دراسة: من شبكات التهريب إلى سلاسل الإمداد.. كيف تحولت حركة الحوثيين في اليمن إلى تهديد عالمي؟
دراسة: من شبكات التهريب إلى سلاسل الإمداد.. كيف تحولت حركة الحوثيين في اليمن إلى تهديد عالمي؟

على مدى عقدٍ من الزمن، تحولت حركة الحوثيين في اليمن من جماعة تمرد محلية إلى قوة عالمية مُربِكة. فمحاولات كبح قدراتها العسكرية عبر استهداف قياداتها أو اعتراض إمداداتها القادمة من رعاتها الإيرانيين، كثيرًا ما أسفرت عن تراجعات مؤقتة فحسب في قدرتها على إلحاق الضرر بدول الجوار، وبالاقتصاد العالمي، وباليمنيين أنفسهم.

فكيف استطاعت هذه الجماعة المسلحة عديمة الدولة، المتمركزة في عمق أحد أفقر بلدان العالم، أن تُظهر هذا القدر من الصمود؟

فمن موقعها المشرف على البحر الأحمر، تمكن الحوثيون من تهديد دول الخليج المجاورة بهجمات صاروخية وبالطائرات المُسيّرة حتى قبل أن يباشروا حملة استمرت عامين ضد حركة الشحن في أحد أهم عنق الزجاجات التجارية في العالم، وهي حملة كلفت الاقتصاد العالمي أثمانًا باهظة. وفي عامي 2024 و2025، وجّهت إسرائيل والولايات المتحدة ضرباتٍ قاسية لإيران وما يُعرف بـ«محور المقاومة» (وهو تحالف من جماعات مسلحة غير دولية مدعومة من إيران)، كما أطلقتا حملات عسكرية ضد الحوثيين، في وقتٍ صنّفت فيه الولايات المتحدة الجماعة «منظمة إرهابية أجنبية». ومع ذلك، سرعان ما استعاد الحوثيون عافيتهم، من دون مؤشرات جدية على تباطؤ نشاطهم، بل على العكس، كثفوا جهودهم لبناء مخزونات من الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى.

ويكمن جزءٌ كبير من سرّ صمود الحوثيين في أنهم باتوا، على نحوٍ متزايد، يقومون بتجميع وتصنيع الأسلحة داخل اليمن، مستفيدين من شبكة إمداد واسعة ومتشعبة تمتد عبر المحيط الهندي وما وراءه. فالمخططات التي تُصاغ في طهران وشمال اليمن يُعهد بتنفيذها إلى مشغّلين ومتعهدين ومقاولين من الباطن. وتُشحن الأسلحة وقطعها ومكوناتها والمواد الخام من مصادر متعددة، عبر مسارات بحرية وبرية ملتوية، تتجاوز اليمن أحيانًا قبل أن تعود إليه. وعندما تصل هذه الأجزاء أخيرًا إلى مناطق سيطرة الحوثيين على متن قوارب المهربين أو عبر تجار اعتياديين — قد لا يدرك بعضهم أنهم ينقلون مواد غير مشروعة — يكون الحوثيون قادرين على تجميعها وتحويلها إلى ترسانة عسكرية تشكل مصدر تهديد حقيقي.

و تُعدّ هذه الشبكة، بقدر تعقيد مسارات التجارة المحلية والعالمية التي تتقاطع عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي، شبه مستحيلة الوصف بصورة محددة — إلى أن جاء هذا التقرير. فقد ابتكر فريق البحث تقنيات جديدة مكّنته من تقديم صورة غير مسبوقة من حيث الوضوح والدقة التفصيلية لعمليات تهريب الحوثيين. وتُظهر النتائج أن التهديد الحوثي ما يزال قائمًا وفاعلًا، وأن السياسات الأميركية والدولية الرامية إلى وقفه كانت، حتى الآن، بعيدة عن تحقيق أهدافها.

ويعتمد التقرير على نحو 150 مقابلة معمّقة مع خبراء ومصادر سرّية، من بينهم مسؤولون رفيعو المستوى في المؤسستين العسكرية والأمنية وأجهزة الاستخبارات، إلى جانب مراجعة وثائق مفتوحة المصدر وأخرى خاصة، وبيانات علنية وسرّية حول عمليات اعتراض الشحنات برًا وبحرًا، وإحصاءات الموانئ، وتحليل مواقع يُشتبه في استخدامها لأغراض التهريب عبر صور الأقمار الصناعية وبيانات الانبعاثات الضوئية الليلية. كما أُجري تحليل منهجي صارم لبيانات الاستشعار عن بُعد، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية وأنظمة التعريف الآلي للسفن (AIS). ويستند التحليل كذلك إلى قاعدة بيانات أنشأها فريق البحث من مصادر عامة وخاصة، تضم أكثر من 370 مادة جرى ضبطها خلال ما يقارب 140 عملية اعتراض برية وبحرية لشحنات كانت متجهة إلى الحوثيين.

وتكشف الدراسة عن التطور المستمر وحجم برنامج التسلح الحوثي، كما تُبرز حجم التحدي الذي يواجه أي جهد أحادي أو متعدد الأطراف يسعى إلى كبح الجماعة. ويعرض التقرير القنوات والشبكات البشرية التي مكّنت الحوثيين من التحول إلى قوة عالمية مُربِكة، محددًا أربع قنوات رئيسية تُشكّل العمود الفقري لسلسلة الإمداد الحوثية، مع الإقرار بأن العديد من مسارات التوريد لا يزال مجهولًا أو غير موثق بالكامل. ثم ينتقل إلى تقييم الجهود الجارية لتعطيل تلك القنوات، قبل أن يطرح مجموعة من السياسات البديلة التي يُحتمل أن تكون أكثر فاعلية، وإن كانت تنطوي على مستويات أعلى من المخاطر.

وتشكّل سلاسل الإمداد الحوثية، ذات الطابع الشبكي واللامركزي العالي، إنذارًا واضحًا لمناطق أخرى من العالم بشأن الكيفية التي يمكن أن تنتشر بها الأسلحة المتقدمة إلى الجهات الفاعلة من الدول وغير الدول على حد سواء. فالخطر الذي يمثله الحوثيون لا يقتصر على الإطار الإقليمي، ولا يقتصر — وهو الأهم — على كونه تهديدًا متصاعدًا لليمنيين أنفسهم، بل يقدم نموذجًا عمليًا لكيفية تمكّن فاعلين غير دوليين هامشيين من استغلال سلاسل الإمداد العالمية وشبكات المعرفة لتحقيق قدرات كانت في السابق حكرًا على الدول القوية.
 

وتقوم السياسات الأميركية والدولية الحالية على افتراض أن الضربات العسكرية والعقوبات كفيلة باحتواء هذا التهديد، غير أن هذا الافتراض يُسيء فهم طبيعة المشكلة من أساسها. فمنع الحوثيين من مواصلة توسيع ترسانتهم — أو على الأقل إبطاء وتيرة هذا التوسع ورفع كلفته — يتطلب جهدًا دوليًا منسقًا يركز على نقاط الاختناق الحرجة، ويُعيد ضبط مقاربات المراقبة والمتابعة، ويوفر دعمًا مستدامًا لأجهزة الأمن المحلية. كما ينبغي أن تكون هذه الجهود حسّاسة للسياق المحلي، وأن تُلحق الحد الأدنى الممكن من الضرر بإحدى أكثر الفئات السكانية فقرًا في العالم.

