تحليل: جَنْدرة الكوارث في اليمن..كيف غيّرت الإمامة نظرة المجتمع إلى النساء؟
يمن فيوتشر - جيم -محمد الكرامي الاربعاء, 23 سبتمبر, 2026 - 10:38 صباحاً
تحليل: جَنْدرة الكوارث في اليمن..كيف غيّرت الإمامة نظرة المجتمع إلى النساء؟

يستحوذ الجسد الأنثوي على حيّزٍ واسعٍ من الخطاب الديني في اليمن، وطالما اقترن بمفاهيم مثل "الفتنة" و"العار" و"الانحلال" و"السخط الإلهي". وقد بلغ ربطه بكل ما هو سلبي إلى حد عزو الظواهر والكوارث الطبيعية مثل الرعود والجفاف وغزو الجراد وارتفاع الأسعار والفوضى السياسية إلى غضب الله على البشر، ولا سيما النساء.

وقد اتّخذ هذا الربط الديني منحًى سياسيًا بعد وصول جماعة أنصار الله (الحوثيين) إلى السلطة وبسطها السيطرة على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن في أيلول/سبتمبر 2014، إذ بدأت تظهر آنذاك خطبٌ سياسيةٌ تربط بروزَ أجساد النساء بالهزائم السياسية. وقد روّج الإعلام الحوثي لتعاليم حسين بدر الدين، شقيق زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الملقَّب "بالقرآن الناطق" الذي كان يحذّر من الجسد الأنثوي بوصفه المنفذ الذي يتسلّل منه الصهاينة، وبوّابة للفساد والرذيلة. فيما بعد شنّت عناصر حوثية حملةً أمنيةً واسعةً في شوارع صنعاء تضمنتْ حرق أحزمة العبايات التي تُحيط بخصور النساء، وإنذار محلات الخياطة بوقف بيعها بحجة أنها تؤخّر "النصر السياسي".

 

عودٌ إلى بدء… دور الأئمة قبل ثورة 1962

لم تكن إجراءات الحوثيين اعتباطية. فإذا ما وضعناها في سياقها الفكري والتاريخي، يتّضح كيف شكّل قدوم الإمام الهادي إلى اليمن في مطلع القرن العاشر الميلادي، وإدخاله الزيدية إلى اليمن، أساسَ نواة الحركات الأصولية اللاحقة، وذلك وفقًا لكتاب الباحث الفرنسي جان لامبير (Jean Lambert)، "طب النفوس: فنّ الغناء الصنعاني". ساهم المبدأ الزيدي القائل بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في أسطرة الكوارث ونزعها عن سياقها العلمي والمحلي، وربط وقوعها بنشاط بائعي الخمر والفنانين/ات، قبل أن يستقر اللوم أخيرًا على النساء باعتبارهن أكبر الـ"مُنكرات".

أثّر التفكير اللاهوتي في التنشئة الاجتماعية لأجيال عديدة من اليمنيين/ات بدءًا بوصول الإمام الهادي، والذي تبعه صعود المتوكّل محمد إلى السلطة عام 1845، ثم بتسلّم الإمام يحيى حميد الدين السلطة عام 1918 في أعقاب خروج الاحتلال العثماني، ثم بتولّي ابنه الإمام أحمد عام 1948 مَهمّة شيطنة النساء.

 

بالنسبة إلى الإمام أحمد، فقد تضاعف قلقه من النساء بالتزامن مع ظهور نشاط نسوي في جنوب اليمن الخاضع للاستعمار البريطاني آنذاك، حيث عملت النساء على انتزاع حقوقهنّ وحرياتهنّ عبر التشريعات، فدفع ذلك الإمام إلى محاولة إحكام قبضته على المرأة مرغمًا إياها على ملازمة الفضاء المغلق أو الخاص لمدّة أربعين يومًا لتقترب أكثر من الله. وفيما بعد سنّ الإمام أحمد قانونًا نشرته صحيفة "الإيمان" يمنع بموجبه النساء من التنقل في الظهيرة، لأنها الفترة التي تنشط فيها الأسواق، وذلك "درءًا للفتنة" بحسب وصف الصحيفة. وكان يردّد "يا الله تدحِّنا شرَّهن" (يا الله جنّبنا شرّهن). عمّق هذا التصور عزلة شمال اليمن، وحَصَر التعليم في الدروس الفقهية داخل المساجد، وجعله حكرًا على الذكور.

