تتجه شبكات الطاقة الخليجية نحو مرحلة جيو-اقتصادية جديدة تحكمها اعتبارات أمن الإمدادات، إثر تصاعد حدة التهديدات العسكرية والوعود المتبادلة بين واشنطن وطهران بالعودة إلى الحرب الشاملة، وما ترتب عليه من اشتعال مخاطر الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب وتحويل مسارات ناقلات النفط عبر رأس الرجاء الصالح. ورغم إعلان أميركا، أمس الأحد، تعليق هجماتها على إيران، لإعطاء فرصة قصيرة للمفاوضات، أكدت طهران أنها ستواصل إغلاق مضيق هرمز، كما أن الحوثيين في اليمن يواصلون تهديد سفن النفط. وقالت مصادر مطلعة لوكالة فارس للأنباء أمس: "خطة إعادة فتح مضيق هرمز لا أساس لها من الصحة".
وسبَّبت التوترات تراجع صادرات الخام من الموانئ الغربية للسعودية لتسجل مستويات متدنية، ما أدى إلى تقليص المرونة اللوجستية التي كانت تعتمد عليها الأسواق للتغلب على إغلاق الممرات المائية الشرقية، وبالتالي فرض واقع جديد ينطوي على كلفة تشغيلية مرتفعة وهيكلية جديدة لتوزيع الخام عالمياً، بحسب ما أورد تقرير نشرته منصة ماركيت ووتش (MarketWatch)، المتخصصة في الأسواق المالية والتجارة الدولية، في 29 يوليو/ تموز الماضي.
وكشف الاعتماد الإقليمي على الأنابيب البرية البديلة عن حدودها الفنية واللوجستية أمام أزمات الحرب الممتدة؛ فبينما رفعت السعودية طاقة خط "شرق-غرب" لنقل نحو خمسة ملايين برميل يومياً نحو ينبع للتصدير عبر البحر الأحمر، يصطدم المسار بتهديدات الحوثيين، بينما تحافظ الإمارات على خط "حبشان-الفجيرة" بسعة 1.5 مليون برميل يومياً فقط خارج المضيق، مع بقاء الأنابيب العراقية معطلة، بحسب تقرير نشرته "ستاندرد آند بورز" في 23 يوليو الماضي.
وأدى نقل الشحنات عبر طرق الشحن البديلة والدوران حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من الممرات المائية المغلقة إلى إضافة ما يقرب من 30 يوماً من الإبحار الإضافي وارتفاع حاد في التكاليف اللوجستية، ما فرض علاوة مخاطر حربية واضحة على أسعار الطاقة والتأمين البحري، وفق التقرير ذاته.
وتزايدت الضغوط على أجور نقل الطاقة والسلع نتيجة قفزات أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وهو ما انعكس بشكل مباشر على هيكل التكاليف الممتد عبر خطوط التجارة البحرية المتجهة إلى المنطقة العربية وخارجها، وتؤشر المعطيات الملاحية إلى أن "أسعار العقود الفورية للناقلات العملاقة المسافرة من ينبع إلى آسيا ارتفعت إلى 230 ألف دولار يومياً مقارنة بـ 101.7 ألف دولار يومياً للتحميل من عمان، ما يبرز علاوة المخاطر المرتفعة لتحميل النفط من ينبع"، بحسب ما أورد تقرير نشرته منصة لويدز ليست (Lloyd's List)، المعنية بالشحنات البحرية والاستخبارات الملاحية، في 26 يوليو الماضي.
في هذا الإطار، يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ "العربي الجديد"، أن بيانات شركة ويندوارد أظهرت تراجعاً حاداً في عمليات التحميل بنسبة 40% منذ 19 يوليو إثر فرض قوات الحوثيين حظراً على الملاحة السعودية، ورغم تباين تقديرات الشركات الأخرى مثل "كبلر" و"فورتكسا"، يغذي هذا الغموض بحد ذاته علاوة المخاطر أكثر من الرقم النهائي.
ويوضح الخوري أن البنية التحتية البديلة كالخطوط الممتدة إلى ينبع والفجيرة توفر مرونة وتشتري وقتاً للاقتصاد الخليجي، لكنها لا تشكل حلّاً كاملاً للإمدادات؛ حيث يؤكد التقييم الصادر عن "ستاندرد آند بورز" أنه حتى مع فتح الممرات، ستظل التدفقات النفطية ومعدلات الشحن دون مستويات ما قبل الحرب حتى نهاية عام 2026.