 

1. صمود الحوثيين

عندما سيطر الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014، كانوا ميليشيا شديدة الحماسة ومنظمة على نحوٍ جيد، لكنها محدودة القدرات من الناحية التكنولوجية. وكانت أكثر الأسلحة تطورًا بحوزتهم آنذاك قذائف صاروخية محمولة على الكتف وصواريخ مضادة للدروع. وخلال العقد الذي تلا ذلك، والذي أشعلوا خلاله حربًا أهلية، رسّخ الحوثيون سيطرتهم على شمال غرب اليمن باستخدام قوة قمعية مفرطة، واستعانوا بأسلحة متزايدة التطور وبعيدة المدى للضغط على القوى الإقليمية، بل وحتى على الولايات المتحدة، ودفعها إلى الدخول في سلسلة من الهدن الرسمية وغير الرسمية.

ففي الفترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025 وحدها، نفّذت الجماعة أكثر من 115 هجومًا معقّدًا استهدف سفنًا تجارية وعسكرية في البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ وأطلقت صواريخ وطائرات مُسيّرة على أهداف داخل إسرائيل على مسافات تصل إلى 2,600 كيلومتر من حدود اليمن؛ كما خاضت مواجهة عسكرية استمرت شهرين مع الولايات المتحدة في البحر الأحمر. وقبل ذلك، كان الحوثيون قد أطلقوا — وفق تقديرات متحفظة — أكثر من ألف صاروخ وقذيفة، ونفّذوا ما يزيد على 350 هجومًا بالطائرات المُسيّرة ضد خصوم محليين وإقليميين، من بينهم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. واليوم، يمارس الحوثيون، على نحوٍ يمكن وصفه بغير المسبوق، درجة عالية من السيطرة على ممرات الملاحة في البحر الأحمر والتجارة العالمية، كما يتصرفون في علاقاتهم مع جيران اليمن بسلطة أقرب إلى سلطة الدول.

وردًا على تنامي قدرات الحوثيين، ضاعفت القوى الخارجية اعتمادها على سياسات قديمة أثبتت محدودية فعاليتها، تمثلت في استهداف الجماعة بالغارات الجوية، وفرض عقوبات عليها وعلى الجهات المتحالفة معها، وتنفيذ عمليات اعتراض بحرية للسفن المشتبه في تهريبها أسلحة من إيران، الداعم الرئيسي للحوثيين. وفي أحدث هذه الخطوات، صنّفت إدارة ترامب في يناير/كانون الثاني 2025 الجماعة «منظمة إرهابية أجنبية»، وهو الإجراء الأشد ضمن ترسانة العقوبات الأميركية. ثم، بين فبراير/شباط ومايو/أيار 2025، خاضت الولايات المتحدة حملة عسكرية متواصلة استهدفت مواقع عسكرية للحوثيين، قبل أن تعلن التوصل إلى هدنة معهم. وفي الوقت نفسه، شنّت إسرائيل ضرباتها الخاصة على بنى تحتية وما تقول إنها أسلحة ومنشآت عسكرية تابعة للحوثيين. كما كثّفت الأجهزة الأمنية اليمنية، على نحوٍ متقطع، جهودها لاعتراض الشحنات، ونجحت في تنفيذ سلسلة من عمليات الضبط، رغم الانقسامات الداخلية والنقص الحاد في الموارد.

ومع ذلك، أثبت الحوثيون حتى الآن قدرة عالية على الصمود في مواجهة هذه الإجراءات. فقد استمرت عمليات نقل المواد إلى اليمن على نطاق شبه صناعي طوال معظم العقد الماضي، على الرغم من الغارات الجوية السعودية والإماراتية والإسرائيلية والأميركية؛ وحظر الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على الحوثيين وإيران؛ وآلية الرصد والتحقق التي تشرف عليها الأمم المتحدة للسفن الكبيرة المتجهة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ فضلًا عن الجهود الإقليمية والدولية لاعتراض الشحنات برًا وبحرًا، وسلسلة العقوبات الغربية التي استهدفت قيادات الحوثيين وشبكات التوريد التابعة لهم. وتُظهر عمليات الضبط الأخيرة في البحر الأحمر وفي ميناء عدن اليمني أن الجماعة تستورد كميات هائلة من الأسلحة والمواد والمعدات التصنيعية — بما يؤكد أنها تعمل على توسيع قدراتها، لا تقليصها.

و تفسّر عدة عوامل قدرة الحوثيين على الاستمرار والصمود. ويأتي في مقدمة هذه العوامل، والأهم بينها، أن توصيف «تهريب السلاح» لم يعد كافيًا لوصف الآلية التي يحصل من خلالها الحوثيون على منظومات تسليح متقدمة. فبمساعدة من «فيلق القدس» (الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني)، ومن أطراف أخرى ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، يشرف الحوثيون اليوم على مجمّع عسكري-صناعي محلي آخذ في التوسع داخل اليمن. وتمكّنت الجماعة من بناء ونشر منظومات تسليحية، بما في ذلك طائرات مُسيّرة بعيدة المدى، اعتمادًا على قطع ومواد خام مستوردة.

وعلى الرغم من أن الإمدادات الإيرانية لبعض المنظومات والمكوّنات الأساسية تظل عنصرًا حاسمًا في قدرات الحوثيين، فإن برنامجهم التسليحي بات يستند بصورة متزايدة إلى سلسلة إمداد هجينة وعالمية، تدعمها شبكة واسعة من المشاركين، تشمل مهرّبين ذوي امتدادات قبلية عبر اليمن، ورجال أعمال يعملون انطلاقًا من مراكز تصدير في شرق الصين.

وتُنقل الأسلحة وقطعها والمواد الخام إلى الحوثيين عبر طيف مربك من مسارات التهريب والقنوات التجارية المشروعة. وعندما تنجح السلطات المحلية أو الدولية في استهداف مسار بعينه، يسارع مديرو العمليات لدى الحوثيين والحرس الثوري الإيراني إلى تحويل التدفقات عبر مسارات بديلة، مع تعديل تفاصيل تشغيلية محددة — مثل مواقع النقل من سفينة إلى أخرى أو الطرق البرية الداخلية — مع الحفاظ على استمرار تدفق المواد. وعندما تلوح فرصة مواتية، كما حدث حين خففت المملكة العربية السعودية القيود على الشحن المتجه إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين على البحر الأحمر عام 2023 في إطار هدنة غير رسمية مع الجماعة، سارع الحوثيون وداعموهم إلى استغلالها بإرسال كميات أكبر من العتاد عبر المسار المفتوح. وبما أن الحوثيين باتوا يعتمدون على تصنيع الأسلحة باستخدام مواد ذات استخدام مزدوج ومواد خام، فإنهم أصبحوا قادرين أيضًا على دمج إمدادات برنامجهم التسليحي ضمن شحنات تجارية مشروعة تُنقل عبر شبكات الشحن العام والحاويات.

