في بيان حديث أصدره الشيخ سعد بن عاطف العولقي، أمير تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وجّه الأخير تهديدًا مباشرًا إلى الصين، واصفًا حكومتها بأنها «عدو وثني كافر»، معتبرًا أن سياساتها تجاه مسلمي الإيغور تبرّر شنّ هجمات مستقبلية ضدها. ويعكس هذا البيان تصعيدًا ملحوظًا في خطاب التنظيم المعادي للصين. غير أن السؤال يبقى: هل سيقود هذا التصعيد الخطابي إلى تحوّل فعلي في الأهداف العملياتية؟
اعتادت الجماعات الجهادية المبالغة في تقدير قدراتها، مستخدمة منصّاتها الإعلامية لإطلاق تهديدات واسعة ضد قائمة ممتدة من الخصوم، سواء «العدو القريب» أو «العدو البعيد». وعلى أرض الواقع، بقيت الهجمات التي استهدفت مصالح صينية نادرة ومحدودة الطابع، وغالبًا ما اتسمت بالعفوية والانتهازية. وعلى خلاف الدول الغربية، تفرض أجهزة الأمن الداخلية في الصين رقابة مشددة، ما يجعل وقوع هجمات داخل أراضيها أمرًا نادرًا للغاية. وحتى في حال وقوعها، يبقى التغطية الإعلامية محدودة وخاضعة لرقابة الحزب الشيوعي.
ومع ذلك، وحتى لو ظلت القدرات العملياتية لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب محدودة، فإن توسيع دائرة الخطاب الدعائي يظل تطوّرًا لافتًا. فخطاب التنظيم ركّز تاريخيًا على خصوم محليين، من بينهم الحكومة اليمنية وأطراف إقليمية أخرى. أما التحوّل نحو الصين، فيبدو محاولة لاستقطاب مجنّدين جدد وإثبات الحضور داخل سردية مواجهة القوى الكبرى، وهي مساحة تنشط فيها جماعات أخرى مثل جيش تحرير بلوشستان في باكستان، وتنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان، وكلاهما استهدف مصالح صينية في جنوب آسيا.
ماذا يقول تنظيم القاعدة في جزيرة العرب؟
على الرغم من استمرار ذكر اليهود والأميركيين في دعاية التنظيم بوصفهم «التحالف الصليبي–الصهيوني» و«الشر المزدوج»، فإن الصين لم تعد تُعامل كطرف هامشي. بل يتم تخصيصها الآن بالذكر باعتبارها نظامًا تُرصد «كل تحركاته»، وسيُحاسَب — وفق وصف التنظيم — على انتهاكاته في شينجيانغ، حيث يعيش مسلمو الإيغور.
يمثل ذلك تسارعًا في اتجاه أوسع داخل فروع القاعدة يتمثل في تأطير السياسات الداخلية الصينية ونهجها العالمي — خصوصًا في المناطق ذات الغالبية المسلمة — باعتبارها مبررات لشنّ أعمال عنف جهادية.
ويستهل العولقي بيانه بالإشادة بـ«عمليات بطولية» ضد اليهود والأميركيين، قبل الانتقال إلى الصين وربطها مباشرة بالسردية التبريرية للتنظيم. ويتهم بكين باضطهاد الإيغور، مقدّمًا إياها كقوة تمارس اضطهادًا مباشرًا للمسلمين يستدعي ردًا في نهاية المطاف. أما تعهّده بأن التنظيم «سيتجاوز استهداف المصالح برًا وبحرًا» إذا لم تغيّر الصين «سلوكها وممارساتها»، فيشكّل صياغة واسعة قد تشمل — نظريًا — منشآت دبلوماسية، أو خطوط الشحن، أو العمالة في الخارج، أو البنى التحتية المرتبطة بالمشاريع الصينية.
هذا التصعيد يذكّر بتطوّر خطاب القاعدة ضد الولايات المتحدة في أواخر التسعينيات، حين ضيّق أسامة بن لادن تركيزه على واشنطن قبل هجمات 11 سبتمبر.