تشكّل التابو في اليمن تاريخيًا عبر ثالوث مُحرّم مؤلّف من الغناء والخمر والنساء، وظلّ القمع سيد الموقف إلى أن تراجعت السلطة الأخلاقية للخطب الدينية بحلول منتصف خمسينيات القرن الماضي، وتحديدًا مع دخول الراديو وانتشار الخطب القومية وتسرّب الكتب اليسارية وعودة المغتربين/ات، الذين اطّلعوا على نماذج حضارية مختلفة. راكمت هذه الظروف أرصدة معرفية ساعدت في تحدّي أسطرة المشكلات الفعلية وأعادت ربطها بأسباب واضحة لا غيبية أو منوطة بفئة بشرية معيّنة دون غيرها.

بعد قيام الجمهورية اليمنية في أيلول/سبتمبر 1962 على أنقاض المملكة المتوكلية، عُقدت الآمال على تحقيق أهداف الثورة فيما يخص شؤون المرأة تحديدًا، لكن اندلاع الحرب الأهلية حينها (1962 - 1970) أجّل آمال النساء، إذ قاسى اليمنيون/ات حربًا ضروسًا، صعدت بعدها القوى الدينية والقبلية إبان المصالحة بين الجمهوريين والملكيين عام 1970 برعاية المملكة العربية السعودية.

وعلى الرغم من تراجع ارتباط الغناء والخمر بالتابوهات بعد الثورة، بقيت النساء التابو الوحيد الثابت، إذ لم تُفكّك الثورة بنية الإخضاع الديني بقدر ما أدارتها، فظلّ حضور النساء مادةً دسمةً للقوى الإسلامية الصاعدة ولم تبقَ النظرة النمطية إلى النساء مفروضة من قبل أجهزة السلطة فقط بل زُرعت من الأسفل على مدى قرون من الفكر الإمامي الذي حطّ من قدر فئات اجتماعية كثيرة.

 

اشتباك ثقافي كان التعصّب أقوى من ثماره

استمر التعصّب الديني ضد النساء مع تولّي الوزير ذي الخلفية الإسلامية "عبد الملك الطيب" وزارة التربية والتعليم مطلع السبعينيات، حين بدأت الشبهات تنتشر حول النساء في المدارس والمسارح والإذاعات، وتعزّزت النظرة الأصولية بتغييرات متتالية في المناهج الدراسية. كانت السلطة تُشرف على القمع بواسطة أجهزة الأمن والدعاة الإسلاميين وجماعة الإخوان والتيار الوهابي. ولكن بحلول منتصف السبعينيات استفادت النساء من التحوّلات الاجتماعية التي انبثقت عن انتعاش مشاريع التنمية والاستثمار، وترسّخ مركزيّة جامعتَي صنعاء وعدن، وظهور مؤسسات صحافية وإخبارية، وتأسيس فرق فنية وصحف ومجلّات، ما شجّع على انخراط متزايد للنساء في الفضاء العام وأدائهنّ أدوارًا متنوّعة غير محصورة في الزواج والعائلة.

إلى ذلك، اشتبك عددٌ من الفنانات والكاتبات مع الخطاب الديني عبر أعمال فنية وصحافية؛ ففي مسرحية "ستارة بلا نافذة" لرؤيا أحمد، المستلهمة من صعود المتوكل محمد، تُتّهم النساء بالتسبّب في هزيمة سياسية محتملة أمام النفوذ التركي ويزجّ بهنّ في السجن على الرغم من مساهمتهنّ في المجهود الحربي. سخرت من الأمر كاتبة حملت اسمًا مستعارًا هو "الملكة أروى" في مقال صحافي بعنوان "هل يخاف الله من النساء؟"، قائلةً إن "الحاكم هو من يدير السلطة، وليس الله، إلا لو كان يعتقد أنه وكيله". ذهب الشاعر والدبلوماسي محمد الشرفي أبعد من ذلك في مسرحيته "حريق في صنعاء"، والتي فيها يقتحم رجل دين صالة سينما صارخًا بأنّ الأفلام كفر تُغضب الله وتُسبّب الجفاف: "تبًا تبًا... ضاع الإسلام وضاع الدين/ الشعب بلا أمطار جفّت حتى الآبار"، مطالبًا بحرق صالات السينما "ليُسقط الله الأمطار وتحيا الأرض بعد موتها". 

