اليمن: حرب أم صراع نفوذ خليجي؟ تبايُن الاستراتيجيات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة
يمن فيوتشر - Politics Today- ترجمة خاصة السبت, 21 فبراير, 2026 - 02:19 صباحاً
اليمن: حرب أم صراع نفوذ خليجي؟ تبايُن الاستراتيجيات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة

بعد موجة الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في عدد من الدول العربية عقب عام 2010، أعادت القوى الإقليمية صياغة سياساتها، وشكّلت تحالفات مع دول تتقاطع معها في التوجهات. وكانت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في مقدمة هذه التحالفات، إذ قدّمتا نفسيهما بوصفهما قوتين مناهضتين للثورات، ونسّقتا مواقفهما وتحركاتهما في أكثر من ساحة. وقد شمل ذلك فرض حصار جوي وبري وبحري على قطر، ثم التعاون في اليمن الذي تطوّر تدريجياً إلى تدخل عسكري مباشر.

ومع مرور الوقت، تحوّل كلٌّ من التحالف السياسي الذي تأسّس على معارضة قطر، والتعاون العسكري في اليمن، إلى عبءٍ مُكلف يضر بالطرفين. وظهرت إحدى الإشارات المبكرة على ذلك في اختلاف البلدين بشأن تطبيع العلاقات مع قطر بعد الأزمة. فبينما سارعت الرياض إلى استعادة العلاقات خلال قمة العلا 2021، لم تُبدِ الإمارات القدر نفسه من الحماسة أو الدفء السياسي.

بالنسبة للسعودية، مثّلت المصالحة الخليجية خطوة لتعزيز الاستقرار الإقليمي وإعادة تأكيد دورها القيادي. أما الإمارات فاتبعت نهجاً أكثر حذراً وبروداً، ما اعتُبر مؤشراً مبكراً على بداية تباعد الأولويات الاستراتيجية بين البلدين.

وبحلول نهاية عام 2025، تجاوز هذا التباين حدود الملف اليمني ليكشف عن خلافات أعمق بكثير. ففي ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، وجدت السعودية والإمارات نفسيهما في مواجهة مباشرة داخل اليمن، في واحدة من أشد الأزمات بينهما منذ سنوات. وقد تصاعدت الأزمة إلى تبادل الاتهامات العلني، قبل أن تدخل مرحلة جديدة مع إعلان الإمارات انسحابها الكامل من اليمن.

 

ماذا حدث؟

أظهرت تطورات اليمن في ديسمبر/كانون الأول 2025 الخلافات الاستراتيجية التي ظلّت مكبوتة فترة طويلة داخل التحالف. فالتحالف العربي الذي تأسّس عام 2015 تحت شعار «إعادة الحكومة اليمنية الشرعية» ومواجهة الحوثيين، تحول بحلول 2025 من تدخل أمني مشترك إلى ساحة تنافس خفي على النفوذ.

وبينما تراكمت التباينات منذ عام 2018، شكّل ديسمبر/كانون الأول 2025 نقطة تحوّل يصبح فيها الخلاف أكثر علنية. فقد نفذت السعودية ضربات جوية ضد عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي بين 26 و31 ديسمبر في المكلا وحضرموت والمهرة. وهكذا استهدفت قوات تُعدّ عملياً شريكة لها في التحالف، مدعومة ومُدرّبة من الإمارات، وهو ما خلق وضعاً غير مسبوق داخل التحالف.

خلال هذه المرحلة، برزت حضرموت والمهرة كمحور رئيسي للتطورات. فهاتان المحافظتان اللتان كانتا بعيدتين نسبياً عن مواجهة الحوثيين، أصبحتا ساحة اختبار للتنافس داخل التحالف. واعتُبر توسّع المجلس الانتقالي فيهما، وتعزيز سيطرته على جنوب اليمن في مطلع ديسمبر 2025، تجاوزاً لخط أحمر سعودي. وقد أشار الخبير كريستيان كوتس أولريخسن، في مقال على ذا كونفيرسيشن، إلى أن تزامن هذه الخطوة مع انعقاد قمة مجلس التعاون عزّز قناعة الرياض بأن أبوظبي كانت على علم بها ووافقت عليها.

هذه الأزمة لم تكن جديدة في جذورها. فقد شكّلت اشتباكات عدن عام 2018 بين قوات الحزام الأمني المدعومة من الإمارات وقوات الحكومة اليمنية أول اختبار لوحدة التحالف. وفي عام 2019، اعتبرت السعودية تقليص الإمارات حضورها العسكري – مع بقاء نفوذها عبر جماعات محلية – تخلياً عنها. وتوضح الباحثة بتول دوغان أكّاش في مقالها لدى وكالة الأناضول أن هذا النمط يُعرف بمقاربة «تمرير العبء».

ورغم أن اتفاق الرياض (2019) ومجلس القيادة الرئاسي (2022) صُمّما لاحتواء الانقسام البنيوي، فإنهما لم ينجحا في معالجته. ومع انتقال التنافس إلى المحافظات الشرقية خلال 2023 و2024، كانت الأرضية مهيأة لتحول التحالف إلى كيان شبه معطّل بحلول ديسمبر 2025.