ومن خلال تأطير أي هجمات محتملة على أنها «محاسبة» للصين على سياساتها تجاه الإيغور، ينتقل الخطاب من اعتبار الصين فاعلًا ثانويًا إلى خصم مركزي ضمن سردية «الاضطهاد العالمي للمسلمين»، وهي سردية كررها بن لادن مرارًا.
وتحمل العبارة الختامية: «غدًا قريب لمن ينتظر، فانتظروا إنا معكم منتظرون» رسالة مفادها أن الرد على الصين يُقدَّم بوصفه وشيكًا، ولو بقي توقيته ومكانه غير محددين. وبهذا، يرسّخ التنظيم فكرة أن المصالح الصينية باتت ضمن قائمة أهدافه المعلنة، حتى لو اتسمت بياناته أحيانًا بالمبالغة.
نبرة غير مسبوقة في تناول الصين
يختلف أسلوب البيان الأخير عن معظم المواد الجهادية السابقة، إذ تعمّد التنظيم رفع مكانة الصين ضمن سلّم أعدائه. فالإشارة إلى الصين سابقًا كانت عابرة، وفي سياق تعداد الدول التي يُزعم أنها تضطهد المسلمين، من دون نية عملياتية واضحة. أما الآن، فقد خُصص لها قسم مستقل، ووصفت بأنها «وثنية» و«كافرة»، ورُبطت بمظالم محددة تتعلق بالإيغور.
ويشير تأكيد التنظيم أنه يراقب «كل تحرك» صيني ضد الإيغور إلى أن أي تطورات جديدة في شينجيانغ قد تُستخدم كذريعة لعمليات مستقبلية.
كما يسعى التنظيم إلى تصوير استهداف المصالح الصينية بوصفه نتيجة مباشرة لأفعال بكين، وليس عدوانًا غير مبرر، عبر ربط التهديدات بـ«محاسبة» الصين على الرقابة المشددة والاضطهاد الديني وإرسال الإيغور إلى معسكرات إعادة التأهيل.
ويتسق هذا التوجه مع رسالة القاعدة الأوسع، التي تصوّر الصين جهة تضطهد المسلمين داخليًا وتدعم أنظمة معادية لهم خارجيًا، خصوصًا في المناطق التي تعزّز فيها بكين حضورها السياسي والاقتصادي.
وتحمل الإشارة إلى استهداف المصالح «برًا وبحرًا» دلالة خاصة نظرًا لتمركز التنظيم في اليمن، بالقرب من ممرات بحرية حيوية، ما قد يلمح إلى أن الشحن التجاري الصيني أو أنشطة الموانئ قد تُعدّ أهدافًا محتملة.
البعد الدعائي والاستقطابي
لا يقتصر التركيز على الصين على توجيه رسالة لبكين، بل يستهدف جمهورًا أوسع من الجهاديين والمتعاطفين. فمن خلال إبراز معاناة الإيغور والتعهّد بمحاسبة الصين، يسعى التنظيم إلى تقديم نفسه كمدافع عن مسلمين «تُركوا دون نصير». ويتيح ذلك له منافسة جماعات أخرى جعلت من شينجيانغ محورًا في دعايتها، كما يشجّع أنصاره في مناطق يزداد فيها الحضور الصيني — مثل باكستان وشرق أفريقيا ومنطقة الساحل — على استهداف المشاريع والكوادر الصينية.
وبناءً على ذلك، يصبح المواطنون والبنى التحتية الصينية حول العالم — ضمن الإطار الأيديولوجي للقاعدة — أهدافًا ذات رمزية عالية. ومن منظور مكافحة الإرهاب، يشير ذلك إلى أن تعزيز قدرات التنظيم قد يجعل المصالح الصينية في الخارج أكثر عرضة للاستهداف.
وقد تجد الصين نفسها مضطرة إلى تعزيز حضورها الأمني العالمي. لكن هذا الحضور قد يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها؛ فازدياد الوجود الأمني قد يستدعي مزيدًا من الهجمات، كما حدث مع الولايات المتحدة لعقود، حيث استُهدفت مصالحها في لبنان والسعودية وكينيا وتنزانيا واليمن وغيرها.