وحتى أجهزة الاستخبارات ذات الموارد الكبيرة تعاني من فجوات معرفية عندما يتعلق الأمر بسلسلة إمداد الحوثيين. فمنذ عام 2015، صادرت القوات البحرية الدولية كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة وقطع الطائرات المُسيّرة في طريقها إلى الحوثيين. غير أن عددًا محدودًا نسبيًا فقط من المكوّنات الخاصة بمنظومات الصواريخ المتقدمة بعيدة المدى التي يستخدمها الحوثيون جرى اعتراضه. بل إنه، وعلى الرغم من إطلاق الحوثيين مئات الصواريخ الباليستية، لم يُضبط سوى خمسة محركات فقط لهذه الصواريخ طوال سنوات الحرب في اليمن، وجميعها كانت ضمن شحنة واحدة جرى ضبطها في يناير/كانون الثاني 2024.

كما بات الحوثيون طرفًا فاعلًا على نحوٍ متزايد في منظومة معرفية تتحدى منطق سياسات منع الانتشار التقليدية. فبين الدخول إلى اليمن والخروج منه، يتعاون عناصر الحوثيين مع جماعات أخرى ضمن «محور المقاومة»، ويشاركون في برامج تدريب وتبادل خبرات في إيران ولبنان، وقبل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، في سوريا. وفي الاتجاه المعاكس، ينتقل مستشارون من الحرس الثوري الإيراني و«حزب الله» إلى اليمن لبناء قدرات الحوثيين والإشراف على الهجمات. وإذ يقترن هذا الانتشار المعرفي بالطابع العالمي لسلاسل الإمداد الحوثية، فإن القضاء على عدد محدود من القادة أو مواقع التصنيع يُرجّح ألا يؤدي إلى إضعاف قدرات الجماعة على المدى الطويل.

وتواجه الجهود الرامية إلى تعطيل برنامج التسلح الحوثي ثلاث قيود رئيسية ذاتية المنشأ: تشظّي وتنازع خطوط السلطة، وعدم التوافق — بل والتنافر في كثير من الأحيان — بين الأولويات المحلية والإقليمية والدولية، واتساع نطاق القيود على الموارد. وتتجلى هذه الإشكالات على جميع المستويات: فالعمليات البحرية الدولية تركز بشكل ضيق على عمليات النقل المباشر من إيران؛ كما تتزايد حدة الخلافات بين القوتين الإقليميتين، السعودية والإمارات، بشأن اليمن. أما القوات الأمنية اليمنية، التي تعتمد على الرياض وأبوظبي في الدعم، فتواجه في كثير من الأحيان مشكلة عدم انتظام الرواتب، إلى جانب محدودية الصلاحيات وتنازعها. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى صراعات داخلية في صفوفها، وإلى قيود عميقة على قدراتها المؤسسية.

و تتمثل إشكالية أخرى في قرار الولايات المتحدة التوقف فعليًا عن صياغة سياسة فاعلة تجاه اليمن. فبعد مواجهة عسكرية محدودة مع الحوثيين أعقبتها هدنة لم يُكشف عن شروطها، يرى بعض المسؤولين الأميركيين أن إدارة ترامب خلصت إلى أن الحوثيين رضخوا للضغوط ولم يعودوا يشكلون تهديدًا يُذكر. ويستند هذا التقدير إلى افتراض متفائل مفاده أن الهدنة الأميركية–الحوثية، إلى جانب تصنيف الجماعة «منظمة إرهابية أجنبية»، والتهديد المستمر بشن غارات جوية إسرائيلية، كفيلة بإبقاء الحوثيين تحت السيطرة من دون انخراط أميركي مستدام.

غير أن هذا الفتور الأميركي ألقى بظلاله السلبية على السياسات الدولية في لحظة تتطلب تفكيرًا متعدد الأطراف عميقًا ومنسقًا. فالقوى الأوروبية والإقليمية تُبدي قلقًا بالغًا إزاء المسار الذي يتخذه الحوثيون، لكنها تشعر بالعجز عن التحرك بصورة مستقلة في غياب الدعم الأميركي. وفي الوقت نفسه، كما يوثّق هذا التقرير، تواصل سلاسل الإمداد التي تمكّن قدرات الحوثيين عملها على نطاق غير مسبوق، وتزداد تعقيدًا وتطورًا، بينما تتسع في المقابل طموحات الحوثيين الإقليمية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ويبعث التطور السريع الذي شهده الحوثيون خلال العقد الماضي على القلق لدى الأطراف المعنية بالسلم والأمن الدوليين، ليس فقط بسبب القدرات التي راكموها — واستعدادهم لاستخدامها، بما في ذلك ضد اليمنيين أنفسهم — بل أيضًا بسبب النموذج الذي قدّموه لجماعات مماثلة. فقد أثبت الحوثيون أن الفاعلين المسلحين من غير الدول باتوا قادرين، عبر توظيف الدعم الخارجي والاتصال العالمي، على امتلاك قدرات كانت حكرًا في السابق على الدول القوية.

 

2. الحوثيون وترسانتهم في السياق العام

تُعدّ حركة أنصار الله، حركةً دينية وسياسية وعسكرية، ويُشار إليها على نطاق واسع باسم الحوثيين نسبةً إلى العائلة المؤسسة للحركة. ويتولى قيادتها الحالية (عبد الملك الحوثي)، الذي تسلّم زمام القيادة بعد مقتل شقيقه (حسين الحوثي) خلال مواجهات مع القوات الحكومية عام 2004. وفي عام 2014، سيطر الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء عقب عقدٍ من القتال مع الحكومة في المناطق النائية من شمال البلاد. وقد أدّت محاولاتهم لترسيخ انقلابهم في أواخر عام 2014 ومطلع 2015 إلى اندلاع حرب أهلية، تدخلت فيها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات عسكريًا دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وعلى مدار عقدٍ من الصراع، أحكم الحوثيون سيطرتهم على شمال غرب اليمن، وأقاموا كيانًا شبه دولتي يتسم بتزايد الطابع القمعي والأيديولوجي الديني.

ومنذ البداية، واجهت الجهود الرامية إلى دحر الحوثيين صعوبات كبيرة. فقد كان المعسكر المناهض لهم منقسمًا منذ عام 2015، وتعمّقت حالة التشظي مع استمرار الحرب، بما في ذلك المواجهات العنيفة بين قوات مدعومة من الإمارات وأخرى مدعومة من السعودية للسيطرة على مدينة عدن عام 2019. وفي عام 2022، بلغ الصراع حالة جمود مُكلفة للطرفين، ووافق الحوثيون على هدنة شاملة على مستوى البلاد عقب مفاوضات مباشرة مع السعودية. وبعد ذلك بوقت قصير، رعت الرياض إزاحة الرئيس (عبد ربه منصور هادي)، واستبدلته بمجلس رئاسي برئاسة وزير الداخلية اليمني السابق (رشاد العليمي)، الذي واجه، شأنه شأن سلفه، صعوبات كبيرة في توحيد الصف المناهض للحوثيين. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، انتهى نزاع إقليمي بين فصائل مدعومة من السعودية وأخرى مدعومة من الإمارات بقيام السعودية بشن غاراتٍ جوية لدفع قوات متحالفة مع أبوظبي إلى التراجع.