 

لماذا يُعدّ جنوب اليمن مهماً؟

ينبع التنافس على حضرموت والمهرة من اعتبارات جيوسياسية عميقة. فبحسب شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، تضم حضرموت أكبر احتياطات اليمن من النفط والغاز، إضافة إلى ساحل طويل على بحر العرب وموانئ استراتيجية محتملة للتصدير.

أما المهرة فترتبط مباشرة بجهود السعودية لتنويع مسارات الطاقة وتقليل الاعتماد على مضيقي هرمز وباب المندب، بفضل موقعها القريب من حدود سلطنة عُمان وإطلالتها على البحر المفتوح. في المقابل، ترى الإمارات هذه المناطق جزءاً من شبكة نفوذ بحري تمتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن والقرن الأفريقي.

وبذلك، لا تعكس الأزمة في اليمن خلافاً عسكرياً عابراً، بل تصادماً بين رؤيتين استراتيجيتين لمستقبل النظام الإقليمي:
– فالسعودية تنظر إلى اليمن بوصفه حجر زاوية في أمنها القومي وفي مسار رؤية السعودية 2030.
– بينما تتبنى الإمارات استراتيجية أكثر مخاطرة تعتمد على الفاعلين من غير الدول، وترسيخ النفوذ عبر الموانئ وشبكات الأمن.

 

تنافس خليجي يتجاوز اليمن؟

تشير صحيفة عرب نيوز، نقلاً عن شبكة سي إن إن، إلى أن التوترات بين السعودية والإمارات اتسعت لتشمل ملفات أوسع في السياسة الإقليمية. ويتحدث التقرير عن معلومات مضللة وصلت إلى أبوظبي تزعم أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض عقوبات على الإمارات خلال زيارة إلى واشنطن في نوفمبر.

تنفي الرياض هذا الادعاء، وتعتقد أنه لعب دوراً في تحريك المجلس الانتقالي نحو محافظات قريبة من الحدود السعودية. وقد بلغت التوترات ذروتها في 30 ديسمبر/كانون الأول، عندما شنّت السعودية غارات ضد انتشار عسكري داخل اليمن قالت إنه مرتبط بالإمارات ولم يُنسّق مع التحالف.

وترى عرب نيوز أن الخلاف يتجاوز اليمن ليعكس تباينات استراتيجية أعمق. فالسعودية تنتقد تعاون الإمارات مع أطراف تُسهم – وفق وجهة نظرها – في زعزعة الاستقرار في اليمن والسودان والقرن الأفريقي وسوريا، إضافة إلى مسار التطبيع الإماراتي مع إسرائيل منذ عام 2020.

وعلى الرغم من إعلان الإمارات سحب قواتها من اليمن وتأكيد التزامها بأمن السعودية، فإن التطورات تشير إلى انتقال العلاقة إلى مرحلة تنافس علني وبنيوي.

 

ماذا يكشف تحالف الإمارات مع إسرائيل عن الخلاف السعودي ـ الإماراتي؟

أصبح العامل الإسرائيلي بُعداً رمزياً واستراتيجياً في الخلاف بين البلدين. ففي الرياض يُنظر إلى قرار الإمارات تطبيع العلاقات مع إسرائيل عام 2020 – ضمن اتفاقيات أبراهام – بوصفه دليلاً على توجه إماراتي أكثر استقلالية وتدخلاً.

وبينما تحتفظ السعودية بقنوات تواصل محدودة وغير معلنة مع إسرائيل، فإنها تربط التطبيع الرسمي بتحقيق تقدّم واضح نحو حل الدولتين. لذلك يُنظر إلى التعاون الإماراتي–الإسرائيلي العلني على أنه يضعف الدور القيادي الذي تسعى إليه السعودية في العالمين العربي والإسلامي.

وقد وصف الباحث منيف عماش الحربي في تصريح لقناة الإخبارية النهج الإماراتي بأنه «مشروع إسرائيلي يرتدي كندورة»، في إشارة إلى التحوّل الذي أحدثته العلاقات الإماراتية–الإسرائيلية بعد 2020.

وترى وسائل إعلام سعودية أن هذه العلاقات تمنح الإمارات نفوذاً متزايداً في مناطق حساسة مثل اليمن والقرن الأفريقي وشرق المتوسط. وعلى وجه الخصوص، يثير اعتراف إسرائيل بـ أرض الصومال، ودعم بعض النزعات الانفصالية في سوريا، إضافة إلى الخطاب المؤيد للاستقلال الذي يتبناه المجلس الانتقالي الجنوبي في جنوب اليمن، قلقاً لدى الرياض، إذ يُنظر إلى هذه التطورات على أنها ترفع مخاطر تفكك المنطقة.

وبذلك، يتجاوز الخلاف السعودي–الإماراتي حدود الملف اليمني إلى قضايا القيادة والشرعية وترتيبات النظام الإقليمي في الخليج.

 

خلاصة

تكشف التطورات أن الأزمة في اليمن ليست مجرد حرب أهلية أو إخفاق للتحالف العربي، بل إحدى أبرز الساحات التي تتجلى فيها المنافسة الاستراتيجية بين السعودية والإمارات، وهي منافسة تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي، والطاقة، والسياسة الإقليمية، والعلاقات مع القوى الكبرى، وصولاً إلى الصراع على قيادة الخليج في المستقبل.

 

للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: 

https://politicstoday.org/yemen-war-or-gulf-rivalry-the-saudi-arabia-uae-divergence/


التعليقات