تطوّر الخطاب المعادي للصين
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تحوّل موقف القاعدة تجاه الصين من اللامبالاة النسبية، بل وحتى التكيّف التكتيكي أحيانًا، إلى خطاب أكثر عدائية يتضمن تهديدات صريحة ودعمًا لاستهداف المصالح الصينية. ففي التسعينيات، كان التركيز منصبًا على الولايات المتحدة وحلفائها، إضافة إلى ما يسميه التنظيم «الأنظمة المرتدة» محليًا. ولم تُعتبر الصين آنذاك فاعلًا أساسيًا بسبب محدودية تدخلها المباشر في البلدان ذات الغالبية المسلمة.
بل إن زعيم التنظيم آنذاك، أسامة بن لادن، ألمح في بعض تصريحاته إلى احتمال تقاطع المصالح مع بكين في مواجهة واشنطن، محذرًا الصين من النوايا الأميركية والإسرائيلية، ومقرًّا في الوقت نفسه بأنه لا يمتلك معرفة تفصيلية بمظالم الإيغور في شينجيانغ.
غير أن بعض الشخصيات داخل المشهد الجهادي الأوسع سلطت الضوء على ما اعتبرته قمعًا صينيًا في وقت أبكر من القيادة المركزية للقاعدة. فقد قدّم أبو مصعب السوري، في عمله الصادر عام 1999 حول آسيا الوسطى، تصورًا لشينجيانغ — أو «تركستان الشرقية» — بوصفها أرضًا مسلمة «محتلة»، معتبرًا أن المنطقة تمثل نقطة ضعف استراتيجية لأعداء الإسلام. كما أفادت تقارير بأن جلال الدين حقاني استضاف مقاتلين إيغور في معسكرات بأفغانستان وتبنّى قضيتهم. ومع ذلك، بقيت هذه المواقف محدودة التأثير؛ ففي مرحلة «اللحظة الأحادية القطبية» التي أعقبت الحرب الباردة، أعطت قيادة القاعدة الأولوية لمواجهة الولايات المتحدة وشركائها، بدلاً من استهداف الصين الصاعدة آنذاك، والتي لم تكن بعدُ لاعبًا دوليًا بارزًا.
ومع منتصف العقد الأول من الألفية، وبالتزامن مع تنامي الحضور الدولي للصين، بدأ خطاب القاعدة يتشدّد تدريجيًا. ففي عام 2006، وجّه بن لادن انتقادات لاذعة إلى الأمم المتحدة، واصفًا إياها بأنها «منظمة هيمنة للكفر العالمي»، ومعتبرًا مجلس الأمن خاضعًا لسيطرة «الصليبية الدولية والبوذية الوثنية»، مسندًا إلى الصين دور تمثيل «البوذيين ووثنيي العالم». وفي الوقت نفسه، بدأ أيمن الظواهري بالإشارة إلى «تركستان الشرقية» في رسائله، فيما حذّر المنظّر الجهادي أكرم حجازي من احتمال أن تحلّ الصين محل الولايات المتحدة كـ«رأس الأفعى» الجديد، وهي فكرة انعكست لاحقًا في منشورات فرع القاعدة في شبه القارة الهندية.
وشكّلت أحداث شغب أورومتشي عام 2009 وما تبعها من حملات أمنية نقطة تحوّل حاسمة؛ إذ دعا أبو يحيى الليبي الإيغور إلى قتال بكين، وهدد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي العمال الصينيين في الجزائر، بينما تداولت منتديات متطرفة دعوات لاستهداف صينيين من قومية «الهان» انتقامًا لما وُصف بالقمع.
وفي السياق ذاته، برز الحزب الإسلامي التركستاني بوصفه أحد أبرز التنظيمات الجهادية الإيغورية المرتبطة بالقاعدة، مستثمرًا «مركز الفجر للإعلام» ومنصاته الخاصة لتسليط الضوء على شينجيانغ وتقديم «تركستان الشرقية» باعتبارها جبهة مركزية في المشروع الجهادي.