ومع دخول الحرب الداخلية حالة من الجمود منذ عام 2022، وجّه الحوثيون أنظارهم نحو الصراع الإقليمي. فقد أدّت الحرب التي أشعلها هجوم «حماس» على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبه من هجوم إسرائيلي واسع النطاق ومدمّر على غزة، إلى جرّ لبنان وسوريا والعراق وإيران — واليمن أيضًا — إلى حرب إقليمية واسعة. وبدأ الحوثيون باستهداف حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر، إضافة إلى مواقع عسكرية ومدنية داخل إسرائيل. وردّت إسرائيل والولايات المتحدة بضربات عسكرية مضادة، بلغت ذروتها بحملة عسكرية أميركية ضد الجماعة بين مارس/آذار ومايو/أيار 2025، تحولت بدورها إلى مواجهة عسكرية في البحر الأحمر. ورغم توصل الحوثيين والولايات المتحدة إلى هدنة، استمر تبادل الضربات بين إسرائيل والحوثيين، بما في ذلك غارة جوية إسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أسفرت، بحسب الحوثيين، عن مقتل معظم أعضاء حكومتهم المدنية.

وكان الصراع الحوثي–الإسرائيلي قد دخل مرحلة تهدئة وقت كتابة التقرير، إذ أعلن الحوثيون في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إنهاء حملتهم، وقالوا إن ذلك جاء ردًا على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي أُعلن قبل شهر. غير أن الحرب، وحملة البحر الأحمر، إلى جانب الانقسامات داخل الحكومة اليمنية، أسهمت في ترسيخ سيطرة الحوثيين على شمال غرب اليمن، ومنحتهم موقعًا قويًا ومؤثرًا في التحكم بممرات الملاحة العالمية التي تمر عبر البحر الأحمر.

و في صميم صعود الحوثيين إلى السلطة تكمن ترسانة أسلحة ضخمة على نحو لافت. فقد استند نفوذهم الداخلي في بداياته إلى تدفّق منتظم للأسلحة الخفيفة والأسلحة الفردية، بكميات يمكن أن تلبّي احتياجات بعض الجيوش الأوروبية. واليوم، تزعم الجماعة أن لديها أكثر من 1.1 مليون مقاتل تحت السلاح، غير أن مراقبين عسكريين غربيين يقدّرون أن قدرتها الفعلية على التعبئة لا تتجاوز، في أفضل الأحوال، ما بين ثلث ونصف هذا الرقم. ومنذ عام 2015، صادرت القوات البحرية الدولية ما يقرب من 40 إلى 50 ألف بندقية هجومية وقاذفات صواريخ وغيرها من الأسلحة المتجهة إلى الحوثيين، إلى جانب أكثر من مليوني طلقة ذخيرة. وتتوافق هذه الأرقام مع متطلبات تسليح قوة قوامها عدة مئات الآلاف من المقاتلين. بل إن توفر الأسلحة والذخائر داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين بات واسعًا إلى درجة أن الجماعة وحلفاءها يُتهمون بتهريب الأسلحة إلى الصومال وإلى مناطق خاضعة للحكومة اليمنية بغرض بيعها وتحقيق أرباح. 
 

وتُعدّ الأسلحة المتقدمة عنصرًا حاسمًا في قدرة الحوثيين على إسقاط القوة خارج الحدود. فقبل وقت طويل من شروعهم في استهداف الملاحة في البحر الأحمر وإسرائيل أواخر عام 2023، ساعدت الهجمات العابرة للحدود التي نفذوها داخل أراضي السعودية والإمارات في دفع الدولتين الخليجيتين إلى البحث عن مخرج من حرب اليمن. ثم، في عام 2025، دخلت الجماعة في مواجهة مع الولايات المتحدة في البحر الأحمر — يمكن القول إنها انتهت بحالة تعادل مع القوة العظمى — حيث أطلقت صواريخ ونفّذت هجمات بطائراتٍ مُسيّرة جوية وبحرية ضد سفن حربية أميركية. وقد أدت مناورات التفادي التي نفذتها البحرية الأميركية تحت الهجوم الحوثي إلى فقدان طائرتين مقاتلتين من طراز «إف-18». وأسهمت هذه الخسائر في زيادة الكلفة المادية والمالية للحملة الأميركية، ما عجّل بالتوصل إلى هدنة في مايو/أيار 2025. ومنذ عام 2015، استخدم الحوثيون أنواعًا متعددة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز وصواريخ أرض–جو والصواريخ غير الموجهة، إضافة إلى الطائرات المسيّرة (UAVs) والزوارق المُسيّرة البحرية (USVs)، لمهاجمة أهداف على مسافات تتراوح بين 2,000 كيلومتر بالنسبة للصواريخ، و2,600 كيلومتر بالنسبة للطائرات المُسيّرة الجوية، انطلاقًا من مناطق سيطرتهم. وبحسب تقديرات متحفظة، نفّذت الجماعة أكثر من 1,800 هجوم صاروخي وبالطائرات المُسيّرة طوال فترة الحرب.

كما راكم الحوثيون مخزونًا هائلًا من الألغام الأرضية، ما يتيح لهم الدفاع عن مساحات واسعة من الأراضي باستخدام أعداد محدودة نسبيًا من المقاتلين. وهم يقومون بتجميع وتصنيع ونشر الألغام الأرضية والعبوات الناسفة البدائية بكميات ضخمة. ومنذ عام 2015، قامت منظمة واحدة مختصة بنزع الألغام بإزالة نحو 460 ألف لغم أرضي وعبوة ناسفة ومخلّفات حربية غير منفجرة من مواقع مختلفة في أنحاء اليمن. ويتجاوز هذا الرقم بكثير المخزون الذي كانت تمتلكه القوات المسلحة اليمنية قبل الحرب، ومن المرجح أنه لا يمثل سوى جزء يسير من إجمالي المتفجرات التي زرعها الحوثيون. وفي عام 2022، سجّل اليمن ثالث أعلى معدل ضحايا للألغام الأرضية في العالم، بعد سوريا وأوكرانيا.

ومعظم منصات التسليح التي يستخدمها الحوثيون لم تكن موجودة في اليمن قبل اندلاع الحرب.

وقد مكّن مخزون الحوثيين من الألغام والأسلحة الخفيفة والأسلحة المتقدمة الجماعة من السيطرة على أراضٍ داخلية واسعة وبسط نفوذها خارج الحدود. كما أن فهم كيفية حصول الحوثيين على هذه الأسلحة، وقدرتهم على استخدامها، يساهم في توضيح حجم التحدي الذي يواجه أي محاولة جادة لكبح جماحهم.

 

3. من المهرّبين إلى سلاسل الإمداد

في خطاب ألقاه في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي أن اليمن بلغ «مستوى غير مسبوق من القدرة العسكرية». وادّعى أن اليمن بات «الأول عربيًا في الإنتاج الحربي والصناعة العسكرية، من المسدسات والكلاشنيكوف، إلى المدفعية، والقنّاصة، والطائرات غير المأهولة، وصولًا إلى الصواريخ بمختلف أنواعها». ورغم أن عبد الملك الحوثي بالغ في توصيف قدرات جماعته، وتجاهل في الوقت نفسه استمرار اعتمادها على إيران، فإن ادعاءه لم يكن بعيدًا تمامًا عن الواقع.