 

يكشف كل ما سبق كيف أنه كلما عجزت السلطة عن تفسير أزمة، وجدت في المرأة كبش فداء جاهزًا لتبرير الكارثة، فيما بقى مَن يملك سلطة "الأمر والنهي" بمنأى عن أي مساءلة.

على الرغم من حالة الانفتاح العامة خلال حقبة الثمانينيات التي ارتادت فيها النساء الجامعات والسينمات وشغلنَ الوظائف بدون حجاب أو رقابة مستمرة، فإن نشاط جهاز الأمن الوطني تحوّل من واجب حماية الناس إلى وظيفة الإشراف المباشر على الجامعات بالتعاون مع ممثّلي الجماعات الوهابية والإدارة والأمن،

وذلك بحسب أبو بكر السقاف في كتابه "الجمهورية بين السلطنة والقبيلة في اليمن الشمالي". 

ظلّ القمع الجندري كامنًا في المجتمع، فما إن تظهر أزمة حتى تقع النساء أولى ضحاياها، فمثلًا في عام 1985 ضرب القحط أجزاءً واسعةً من شمال اليمن، ولم يكن الجفاف استثناءً كما توثّق كثير من المراجع التاريخية وقواعد البيانات الدولية، بيد أن عددًا من رجال الدين وخلفهم بعض الأهالي، طالبوا بإيقاف حفلة للفنانة تقية الطويلية التي اتُّهمت بالتسبب في الجفاف وتأخّر الأمطار، فخرج سكان المدينة لأداء صلاة الاستسقاء، بينما مُنع أفراد عائلتها من الوقوف بينهم1.

استمرّت حوادث فردية في لوم النساء على الأزمات المناخية في بعض الأرياف التي نالت نصيبًا ضئيلًا جدًا من التعليم وخدماته، وأثّر الخطاب المتزمّت في انتشار الحجاب في الريف الذي كان يزخر بأزياء فولكورية متنوّعه بتأثير ما تمليه الأحوال الجوية، إضافة إلى الفوارق الطبقية والرغبة في التمييز بين العازبة والمتزوجة، قبل أن يصل عصر النقاب الأسود. ضاعف الخطاب المتزمّت أيضًا من تكريس صورة المرأة التي تراوحت بين "الجارية" و"الباغية" و"الحرم المصون"، بحسب تعبير أبو بكر السقاف. انخفضت نسبة مشاركة النساء في الجامعات إلى 12% حينها وظلت تنخفض في عموم شمال اليمن. وبعد انقلاب علي صالح بالتحالف مع حزب الإصلاح (أي الإخوان المسلمين) على شريكه علي سالم البيض والحزب الاشتراكي في جنوب اليمن في صيف 1994، سيطر رجال الدين على السلطة والتعليم والفضاء العام، وسرعان ما بدأت بعض الكتابات السلفية تربط ملامح الفقر والطبقية الناشئة من النهب وتقويض الديمقراطية بأنشطة النساء التي وصفت بالـ "الخلاعة" و"الانحلال".

 ظلّ التحريض ضد النساء حتى الألفية الجديدة متذبذبًا لكنه استمرّ بوتيرة منتظمة، إما عبر أعضاء برلمانيين أصوليين أو خطب رجال دين نافذين في الأحزاب الإسلامية. انتشرت الخطابات التحريضية عبر الصحف وأشرطة الكاسيت التي اكتسحت المناطق الريفية النائية. لكن في المحصّلة تُرك حق تقرير مصير النساء في أيدي المجتمع، بمعنى أن القمع والمنع ترسّخا عبر منظومة الأسرة التي تشرّبت إرثًا طويلًا من الفكر الأصولي.