وفي مطلع العقد الثاني من الألفية، دأبت منابر إعلامية تابعة لفروع القاعدة — مثل مجلة إنسباير الصادرة عن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ومجلتي ريسيرجنس و حطين التابعتين لفرع القاعدة في شبه القارة الهندية، إضافة إلى مجلة أذان التابعة لحركة طالبان الباكستانية — على إبراز معاناة الإيغور، مسهمةً في تدويل قضية «تركستان الشرقية». كما عزّز توسع الحزب الإسلامي التركستاني في الساحة السورية واستمرار حضوره في منطقة أفغانستان–باكستان هذه السرديات. وفي عام 2016، جدّد أميره عبد الحق التركستاني مبايعته لتنظيم القاعدة علنًا.
وأشاد أيمن الظواهري بمقاتلي «تركستان الشرقية»، معتبرًا إياهم جزءًا من «رموز الجهاد»، ووصف الحكومة الصينية بأنها «ملحدون محتلون» و«غزاة صينيون»، رابطًا بصورة مباشرة بين ما يحدث في شينجيانغ وما يصوّره كصراع أوسع ضد نظام دولي معادٍ للإسلام. وفي جنوب آسيا، عمّقت المنصات الجهادية الناطقة بالأردية — مثل «نوائے افغان جهاد» (التي أصبحت لاحقًا «نوائے غزوة الهند») و«حطين» — هذا الخطاب عبر استحضار روايات تاريخية عن السيطرة الصينية على شينجيانغ، وعرض مزاعم حول الاعتقال والرقابة، ونشر شهادات مؤثرة لنساء وعائلات إيغورية. كما اتهمت نخبًا باكستانية بمقايضة دعم سياسات بكين في شينجيانغ وسوريا مقابل مكاسب اقتصادية ضمن مشاريع مثل «الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني».
أما حركة الشباب، فرع القاعدة في شرق أفريقيا، فقد برزت بوصفها أحد أكثر الفروع جرأة في الربط بين الخطاب المعادي للصين والعمل الميداني. فقد ندّدت وكالة «شهداء» التابعة لها بمبادرة «الحزام والطريق» في أفريقيا ووصفتها بالاستغلالية، وحذّرت من خطط صينية مزعومة لإقامة قواعد عسكرية في الصومال، وانتقدت الدعم العسكري الصيني للقوات الصومالية، مستحضرة قضية الإيغور لربط المظالم المحلية في الصومال وكينيا بما يجري في شينجيانغ.
وعلى الصعيد العملياتي، أعلنت الحركة مسؤوليتها عن تفجير فندق «جزيرة بالاس» في مقديشو عام 2015، مؤكدة أنها استهدفت موظفين في السفارة الصينية، كما نفّذت هجمات على مواقع وأرتال تابعة لشركة «تشاينا كوميونيكيشنز كونستركشن كومباني» في كينيا، بما في ذلك على طول ممر «ميناء لامو–جنوب السودان–إثيوبيا».
وفي يونيو/حزيران 2025، حذّرت وكالة «شهداء» من «تغلغل» صيني في الصومال، متهمة بكين بانتهاج «دبلوماسية فخ الديون» والهيمنة الاقتصادية ودعم قوات الأمن الصومالية، مع استدعاء قضية الإيغور لتبرير اعتبار المصالح الصينية أهدافًا مشروعة.
كما وفّرت جائحة كوفيد-19 إطارًا جديدًا لتغذية السرديات المعادية للصين. فمع انتشار الفيروس من ووهان، صوّرت بعض المنابر الجهادية الوباء بوصفه «عقابًا إلهيًا» على سياسات بكين تجاه المسلمين، ولا سيما في شينجيانغ وميانمار. وفي فبراير/شباط 2020، نشر «إسلام أوازي» التابع للحزب الإسلامي التركستاني تسجيلًا مصورًا بعنوان «رؤية المجاهدين بشأن تفشي كورونا في الصين»، قدّم فيه الفيروس بوصفه «انتقامًا إلهيًا». كما تضمنت نشرة «مكتبة عمر» التابعة لتحريك طالبان مقالات شبّهت الجائحة بطواعين فرعون، وادعت أن الصين «استعبدت» الإيغور والروهينغا وأنها تتلقى العقاب، منتقدة رجال دين باكستانيين اصطفوا إلى جانب بكين سياسيًا.