فبين مارس/آذار 2024 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، أنشأ مؤلفو هذا التقرير قاعدة بيانات تضم أكثر من 140 عملية ضبط نفذتها قوات بحرية غربية وإقليمية، وعناصر جمارك وحرس حدود، وقوات أمن يمنية محلية. وبالاقتران مع العمل الميداني داخل اليمن، وإجراء مقابلات مع مسؤولين يمنيين وإقليميين ودوليين، تتيح هذه القاعدة رسم صورة واضحة لكيفية تحوّل الجماعة من متلقٍ سلبي للأسلحة إلى جهة تُشرف على مجمّع عسكري–صناعي خاص بها — أي الانتقال من الاعتماد على التهريب إلى إدارة سلاسل إمداد متكاملة.

وطوال سنوات الحرب، دأب خصوم الحوثيين على توصيف قدراتهم العسكرية بأنها نتاج مباشر لتهريب أسلحة إيرانية. ورغم أن هذا التوصيف يحمل قدرًا من الصحة، فإنه يُسيء فهم العلاقة المتطورة بين الحوثيين وفيلق القدس الإيراني، وبقية أطراف «محور المقاومة»، كما يُغفل التحول البنيوي الذي شهدته الجماعة نفسها. فثمة أدلة متزايدة تُظهر الدور الجوهري لإيران في تزويد الحوثيين بالتكنولوجيا والمواد والمعرفة اللازمة، ليس فقط لتشغيل منظومات تسليحية مختلفة، بل أيضًا لتجميعها وحتى تصنيعها من الصفر. وعلى الرغم من أن الأسلحة الحوثية تستند في تصميمها وتقنيتها إلى نماذج إيرانية، إلا أنها لم تعد تُشحن كاملة إلى اليمن من طهران. إذ بات الحوثيون يقومون بتجميع وتصنيع الأسلحة محليًا باستخدام مواد خام ومكوّنات ومعدات تصنيع تُستجلب من إيران، فضلًا عن شبكات التوريد الإقليمية والعالمية التي طوّرتها الجماعة بنفسها.

 

2006–2015: مرحلة المهرّبين

بدأ مستشارون من جماعة «حزب الله» اللبنانية المسلحة التنسيق مع الحوثيين قرابة عام 2006. وكانت عمليات نقل السلاح بين الطرفين محدودة في بداياتها، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى وفرة الأسلحة الخفيفة داخل اليمن آنذاك. غير أنّ الحكومة اليمنية أعلنت في عام 2009 اعتراض سفينتين كانتا تبحران من إريتريا باتجاه ميناء مِيدي في شمال غرب اليمن، وتحملان بنادق وصواريخ مضادة للدبابات، إلى جانب ما وصفته وسائل إعلام محلية ودولية بـ«مستشارين عسكريين إيرانيين»، يُرجَّح في الواقع أنهم لبنانيون.

وقد أتاح الفراغ في السلطة والأمن الذي رافق انتفاضة الربيع العربي في اليمن عام 2011، وما تلاها من عملية انتقال سياسي، مجالًا أوسع لتعزيز التنسيق بين «حزب الله» والحرس الثوري الإيراني والحوثيين. وخلال تلك الفترة، يُعتقد أن قادة حوثيين وأفرادًا من الصفوف القتالية سافروا بوتيرة متزايدة من اليمن إلى لبنان وإيران. كما تكثفت جهود تهريب الأسلحة إلى الجماعة. ففي يناير/كانون الثاني 2013، اعترضت قوات بحرية أميركية ويمنية سفينة شراعية عديمة الجنسية تُدعى جيهان 1 قبالة السواحل اليمنية. وكانت السفينة محمّلة بأسلحة خفيفة، وصواريخ كاتيوشا، ومنظومات دفاع جوي محمولة إيرانية، ومواد متفجرة، ومكوّنات ألغام أرضية. وأفاد طاقم السفينة اليمني لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة بأنهم أبحروا بها من ميناء بندر لِنْجه في إيران إلى السواحل اليمنية.

ويؤكد منسق سابق لعمليات التهريب لدى الحوثيين أن اعتراض سفينة جيهان 1 لم يمثل سوى جزء ضئيل من الحجم الإجمالي للأسلحة التي نُقلت إلى الجماعة خلال تلك المرحلة. وتشير مصادر متعددة إلى أن كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة وغيرها من المواد العسكرية كانت تُشحن إلى اليمن بين عامي 2012 و2015، وتُخزَّن في منازل آمنة داخل مدن رئيسية في أنحاء البلاد. وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، أصبحت العلاقة أكثر وضوحًا وعلنية، إذ يُزعم أن طائرات وسفن شحن إيرانية نقلت كمياتٍ كبيرة من المواد العسكرية إلى مطار صنعاء الدولي وموانئ البحر الأحمر الخاضعة لسيطرة الحوثيين، قبل أن يفرض التدخل العسكري بقيادة السعودية عام 2015 حصارًا مؤقتًا على تلك الموانئ.

وعلى الرغم من تخفيف الحصار لاحقًا، شدد التحالف العسكري بقيادة السعودية سيطرته على المياه اليمنية والمجال الجوي، فأوقف جميع الرحلات الدولية إلى صنعاء اعتبارًا من عام 2016، ومنع أي عمليات نقل مباشرة أخرى من إيران. ومع ذلك، سرعان ما أصبحت الأسلحة الإيرانية عنصرًا أساسيًا في المجهود الحربي للحوثيين. فعند دخولهم صنعاء، كانت أكثر الأسلحة تطورًا بحوزتهم مخزونات محدودة من الصواريخ المضادة للدبابات. لكن مع اتساع رقعة الحرب منذ عام 2015، بدأ الحوثيون وحلفاؤهم في استخدام طيف أوسع من الأسلحة المحلية، إضافة إلى مخزونات الجيش اليمني السابقة التي استولوا عليها مع العاصمة، فضلًا عن الأسلحة الإيرانية المُهرَّبة.

ويُرجَّح أن مخزونات الأسلحة بعيدة المدى التي استولى عليها الحوثيون من الجيش — ولا سيما صواريخ «سكود» السوفييتية والكورية الشمالية — قد نُفدت بحلول منتصف عام 2017. ومنذ نحو عام 2018، انتقل الحوثيون إلى الاعتماد على منظومات تسليح إيرانية الصنع أو التصميم، بما في ذلك صواريخ متوسطة المدى وطائرات مُسيّرة مسلحة ذات مدى متزايد.

ومن بين أربعين شحنة أو قطعة سلاح جرى اعتراضها بين عامي 2015 و2018، تبيّن أن 37.5% منها ذات منشأ إيراني، وهي نسبة تفوق بكثير نسبتي المصدرين التاليين، روسيا (15%) والصين (5%). ويُرجَّح أن بعض الأسلحة غير الإيرانية كانت تُباع لإيران أولًا قبل إعادة شحنها إلى اليمن. فعلى سبيل المثال، جرى تتبّع شحنة كبيرة من بنادق «تايب 56-1» الصينية، وهي نسخة من الكلاشنيكوف، إلى إيران، وتبدو هذه البنادق من أكثر الأسلحة شيوعًا بين مقاتلي الحوثيين.

