تحقيق: الاستحواذ الإماراتي على الاتصالات في سقطرى
يمن فيوتشر - طه صالح: الثلاثاء, 17 فبراير, 2026 - 11:26 مساءً
تحقيق: الاستحواذ الإماراتي على الاتصالات في سقطرى

في عمق المحيط الهندي، وعلى بعد مئات الأميال من السواحل اليمنية المضطربة، تشهد سقطرى تحولًا هادئًا لكنه عميق؛ تحول لا يتم عبر فوهات البنادق التقليدية فقط، إنما عبر كابلات الألياف الضوئية وأبراج الاتصالات المرتفعة التي زُرعت في قمم الجبال. لم تعد سقطرى، المصنفة ضمن التراث العالمي، مجرد وجهة بيئية نادرة، لكنها أصبحت ساحة اختبار لنمط جديد من النفوذ يمكن توصيفه بالسيطرة الرقمية.

يكشف هذا التحقيق، مفتوح المصدر، الذي يدمج نتائج ثلاثة مسارات بحثية معمقة، كيف تمكنت دولة الإمارات من إنشاء منظومة موازية داخل الأرخبيل، معتمدة على إضعاف تدريجي لمؤسسات الدولة اليمنية واستبدالها ببنية تحتية مرتبطة مباشرة بأبوظبي.

من تغيير التوقيت المحلي تلقائيًا عبر إشارات الشبكة، إلى فرض التعامل بالدرهم الإماراتي في فواتير الاتصالات، وصولًا إلى تحويل جزيرة "عبد الكوري" النائية إلى موقع عسكري واستخباراتي مغلق؛ يرسم التحقيق صورة شبكة نفوذ جعلت بعض السكان يشعرون بالاغتراب داخل فضائهم التقني، بينما يجد السائح الأجنبي نفسه شاهدًا على واقع سيادي معقد.

عبر تحليل عشرات الشهادات الحية لسياح أجانب ومدونين وصحفيين محليين، ومطابقة صور الأقمار الصناعية للإنشاءات العسكرية، يقدم التحقيق توثيقًا لما يجري في الأرخبيل، مع تحديد مواقع أكثر من 11 برج اتصالات وقاعدة عسكرية، وتحليل التبعات الاقتصادية والأمنية لهذا التحول الذي يتجاوز الجغرافيا ليطال الهوية الرقمية والسياسية للجزيرة.

 

السياق التاريخي.. من "الإغاثة الإنسانية" إلى "الهندسة العسكرية"

لا يمكن فهم واقع الاتصالات الحالي في سقطرى بمعزل عن التسلسل الزمني للتدخل الإماراتي، الذي بدأ ضمن إطار إنساني ثم تطور إلى حضور تقني وأمني واضح.

 

"حصان طروادة".. إعصار تشابالا وبداية التوغل (2015-2017)

شكل نوفمبر/تشرين الثاني 2015 نقطة انطلاق مهمة، حين ضرب إعصارا "تشابالا" و"ميغ" الأرخبيل، مخلفين أضرارًا واسعة في البنية التحتية الهشة أصلًا. في تلك اللحظة تدخلت الإمارات عبر ذراعها الإنساني "مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان"، مقدمة مساعدات إغاثية عاجلة. غير أن مرحلة إعادة الإعمار تزامنت مع تدفق معدات تقنية متطورة إلى الجزيرة.

تشير المعطيات إلى أن الإمارات بدأت بين عامي 2016 و2017 في تأسيس شبكة اتصالات مستقلة، مستفيدة من غياب الدولة اليمنية وانشغالها بالحرب. لم تتركز الجهود على إصلاح شبكة "يمن موبايل" أو "تيليمن"، بل على إنشاء أبراج موازية خارج الرقابة المؤسسية. الهدف كان توفير بديل يعتمد عليه السكان تدريجيًا، في عملية يمكن وصفها بالتطبيع الرقمي.

المصور الصحفي أسيد العديني، الذي زار سقطرى في تلك الفترة المبكرة (2017)، يوثق بدايات هذا التحول، ويقول: "في زيارتي عام 2017 كان الإنترنت والاتصالات الإماراتية هي الأقوى والأكثر استقرارًا، مقابل غياب شبه تام أو ضعف شديد لشبكة يمن موبايل والاتصالات اليمنية الأخرى."