ومع انحسار الطابع الاستثنائي للجائحة، أعادت القاعدة وحلفاؤها دمج كوفيد-19 ضمن سردية أوسع عن «العقاب الإلهي»، لكنها عادت للتركيز على سياسات الصين الملموسة بدلًا من الفيروس ذاته.
وأدّى استيلاء حركة طالبان على السلطة في أفغانستان في أغسطس/آب 2021 إلى إيجاد معضلة استراتيجية أمام القاعدة؛ فمن جهة، بقيت سياسات الصين في شينجيانغ وتوسع حضورها الإقليمي عاملًا يدفعها إلى مواصلة استهداف بكين في خطابها؛ ومن جهة أخرى، سعت طالبان إلى نيل اعتراف الصين واستقطاب استثماراتها، خصوصًا في قطاعات التعدين والبنية التحتية.
وردّت قيادة القاعدة على هذا الواقع عبر تكثيف انتقادها للسياسات الصينية، مع الحرص على تجنب الإشارة المباشرة إلى العلاقات المتنامية بين طالبان وبكين. ففي يوليو/تموز 2021، هاجم إصدار مرئي لمؤسسة «السحاب» ما وصفه بـ«أباطرة الشركات اللصوص في الصين الشيوعية». كما تضمّن إصدار بمناسبة ذكرى هجمات 11 سبتمبر، بمشاركة زعيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب آنذاك خالد باطرفي، تعبيرًا عن التضامن مع «تركستان» وإدانة سياسات شينجيانغ، من دون التطرّق إلى مساعي كابول للتقارب مع بكين. وكرر باطرفي هذه المواقف في مقابلة مع مؤسسة «الملاحم» في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بينما أشار أيمن الظواهري بإيجاز إلى «تركستان» في سلسلة صدرت في مارس/آذار 2022، متفاديًا مجددًا الخوض في طبيعة العلاقات بين طالبان والصين.
ورغم أن هذه الأمثلة قد تبدو متفرقة أو مجرد ردود أفعال على تطورات آنية، فإن قراءة أخرى تشير إلى تصاعد واضح في حدة الخطاب وتواتره، ما يعدّ مؤشرًا على أنه في حال تحسّنت القدرات العملياتية لبعض الجماعات الجهادية، فقد ينعكس ذلك في زيادة المخططات والهجمات الموجّهة ضد الصين ومصالحها.
هل تصبح الصين العدو الجهادي الأول؟
في هذا السياق المتغيّر، لعب تنظيم القاعدة في جزيرة العرب دورًا أكثر بروزًا. فقد سبق لكبير منظّريه الدعائيين الراحل أنور العولقي أن وضع الصين ضمن الدول التي «تحتل أراضي المسلمين»، واضعًا إياها في مصاف الولايات المتحدة وروسيا. وخلال قيادة خالد باطرفي، أصدر التنظيم بيانات تضامن مع «تركستان»، مقدمًا شينجيانغ بوصفها جزءًا من حرب عالمية على الإسلام.
أما البيان الأحدث الصادر عن الأمير الحالي، سعد بن عاطف العولقي، فيمثّل تصعيدًا إضافيًا؛ إذ أشاد بما وصفها «عمليات بطولية» ضد اليهود والأميركيين، ثم حذّر من أن «النظام الصيني الوثني الكافر» يخضع للمراقبة بشأن كل إجراء يتخذه ضد «إخواننا المسلمين الإيغور»، متوعدًا بأنه إذا لم تغيّر بكين مسارها فإن التنظيم «سيحاسبها» و«سيتجاوز استهداف المصالح برًا وبحرًا»، لأن «غدًا قريب لمن ينتظر». ويعكس هذا الرفع الصريح لمكانة الصين إلى مرتبة «العدو» المعلن، والتهديد المباشر باستهداف مصالحها، انتقال خطاب القاعدة من إشارات متقطعة إلى عداء مستدام ذي إيحاءات عملياتية.
وفي ساحات أخرى، شنّ فرع القاعدة في منطقة الساحل، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، هجمات على مواقع صناعية واختطف عمالًا أجانب — من بينهم صينيون — من دون أن يبلور حتى الآن خطًا دعائيًا خاصًا معاديًا للصين، إذ يتعامل مع المواطنين الصينيين ضمن فئة أوسع من «الأهداف الأجنبية».