 

2018–2025: سلاسل الإمداد

بدأ التحول الجذري في مسار الحوثيين — من متلقّين سلبيين لمنظومات تسليح مكتملة إلى مُصنّعين محليين — بالظهور، أو على الأقل بات واضحًا، قرابة عام 2018. ففي ذلك العام، بثّت وسائل إعلام تابعة للحوثيين مقاطع مصوّرة تُظهر ما يُعرف برئيس المجلس السياسي الأعلى للجماعة وهو يتفقد مواقع للإنتاج العسكري؛ وقد أظهرت المقاطع عمّالًا يمنيين يصنعون قوالب من الألياف الزجاجية للطائرات المُسيّرة، ويجمعون قذائف هاون وألغامًا أرضية ومنظومات تسليح أخرى. وفي العام نفسه، بدأت قوات الأمن اليمنية بمصادرة كميات كبيرة من المكوّنات الخاصة بالطائرات المُسيّرة وغيرها من أنظمة التسليح. وبحلول عام 2020، شكّلت نحو 35% من عمليات الاعتراض الموثقة مكوّنات ومواد خام، استُخدمت في الغالب لتصنيع الألغام الأرضية.
 

وفي تلك الفترة، بدأ محققو الأمم المتحدة وخبراء الأسلحة الآخرون يلاحظون أيضًا أن عددًا من الصواريخ والطائرات المُسيّرة والألغام التي جرى استعادتها من الحوثيين كانت تُجمع داخل اليمن. وقد استُدل على ذلك من تدني جودة التصنيع مقارنة بالأنظمة السابقة المصنَّعة في إيران.

ومنذ عام 2020، أصبح هذا التحول أكثر وضوحًا وتسارعًا. ففي عامي 2024 و2025، كانت أكثر من 80% من المواد التي جرى اعتراضها في طريقها إلى الحوثيين عبارة عن مستلزمات تُستخدم في تصنيع الأسلحة، لا عن منظومات تسليح مكتملة. كما تُظهر هذه المصادرات مدى تنوّع سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها الحوثيون. فبصورة إجمالية، تبيّن أن 35% من جميع المواد الموثقة بين عامي 2021 و2025 كان مصدرها الصين — وغالبيتها مكوّنات ومواد خام — مقارنة بـ21% لإيران، التي جاءت في المرتبة الثانية كمصدر للأسلحة والمواد.

ويُظهر تحليل البنية الداخلية للصواريخ وغيرها من الأسلحة التي استُعيدت إما عقب هجمات أو خلال عمليات اعتراض، أن مكوّنات ومواد خام أخرى جرى توريدها من نطاق عالمي واسع، شمل الهند وألمانيا وهولندا وكوريا الجنوبية وسويسرا والولايات المتحدة وتايلاند وفيتنام، إلى جانب عدد من الدول الأخرى. ويعتقد مسؤولون أميركيون وغربيون وإقليميون، بمن فيهم أعضاء في الحكومة اليمنية، أن هذه الشحنات تُستخدم في تصنيع عدد متزايد من منظومات التسليح، بما في ذلك العديد من الطائرات المسيّرة والصواريخ التي استخدمها الحوثيون في هجماتهم في البحر الأحمر خلال حرب غزة، وكذلك ضد الولايات المتحدة أثناء المواجهة العسكرية في البحر الأحمر عام 2025.

وتُضفي أنماط النشاط المسجَّلة حول ستة مواقع في شمال اليمن — يُرجَّح استخدامها لإنتاج الأسلحة أو تخزينها — قدرًا إضافيًا من المصداقية على هذه التقديرات. إذ تُظهر أنماط الانبعاثات الضوئية في مواقع معزولة نسبيًا، جرى قياسها باستخدام صور الأقمار الصناعية باعتبارها مؤشرًا على مستوى النشاط البشري، تطابقًا وثيقًا مع الارتفاع الموثق في شحنات المكوّنات ومع إفادات مصادر تحدثت عن تصنيع حوثي في مواقع ميدانية. فقد تراجعت هذه الانبعاثات في السنوات الأولى من الحرب مع تدهور البنية التحتية للكهرباء، ثم استقرت عند مستويات منخفضة بحلول عام 2018، قبل أن تبدأ بالارتفاع مجددًا منذ عام 2020. وسُجّلت الزيادات الأشد حدة بين عامي 2023 و2025، في تزامن دقيق مع تصاعد عمليات الحوثيين في البحر الأحمر والزيادة الموثقة في اعتراض المكوّنات المتقدمة.
 

 

• الوضع الراهن: مخططان وبيانان توضيحيان

يسهم مخططان إضافيان، إلى جانب تحليل عمليتي ضبط، في توضيح مسار انتقال الحوثيين من التهريب إلى سلاسل الإمداد، وكذلك في رسم صورة دقيقة لوضع قدراتهم الحالية. وتُظهر البيانات أن المواد الخام والسلع ذات الاستخدام المزدوج ذات المنشأ الصيني تشكّل الحصة الأكبر من إجمالي المصادرات. ويُبرز الشكلان معًا التحوّل من الاعتماد على السلاح الإيراني إلى سلسلة توريد صناعية دولية ترتكز أساسًا على استيراد قطع منفردة من الصين وغيرها من مراكز التجارة العالمية الكبرى.

وتُجسّد عمليتا اعتراض رئيسيتان جرتا في عام 2025 كلاً من الارتقاء المتزايد في قدرات التصنيع لدى الحوثيين، والقيود التكنولوجية التي ما تزال تكبحهم. ففي الفترة بين يوليو/ تموز وأكتوبر/ تشرين الأول 2025، اعترضت الأجهزة الأمنية في عدن عشرات الشحنات الداخلة إلى اليمن عبر ميناء عدن للحاويات، وكانت تضم مواد محظورة ذات استخدام مزدوج، من بينها شحنة واحدة مكوّنة من أربعة وأربعين حاوية في أغسطس/ آب. وكانت هذه الشحنات موجّهة في الأصل إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين، قبل أن يُعاد توجيهها عقب تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) والضربات الإسرائيلية التي نُفّذت في وقت سابق من عام 2025. وقد نقلت الحاويات مئات الأصناف، شملت تشكيلة واسعة من الطائرات المُسيّرة ومكوّناتها، إلى جانب معدات تصنيع متقدمة، من بينها مخارط دقيقة تعمل بالتحكم الرقمي (CNC)، وأنظمة لحام روبوتية، وأجهزة نقش بالليزر، ومعدات لتصنيع لوحات الدوائر الإلكترونية، وغيرها من معدات النقش. ويرى خبراء الأسلحة أن محتويات هذه الشحنات يمكن استخدامها في إنتاج شبه صناعي للطائرات المسيّرة والصواريخ والأسلحة الخفيفة.