 

الانقلاب العسكري وتثبيت "الدولة البديلة" (2018-2020)

في مايو 2018 نفذت الإمارات إنزالًا عسكريًا في مطار وميناء سقطرى، وأبعدت الموظفين اليمنيين وسيطرت على المنافذ السيادية. شكلت هذه اللحظة نقطة تحول سمحت للفرق الهندسية بالعمل بشكل علني وتحت حماية عسكرية.

مع سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على الجزيرة في يونيو/حزيران 2020، وإقصاء السلطة المحلية الشرعية، أزيلت العقبات البيروقراطية المتبقية. بدأت مؤسسة خليفة وشركة اتصالات الإماراتية توسعًا جغرافيًا متسارعًا، بالتزامن مع تضييق منهجي على الشبكات الوطنية، شمل قطع كابلات، ومنع وصول الوقود للمولدات المشغلة لشبكة يمن موبايل، وتشويش الإشارة في مناطق استراتيجية.

 

جغرافيا الهيمنة.. خارطة أبراج الاتصالات الإماراتية (حصر دقيق)

استنادًا إلى تقاطع المعلومات من المصادر المحلية وصور الأقمار الصناعية وشهادات ميدانية، تم في هذا التحقيق تحديد مواقع دقيقة لشبكة الأبراج ومحطات البث التي أنشأتها الإمارات. توزيع الشبكة لا يبدو عشوائيًا، بل صُمم لتغطية نطاق أمني وسياحي يخدم مصالح محددة.

 

القائمة التفصيلية لمواقع الأبراج والمنشآت (أكثر من 11 موقعًا)

لم تُنشأ الأبراج بشكل ارتجالي، بل وفق تخطيط هندسي يغطي مناطق حيوية وسياحية وعسكرية. الرصد الميداني والمصادر المفتوحة سمحت بحصر المواقع التالية، التي تتجاوز 11 برجًا ومحطة بث رئيسية:

- مطار سقطرى الدولي (منطقة موري): المركز الرئيسي للاتصالات، يضم أبراجًا كبيرة وغرفة تحكم تربط الجزيرة مباشرة بأبوظبي.

- مدينة حديبو (العاصمة): تغطية كثيفة عبر عدة أبراج لضمان السيطرة على الكثافة السكانية والمقار الحكومية.

- منطقة "دليشة": موقع قريب من الميناء، تحول من منطقة سياحية إلى نقطة ارتكاز لوجستية مزودة بأبراج مراقبة واتصالات.

- رأس "مومي" (أقصى الشرق): موقع مرتفع يطل على المحيط الهندي، يحتوي على أبراج عالية تستخدم للمراقبة البحرية والرادارية.

- جزيرة "عبد الكوري": موقع حساس يضم قاعدة عسكرية ومدرج طائرات، مزود بشبكة اتصالات مستقلة.

- مديرية "قلنسية": ثاني أكبر المدن، مغطاة بالكامل بالشبكة الإماراتية.

- منطقة "نوجد" (الجنوب): تضم قاعدة ومهبط مروحيات ومغطاة بشبكة اتصالات خاصة.

- هضبة "ديكسام": موقع مركزي استراتيجي داخل الجزيرة.

- منطقة "عرعر": منطقة سياحية ذات كثبان رملية.

- جزيرة "سمحة": رُصدت فيها نقاط اتصال مرتبطة بالمنظومة الاتصالية.

- محمية "ديحمري": نقطة مراقبة بحرية وسياحية.

- مناطق الشريط الساحلي الغربي: تم تعزيزها بمحطات تقوية لمراقبة الملاحة.

 

تحليل انتشار الأبراج: استراتيجية الحصار الرقمي

عند إسقاط هذه المواقع على الخريطة، يظهر أن توزيع الأبراج لا يهدف فقط إلى تقديم خدمة عامة تقليدية. التركيز الجغرافي ينصب على:

- المنافذ السيادية: المطار والميناء.

- المناطق العسكرية: نوجد وعبد الكوري.

- المناطق السياحية: دليشة، قلنسية، ديحمري.

- نقاط المراقبة المرتفعة: مومي وديكسام.