وتتحرك علاوة المخاطر بوصفها معادلة ديناميكية مع كل موجة تصعيد، بحسب توصيف الخوري، إذ يمر عبر البحر الأحمر نحو 10% من النفط المنقول بحراً بواقع تسعة ملايين برميل يومياً، وتجنب الملاحة فيه يرفع كلفة البرميل بين أربعة وثمانية دولارات، مشيراً إلى أن هذا الواقع تُرجم فعلياً بتجاوز خام برنت حاجز 100 دولار قبل تراجعه إلى ما فوق 87 دولاراً، وهذا التذبذب الحاد يمثل ضريبة خوف يدفعها السوق مسبقاً، وليس مجرد تكلفة شحن إضافية.
ويظهر الأثر البنيوي الأعمق في قطاعي التأمين والشحن، بحسب الخوري، حيث ارتفعت تكاليف استئجار الناقلات من ينبع بشكل كبير منذ مارس/ آذار الماضي، وفضّل ملاك السفن الإبحار عبر الطريق الأطول حول أفريقيا رغم ارتفاع استهلاك الوقود وأقساط التأمين، ما يعني أن أمن الطاقة الخليجي لم يعد يُقاس بحجم الاحتياطي أو طاقة الإنتاج، بل بمرونة سلاسل النقل والتأمين التي تتآكل مع كل شهر إضافي من حصار الملاحة.
ويرتبط أمن الغذاء بأزمة الطاقة ارتباطاً مباشراً عبر بوابة الأسمدة، حيث يتأثر 30% من إنتاج وتجارة الأسمدة عالمياً بحركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، لأن الطاقة تمثل بين 60 و80% من تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بحسب الخوري، لافتاً إلى انعكاس ذلك بوصول أسعار الغذاء العالمية في إبريل إلى أعلى مستوى لها في ثلاث سنوات، وسط توقعات بارتفاعها بنسبة 2.9% خلال العام الجاري.
من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي، وضاح طه، لـ "العربي الجديد"، إلى أن الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب يعد أمراً بالغ الصعوبة من الناحية العملية، إذ يصطدم بتحديات كبيرة أبرزها الوجود الدولي القوي في المنطقة للولايات المتحدة وفرنسا وقوى إقليمية أخرى، بالإضافة إلى الجانب القانوني الدولي الذي يعتبر أي محاولة للإغلاق عملية قرصنة بحرية مشابهة للممارسات الإيرانية في مضيق هرمز.
ويلفت طه، في هذا الصدد، إلى تشكل تحالف دولي بقيادة السعودية لمنع إغلاق المضيق، ورغم احتمال حدوث بعض ما وصفها بـ "التحرشات" التي قد ترفع تكاليف التأمين بشكل مؤقت، يرى أن الضربات المتوالية للتحالف على القوات الحوثية ستضعف قدراتهم بشكل كبير، ما يجعل إمكانية إغلاق مضيق باب المندب شبه مستحيلة، وفق تقديره.
ويرتبط الارتفاع الحالي في الأسعار بعلاوة المخاطر التي تعتبر مؤقتة، بحسب طه، مبيناً أن التلكؤ الحاصل في الحركة التجارية من شأنه أن يخلق انخفاضاً في المعروض من السلع الاستهلاكية في السعودية ودول مجلس التعاون، ما يؤدي إلى رفع أسعارها بشكل عابر، لكن انسيابية الحركة ستعود تدريجياً، خاصة عبر المنفذ الشمالي باتجاه قناة السويس.
وهنا يشير طه إلى أنه كان من المفترض تشكيل تحالف مماثل قبل أشهر لإجبار إيران على التخلي عن مبدأ الهيمنة غير القانونية على الممرات المائية، وهو ما يعكس الحاجة إلى استجابة دولية حاسمة تجاه الانتهاكات المستمرة لحرية الملاحة الدولية.
ويخلص طه إلى أن استمرار التهديدات العسكرية المتبادلة أدى إلى تغييرات هيكلية دائمة في آلية بيع النفط في الشرق الأوسط وصعوبة التنبؤ بمسارات التصدير عبر الأنابيب البديلة، ما يجعل الاستقرار المرهون بالحلول البحرية أمراً بعيد المنال في المدى القريب.