وفي حادثة أخرى وقعت في يونيو/ حزيران 2025، اعترضت قوات المقاومة الوطنية اليمنية — وهي فصيل مسلح موالٍ للحكومة — سفينة شراعية (داو) كانت تُبحر من جيبوتي باتجاه ميناء الصليف الخاضع لسيطرة الحوثيين. وعلى متنها وُجدت أكبر شحنة أسلحة إيرانية موثقة حتى ذلك الحين موجّهة إلى الحوثيين. وضمت الشحنة ما لا يقل عن ستة صواريخ كروز مضادة للسفن من طراز «غدير»، وهي من النوع المستخدم في استهداف الملاحة في البحر الأحمر منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023؛ وأكثر من خمسين رأس توجيه تُستخدم لمساعدة صواريخ كروز والصواريخ الباليستية على إصابة أهدافها؛ وعشرات القطع الخاصة بصاروخ «358» الإيراني أرض–جو، الذي استخدمه الحوثيون لإسقاط ما يصل إلى خمسٍ وعشرين طائرة أميركية مُسيّرة من طراز MQ-9 «ريبر» تُقدَّر قيمتها الإجمالية بأكثر من 750 مليون دولار؛ إضافة إلى صاروخ «قائم-118» الاعتراضي المضاد للطائرات المسيّرة، وهو سلاح إيراني لم يكن قد كُشف عنه سوى قبل أشهر قليلة. كما كانت السفينة تحمل أكثر من مئة محرّك للطائرات المُسيّرة، وأجزاء بنادق AK-103 التي يدّعي الحوثيون تصنيعها محليًا، و 800 كيس يزن كل منها عشرين كيلوغرامًا من سماد النيتروجين المخصّص لإنتاج الدوافع الصاروخية.

و تروي عمليتا الضبط قصّة دالّة. فمن جهة، تُظهر شحنة السفينة الشراعية أن الحوثيين لم يبلغوا بعدُ القدرة على تصنيع منظومات تسليح عالية التعقيد، وأنهم ما يزالون يعتمدون بدرجة كبيرة على إيران في ما يتصل بالتكنولوجيا والعديد من المكوّنات الحيوية. وفي الواقع، فإن جميع منظومات الأسلحة المتقدمة لدى الحوثيين لا تزال ذات تصميم إيراني. ولهذا التقرير، كلّف المؤلفون خبيرًا دوليًا في شؤون التسليح بإجراء تحليل لأكثر منظومات الأسلحة التقليدية المتقدمة استخدامًا لدى الحوثيين، وهي الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المُسيّرة الجوية والبحرية. واستنادًا إلى تحليل بصري لتصميم وهندسة الصواريخ والطائرات المُسيّرة الحوثية، وإلى مراجعة المواد التي جرى اعتراضها، خلص الخبير إلى أن كل منظومة صاروخية أو مُسيّرة رئيسية لدى الحوثيين لها نظير مباشر في الترسانة الإيرانية. ويدعم هذا الاستنتاج تحليلات صادرة عن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ومنظمة «بحوث تسليح النزاعات». وفي بعض الحالات، يختبر الحوثيون منظومات مصممة إيرانيًا قبل نقلها إلى جماعات أخرى. فعلى سبيل المثال، يقوم الحوثيون بتصنيع وتشغيل الطائرات المُسيّرة بعيدة المدى من طرازي «صمّاد-1» و«صمّاد-2» المستخدمة في استهداف الملاحة في البحر الأحمر وإسرائيل. ولم تكن هذه الطائرات قد رُصدت سابقًا ضمن الترسانة الإيرانية، لكنها ظهرت لاحقًا في عروض عسكرية لميليشيات عراقية، ويرجّح خبراء السلاح أنها ذات تصميم إيراني.

ومن جهة أخرى، تُعدّ مصادرة حاويات عدن تذكيرًا صارخًا بتنامي قدرات جماعة مسلّحة باتت تمتلك نفوذ دولة، لكنها تتحرك مع قدر ضئيل من الاكتراث بالقانون الدولي أو المحلي. إذ بات الحوثيون يديرون اليوم ما لا يقل عن أربعة خطوط لتصنيع أو تجميع الأسلحة: الأول للألغام الأرضية والعبوات الناسفة البدائية، بما في ذلك المتفجرات المصنّعة محليًا؛ والثاني لصواريخ كروز والصواريخ الباليستية؛ والثالث للطائرات المسيّرة الجوية والبحرية؛ والرابع لبعض الأسلحة الخفيفة. وتتفاوت قدرات التصنيع الحوثية تبعًا لتعقيد منظومة السلاح المعنية. ففي ما يخص المنظومات الصاروخية، على سبيل المثال، يقتصر الإنتاج المحلي على أجزاء محددة، مثل الهياكل الخارجية والوقود الصاروخي والمتفجرات، بينما يظل الحوثيون معتمدين على إيران في التصاميم وأنظمة التوجيه والمكوّنات الحيوية، كالأجنحة والمحركات. غير أنّ الجماعة بلغت، في عدد من الحالات الأخرى، نقطة تحوّل في القدرات، باتت معها قادرة على تصنيع نسبة معتبرة من بعض منظومات السلاح باستخدام مكوّنات مستوردة. وتشير درجة تطور المعدات التي يستوردها الحوثيون، إلى جانب مقابلات مع خبراء تسليح ومسؤولين أميركيين، إلى أن إنتاجهم العسكري يشهد تحسّنًا ملحوظًا، وأن عددًا كبيرًا من اليمنيين اكتسبوا مستوى متقدمًا من المعرفة التصنيعية، وهو تطور نوعي مقارنة بسنوات الحرب الأولى.

كما يعمل المجمع العسكري-الصناعي الناشئ لدى الحوثيين على نطاق واسع ومتسارع النمو. ففي عام 2021، صادرت قوات محلية في جنوب غرب اليمن شحنة واحدة تضم 1.5 مليون صاعق بسيط للألغام الأرضية. ويقدّر أحد المهندسين العاملين في منظمة لإزالة الألغام أن تصنيع 1.5 مليون لغم مطابق لتلك الصواعق يتطلب استيراد نحو أربعة آلاف طن من المواد الكيميائية الأولية اللازمة للشحنات المتفجرة، وهو ما يعادل 150 حاوية شحن بطول أربعين قدمًا. ورغم أن هذا الحجم قد يبدو غير معقول، تُظهر سجلات التجارة أنه بين عامي 2023 و2025 استوردت شركتان واجهتان للحوثيين، مقرهما المزعوم جيبوتي، ما يقدَّر بنحو 7,500 إلى 8,500 طن من نترات الأمونيوم ومواد كيميائية أخرى إلى منطقة القرن الأفريقي، قبل نقلها إلى مناطق سيطرة الحوثيين عبر سفن شراعية وقوارب صغيرة أخرى. ويعادل هذا الحجم ثلاثة أضعاف كمية المادة نفسها التي تسببت في انفجار مرفأ بيروت عام 2020، الذي وُصف بأنه «أكبر انفجار غير نووي في التاريخ الحديث». كما أن السفينة الشراعية التي اعترضتها قوات المقاومة الوطنية في يونيو/ حزيران 2025 كانت تنقل ما يقدَّر بنحو 750 طنًا من الأسلحة والمكوّنات والمواد الكيميائية من جيبوتي، وبحسب إفادات طاقمها، كانت قد قطعت الرحلة نفسها اثنتي عشرة مرة خلال الثمانية عشر شهرًا السابقة. وبعبارة أخرى، فإن البرنامج العسكري-الصناعي الحوثي يسير في مسار مقلق نحو قدر متزايد من التصنيع الذاتي وعلى نطاق آخذ في الاتساع.