 

الحوثيون وإعادة إحياء إرث الإمامة الذكوري

مع اندلاع ثورة شباط/فبراير في 2011، احتشدت الساحات بأعداد كبيرة من النساء اللواتي ناضلنَ طويلًا من أجل التخلّص من الصور النمطية والأمّية وتزويج القاصرات و"ختان الإناث"، من أجل معالجة التمييز القانوني، والحدّ من وفيات الأمهات. تكلّلتْ جهودُهنّ في المرحلة الانتقالية التي أعقبت تنحّي علي صالح عن منصبه عام 2012 بحصولهنّ على 30% من مقاعد مؤتمر الحوار الوطني. أسهمت مشاركة النساء آنذاك في صياغة العديد من مخرجات المؤتمر الإيجابية، فضمنَّ تمثيلهنّ المستقبلي من خلال تحديد حصة قدرها 30% في أي هيئة أو مؤسسة حكومية جديدة تُنشأ في البلاد، وشاركن في لجنة صياغة الدستور في سابقة كانت الأولى من نوعها. 

غير أن هذه التطورات تراجعت مع انتهاء العملية السياسية في أعقاب سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 ثم التدخل العسكري في اليمن بقيادة السعودية عام 2015. وسرعان ما همّش الحوثيون صوت المرأة السياسي ودورها في صنع القرار، واضعين حدًّا لجميع المكتسبات السياسية التي حققتها النساء، ليعيدوا بذلك إحياء الدور الجندري الذي رسمته الإمامة للمرأة اليمنية.

وبعد أن استكملت الجماعة سيطرتها على المدن، شرعت الخطب الدينية في شيطنة النساء وعزلهنّ والتحقير بهن. تمأسس هذا التوجّه بعد الإعلان الرسمي عن "كتائب الزينبيات" في كانون الثاني/يناير 2017 التي تركز نشاطها على إرساء الأيدولوجية الحوثية من خلال تقييد حرية المرأة بدعوى التحريم والحفاظ على "الهوية الإيمانية"، وإرساء قيم "المسيرة القرآنية"، بما في ذلك منع النساء من العمل في المنظّمات الدولية، ومنع التنقل بين المحافظات أو السفر للخارج دون "مَحرَم"، وفرض قيود صارمة على اللباس مثل إلزام الطالبات بارتداء الشادور الإيراني في الجامعات، ومنع الاختلاط الدراسي، وإغلاق معاهد اللغات الانجليزية، وإعادة إطلاق قناة "اليمن" بنسختها الحوثية بوصفها ذراع إعلامي للخطاب الديني المتزمت.

اشتدّ القمع ضد النساء عام 2019 على أساس اعتبارهنّ السبب في الفشل السياسي للحوثيين المتمثّل بعدم استكمال السيطرة على الجغرافيا اليمنية من الشمال إلى الجنوب. نتج عن هذا التصوّر إحراق أحزمة العبايات، ومضايقة النساء في صالونات تصفيف الشعر، وطمس وجوههنّ في لوحات إعلانات محلات الأعراس. وشمل القمع منعَ استخدام الهواتف المحمولة في بعض المناطق الريفية، ومهاجمة حفلات التخرج النسائية، ومنع وضع مستحضرات التجميل، ومصادرة تماثيل عرض الملابس، واعتقال الفنانات ومنسقي الحفلات.

اعتمدت "الزينبيات" في هندستهن الاجتماعية الآخذة في التوسّع على الدورات الثقافية والمحاضرات الرمضانية التي تجبر النساء في المصليات والمدارس على تلقّي دروس تُرسّخ دونية المرأة وتمجّد الذكورية، واستحضار خطب حسين الحوثي الذي يربط بين حقوق المرأة و"المؤامرات الغربية"، ويحضّ الأمهات على الزج بأبنائهنّ في الجبهات كواجب ديني مقدّس. 

لا تتكئ هذه الممارسات أو السياسات على أي سند قانوني – هذا إن افترضنا أن الحوثيين يحتكمون إلى قانون أصلًا – إنما تستند إلى إرث ديني طويل من لوم النساء وشيطنتهنّ. وما لم تُفكَّك هذه البنية الفكرية التي تختزل النساء في رموز الخطيئة والتهديد والمكر، فستظل كل أزمة مقبلة في اليمن، سياسية كانت أم مناخية، فرصة جديدة لإعادة إنتاج قمع النساء بأدوات ومسمّيات مختلفة.


التعليقات