تشير تقارير محلية إلى وصول فرق فنية متخصصة من أبوظبي بشكل دوري لصيانة الأبراج وتوسعتها، دون تنسيق مؤسسي مباشر مع مكتب الاتصالات اليمني في المحافظة، الذي أصبح محدود الصلاحيات.

 

"شريحة أبوظبي".. شهادات السياح والمدونين تفضح الواقع

سعت الرواية الرسمية الإماراتية إلى تقديم ما يحدث بوصفه تنمية، لكن شهادات سياح أجانب غير منخرطين في الصراع السياسي تقدم مؤشرات تقنية على أن سقطرى باتت تُدار اتصاليًا كامتداد للشبكة الإماراتية.

 

"اشترِ الشريحة في المطار.. وإلا ستنقطع عن العالم"

تحليل عشرات المدونات ومنتديات السفر العالمية مثل TripAdvisor وReddit أظهر إجماعًا واضحًا في نصائح السفر إلى سقطرى.0والنصيحة الأكثر تكرارًا هي: "لا تعتمد على الشبكات المحلية، اشترِ شريحة اتصالات (Etisalat) من أبوظبي."

مدونة "Against the Compass" تذكر: "إشارة الإنترنت الوحيدة المتوفرة في سقطرى، وإن كانت ضعيفة (3G)، توفرها شركة اتصالات الإماراتية. إذا اشتريت الشريحة في مطار أبوظبي أو دبي، ستتمكن من الاتصال. ملاحظة: الشرائح الإلكترونية (eSIM) لا تعمل، يجب أن تكون شريحة فعلية."

شهادة سائح على Reddit (أكتوبر 2024): "اشتريت شريحة اتصالات لهاتفي سامسونج في أبوظبي قبل السفر. عملت الشريحة في حديبو وبعض القرى، لكن السرعة كانت بطيئة. زوجتي اعتمدت على شريحة إلكترونية (Airalo) ولم تعمل نهائيًا في سقطرى."

موقع "Hello Socotra" يوضح: "الشركة مددت تغطيتها إلى سقطرى، لذا شريحتك الإماراتية ستعمل عادة دون الحاجة لشراء باقة التجوال."

تحليل تقني: عدم الحاجة إلى تجوال دولي يعني أن الأبراج في سقطرى لا تُعرّف في النظام العالمي كشبكة أجنبية (Yemen)، بل كجزء من الشبكة المحلية الإماراتية.

 

"ادفع بالدولار أو ابقَ معزولًا".. شهادة البراء منصور

المصور البراء منصور يشرح تفاصيل مالية وتقنية مرتبطة بالاتصالات:

"نصف الجزيرة، وتحديدًا المناطق التي ضربها الإعصار سابقًا، لا توجد فيها أي تغطية لشركات يمنية. في حديبو فقط قد تجد تغطية لـ يمن موبايل. إذا أردت تتصل، أنت مجبر على شراء أو استئجار شريحة إماراتية، إيجار يومي يصل إلى 20 دولارًا. أما إذا أردت شراء شريحة إنترنت وامتلاكها، فعليك دفع 50 دولارًا، والشحن بالدرهم الإماراتي. حتى الإنترنت الأرضي (Wi-Fi) في الفنادق يتم عبر شركة إماراتية."

 

الاقتصاد السياسي للاتصالات.. الأسعار والعملة والتوقيت

قضية الاتصالات لا تقتصر على الجانب التقني، بل تمتد إلى الحياة اليومية والاقتصادية للمواطن السقطري، وتخلق واقعًا معيشيًا لا يتناسب مع مستويات الدخل، إضافة إلى إحساس بالازدواج الزمني والمكاني.

 

التوقيت الزمني: سقطرى تسبق صنعاء بساعة

واحدة من الظواهر الموثقة هي التغيير التلقائي للتوقيت. أفاد سياح بأن هواتفهم، عند التقاط إشارة الشبكة الإماراتية وضبطها على "التوقيت التلقائي"، تقفز ساعة كاملة للأمام لتتطابق مع توقيت الإمارات (GMT+4)، بدل التوقيت الرسمي لليمن (GMT+3).

هذا ليس خللًا تقنيًا عابرًا؛ فالأبراج تبث إشارة توقيت مرتبطة بخوادم مركزية. ما يعني أن إدارة الشبكة تتم عبر بنية خارج اليمن، الأمر الذي أجبر السكان والمؤسسات على ضبط الوقت يدويًا، وخلق ازدواجًا في مواعيد الحياة اليومية.

