروع سياسي وعسكري يمني، ويحاولون استخدام اللحظة الإقليمية للحصول على مكاسب محلية وتغيير خطوط السيطرة داخل اليمن.
هكذا بدأت الحرب الإيرانية والحرب اليمنية تتداخلان دون أن تصبحا حرباً واحدة بالكامل، لكن كلما طال التصعيد، يصبح الفصل بينهما أصعب.
إن قدرة إيران وحلفائها على تهديد المضيقين في الوقت نفسه، يرفع مخاطر الملاحة والطاقة، واحتمال تحول المواجهة مع إيران إلى شبكة حروب مترابطة تمتد من الخليج وهرمز إلى اليمن وباب المندب والبحر الأحمر، أي توسع الحرب في الشرق الأوسط مرة جديدة.
في الخلاصة تتطلب استعادة الهدنة عدم تحويل هذا التصعيد إلى حرب كبيرة، عبر استئناف الحوار والعودة إلى تفاهمات ما قبل حرب غزة، مع تنظيم استخدام مطار صنعاء بالتنسيق مع الحكومة اليمنية والأمم المتحدة، والسماح بتطبيع تدريجي للرحلات المدنية، مقابل امتناع الحوثيين عن فتح خطوط دولية جديدة، ولا سيما مع طهران، من دون تفاهم مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.
لكن من المؤكد أن استدامة أي تهدئة في اليمن باتت مرتبطة بالصراع الإقليمي الأوسع، إذ إن وقف المواجهة الأميركية–الإيرانية يمثل شرطاً أساسياً لمنع انجراف اليمن مجدداً إلى حرب كبيرة وطويلة.