كما استثمر تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان مزاعم الانتهاكات في شينجيانغ والعلاقات بين بكين وطالبان، داعيًا صراحة إلى استهداف مواطنين صينيين. ففي منتصف يناير/كانون الثاني، أعلن التنظيم مسؤوليته عن تفجير استهدف مطعمًا صينيًا في كابول، أسفر عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة أكثر من اثني عشر آخرين.
وفي موازاة ذلك، تبنّت جماعات غير جهادية، مثل الانفصاليين البلوش في باكستان والمتمرّدين الماويين في الفلبين، مضامين مناهضة للصين على خلفية مشاريع «الممرّ الاقتصادي الصيني–الباكستاني» والنزاعات البحرية. ويشير هذا التلاقي في مسارات السخط إلى أنه كلما اتّسعت قوة الصين وحضورها الخارجي، تُرجَّح زيادة الهجمات على مصالحها من حيث الوتيرة والنطاق الجغرافي.
وتشكّل تهديدات العولقي ضد الصين امتدادًا لمسارٍ متواصل من التطوّر في كيفية رؤية القاعدة لأعدائها، ولا سيما ضمن الشبكة العالمية الأوسع للتنظيم. فعلى مدى سنوات، صدرت الغالبية العظمى من الدعاية المعادية للصين عن قيادة القاعدة المركزية وفرع القاعدة في شبه القارّة الهندية. ومع مرور الوقت، بدأ فرع القاعدة في شرق أفريقيا، «الشباب»، يوجّه غضبه هو الآخر نحو بكين.
أمّا اليوم، ومع تركيز القاعدة في جزيرة العرب بدرجة أكبر على الصين، فهذا يعني أن أحد أكثر فروع التنظيم قدرةً بات يضع الحزب الشيوعي الصيني في مرمى نيرانه. وقد أشار تقرير حديث لفريق الأمم المتحدة المكلّف بمراقبة القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية إلى تزايد التعاون بين «الشباب» و«الحوثيين»، وكذلك بين القاعدة في جزيرة العرب والحوثيين. ورغم أنه من المبكر التكهن بوجود تنسيق عملياتي ضد أهداف محدّدة، فإن التغيّرات في ديناميات هذه العلاقات تستحق المتابعة.
وبوصف الحوثيين وكيلاً لإيران، يبدو من المستبعد مشاركتهم في نشاطات معادية للصين، لكن إذا استمرّ التصعيد، فقد يسعى فرعا «الشباب» و«القاعدة في جزيرة العرب» إلى استهداف مصالح الشحن الصينية قرب القرن الأفريقي، وخليج عدن، أو مضيق باب المندب. كما قد تُستهدف السفارات الصينية، والفنادق التي تستقبل رجال الأعمال والمسؤولين الصينيين، والبنى التحتية الصينية الأخرى في الخارج.
ورغم أن رفع مكانة الصين إلى مصافّ أعداء القاعدة قد يتجاوز قدرات الجماعات الجهادية على تنفيذ عمليات ضد مصالحها عالميًا، فإن التاريخ يُظهر أن هذه الجماعات تتحلّى بالصبر. ومع توسّع بكين في الخارج، سواء عبر مبادرة «الحزام والطريق» أو من خلال مشاركات سياسية ودبلوماسية وعسكرية في أنحاء الجنوب العالمي، ستصبح الصين قوة عظمى محورية في سرديات ودعاية الجماعات الإرهابية وحركات العصيان المسلّح العابرة للحدود. كما أن طريقة تعامل الصين مع مسلمي الإيغور تثير مظالم ملموسة لدى الأمة، أي المجتمع الإسلامي العالمي، وهو مصطلح شامل ترى القاعدة نفسها مدافعًا عن حقوقه.
ومع مرور الوقت وتعافي فروع مثل «القاعدة في جزيرة العرب» واستعادتها قدراتها العملياتية، قد يؤدّي ذلك إلى زيادة الهجمات الإرهابية ضد الأهداف الصينية في الشرق الأوسط، لا سيما في المناطق التي لا تزال فيها الجماعات الجهادية نشطة.
للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي:،