 

فواتير بالدرهم في بلد "الريال" المنهار

فرض التعامل بالدرهم الإماراتي في قطاع الاتصالات جاء في ظل انهيار الريال اليمني.

باقات الزوار والسكان: بيانات شركة اتصالات تُظهر أن باقات الزوار تبدأ من 49 درهمًا وتتصاعد مع الباقات الأعلى.

التكلفة: بالنسبة للسائح، قد يبدو مبلغ يقارب 53 دولارًا لشراء شريحة وباقة بيانات مقبولًا. أما بالنسبة للمواطن المحلي الذي يتقاضى راتبه بالريال اليمني، فتمثل هذه الأسعار عبئًا واضحًا.

تهميش العملة الوطنية: بطاقات الشحن تُباع بالدرهم حصريًا. في المقابل، تعاني شبكة يمن موبايل من نقص الصيانة والوقود، ما يجعل الخدمة ضعيفة ومتقطعة ويدفع المستخدمين نحو الخيار الإماراتي. هذا الاحتكار يخلق دورة مالية مغلقة تُخرج العملة الصعبة من الاقتصاد المحلي.

 

انتهاك السيادة والقانون الدولي

من منظور قانوني، تشغيل شبكة اتصالات لدولة داخل أراضي دولة أخرى دون ترخيص رسمي يثير إشكالات سيادية واضحة.

 

قوانين الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)

تنص اللوائح على أن تشغيل مزود خدمة داخل نطاق دولة أخرى يتطلب موافقة رسمية. استخدام الكود (MCC 424) الخاص بالإمارات داخل الأراضي اليمنية (MCC 421) يمثل إشكالًا يتعلق بالسيادة الرقمية.

 

أمن البيانات

مرور الاتصالات عبر خوادم خارج اليمن يجعل بيانات المستخدمين خارج نطاق الرقابة الوطنية، ما يطرح تساؤلات حول حماية الخصوصية.

 

العزل الجغرافي

تحويل الاتصال بين سقطرى وبقية المحافظات اليمنية إلى اتصال يُعامل تقنيًا كاتصال دولي يخلق حواجز عملية ونفسية بين الجزيرة وبقية البلاد.

 

أرخبيل برقم دولي آخر

في نهاية هذا التحقيق تتضح صورة واقع اتصالي مختلف في سقطرى:

أرض يمنية، وتوقيت مختلف.

مواطن يمني، وفاتورة بعملة أخرى.

الشبكة المنتشرة في الجزيرة خلقت نظامًا تقنيًا موازيًا لا يخضع بالكامل للمنظومة الوطنية، ما يفتح نقاشًا حول السيادة الرقمية وإدارة البنية التحتية الحيوية.

 

الوضع القانوني وتوصيات "استعادة السيادة"

يمثل الوضع الحالي في سقطرى، وفق قراءة قانونية، تعارضًا مع قانون الاتصالات اليمني رقم 38 لسنة 1991، ومع لوائح الاتحاد الدولي للاتصالات المتعلقة باستخدام الأكواد الوطنية.

 

توصيات (بناءً على الوضع الراهن – يناير 2026)

- إعلان السيادة الرقمية:

إصدار قرار رسمي يعتبر شبكة الاتصالات غير الخاضعة لوزارة الاتصالات شبكة خارج الإطار التنظيمي الوطني إلى حين تسويتها قانونيًا.

- الشكوى الدولية:

تقديم ملف قانوني وفني إلى الاتحاد الدولي للاتصالات بشأن استخدام الكود الدولي داخل الأراضي اليمنية.

- كسر الاحتكار:

إعادة تأهيل شبكة يمن موبايل وتزويدها ببنية حديثة ومحطات طاقة مستقلة في سقطرى.

- التسعير بالعملة الوطنية:

فرض بيع خدمات الاتصالات بالعملة المحلية لحماية المستهلك.

- الالتزام بالتوقيت الرسمي:

تعميم إداري باعتماد توقيت الجمهورية اليمنية في المؤسسات الرسمية.

 

جدول: مقارنة تقنية بين الواقع القانوني والواقع المفروض:


التعليقات