 

4. سلسلة الإمداد الحوثية: أربع قنوات حاسمة

لقد غيّر انتقال الحوثيين إلى تصنيع وتجميع الأسلحة محليًا بصورة جذرية الطريقة التي يحصلون بها على ترسانتهم، ما جعل من الصعب، تبعًا لذلك، كبح توسّع قدراتهم العسكرية. فقد تراجع نموذج الإمداد الذي ساد في السنوات الأولى من الحرب — والقائم على تهريب منظومات سلاح مكتملة عبر عدد محدود من المسارات السرّية — ليحلّ محلّه نموذج هجين للاقتناء، يمزج بين سلاسل إمداد معولمة ومعرفة محلية متراكمة. وباتت المكوّنات والمواد الخام تتدفّق اليوم من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط عبر قنوات تجارية مشروعة وأخرى غير مشروعة، تمرّ خلالها كل شحنة بأيدٍ متعددة قبل وصولها إلى اليمن. وفي الوقت نفسه، يجري التدريب وتبادل الخبرات داخل اليمن وخارجه، مع تحرّك عناصر من الحوثيين والحرس الثوري الإيراني و«حزب الله» وجهات أخرى ذهابًا وإيابًا من البلاد بقدر ملحوظ من السهولة.

إن فهم سلسلة الإمداد الحوثية يسلّط الضوء على التحديات البنيوية التي تعترض محاولات تعطيلها. فرغم التعقيد شبه الطاغي لهذه الشبكة، يمكن اختزالها في قنوات مميّزة وواضحة المعالم. واستنادًا إلى توليف معطيات من مصادر متعددة، يستعرض هذا القسم أربع قنوات إمداد أساسية. ويجمع التحليل بين رسم خرائط لمسارات التهريب والنقل، وإجراء عشرات المقابلات مع مصادر محلية داخل اليمن؛ والتحقق من المسارات البرية عبر بيانات مواقع الهواتف المحمولة المجهولة الهوية؛ والتحديد المنهجي لمواقع التهريب البحري باستخدام أنظمة التعريف الآلي للسفن (AIS) وصور الأقمار الصناعية؛ فضلًا عن تحليل انبعاثات الضوء الليلي لرصد أنماط النشاط عند العقد المحورية في سلسلة الإمداد.

ومن المهم التنبيه إلى أن هذه القنوات هي تلك التي جرى التحقق منها فقط. إذ تشير مصادر يمنية وغيرها إلى وجود مسارات أخرى تلعب دورًا مهمًا في دعم البرنامج التسليحي الحوثي؛ من بينها، على سبيل المثال، طرق التهريب التي تربط اليمن بإريتريا والسودان عبر البحر الأحمر، والتي سيتناولها التقرير بمزيد من التفصيل في أقسام لاحقة.

 

النقل المباشر من إيران

تُعدّ قناة الإمداد المباشرة بين إيران واليمن الأكثر نشاطًا، ولا تزال الأهم ضمن سلسلة الإمداد ككل. فهي تُستخدم لنقل أوسع نطاق، وأكثره حساسية، من المواد، بما في ذلك الأسلحة الخفيفة، والذخائر، والطائرات المُسيّرة، والصواريخ، ومكوّنات الصواريخ والطائرات المُسيّرة. وعادةً ما تُنقل البضائع من إيران عبر سفن شراعية تقليدية (الداو) إلى نقاط بحرية قريبة من السواحل اليمنية، حيث تُلتقط وتُنقل إلى داخل اليمن بواسطة قوارب أصغر أو زوارق سريعة. وبعد الوصول، يُعاد توزيع الشحنات على شاحنات وتُهرّب برًّا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين عبر مسارات التهريب الشرقية.

وقد تطورت المسارات والأساليب بمرور الوقت. ففي السنوات الأولى من الحرب، كانت أطقم تقودها جهات إيرانية تسلّم الشحنات إلى مهرّبين صوماليين. أما في الفترة الأحدث، فقد بات متعاقدون من جنوب آسيا يشكّلون بصورة متزايدة أطقم السفن المغادرة من إيران، في حين يتولى بحّارة يمنيون — غالبًا من الصيادين المُجنَّدين من مناطق ساحلية فقيرة خاضعة لسيطرة الحوثيين، والذين يتلقون تدريبًا في إيران — نقل الشحنات كاملة من إيران أو استلامها ونقلها إلى الساحل اليمني. كما تغيّرت نقاط التسليم بدورها مع سعي شبكات التهريب إلى تفادي عمليات الاعتراض؛ فعلى سبيل المثال، جرى ضبط شحنة في يناير/كانون الثاني 2024 كانت تضم محرّكات لصواريخ باليستية قبالة الساحل الشرقي للصومال، في منطقة لم تكن قد صُنّفت سابقًا كموقع لإعادة الشحن.

وعندما تتاح الفرصة، تُكمّل إيران والحوثيون هذه القناة عبر نقل المواد مباشرة بين موانئ إيرانية وأخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين باستخدام سفن شحن أكبر. وقد تشمل هذه القناة أيضًا نمطًا ثانيًا من عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، يتم بين سفن شحن كبيرة وقوارب صيد صغيرة وربما سفن تجارية كبيرة أخرى في البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما سيجري تناوله بمزيد من التفصيل لاحقًا.
 

 

إعادة الشحن عبر القرن الأفريقي

القناة الثانية لسلسلة الإمداد تعتمد على الشبكات البحرية التي تربط اليمن بالقرن الأفريقي، وخصوصًا جيبوتي والصومال. وتشمل المواد المنقولة عبر هذه القناة الصواريخ، ومكوّنات الصواريخ والطائرات المُسيّرة، ومعدات أخرى من إيران، والأسلحة الخفيفة والمواد الأولية للمتفجرات ووقود الصواريخ التي تم الحصول عليها دوليًا، بالإضافة إلى عناصر متخصصة مثل مفجرات الألغام الأرضية. و يقوم رجال أعمال محليون ويمنيون مقيمون في القرن الأفريقي بشراء العديد من هذه المواد من دول أفريقية أخرى، والصين، والهند، وربما روسيا. أما المواد الأخرى، فيتم شحنها إلى القرن الأفريقي من إيران، مدموجة مع بضائع مشروعة تُنقل مباشرة إلى الموانئ اليمنية، أو يتم إنزالها على الشاطئ عند نقاط متعددة على طول الساحل اليمني ونقلها برًا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. و يعتقد المسؤولون اليمنيون أن جيبوتي أصبحت خلال السنوات الأخيرة نقطة مركزية في سلسلة الإمداد، حيث يتم نقل الأسلحة المتقدمة، والمكوّنات ذات الاستخدام المزدوج، والمواد الأولية إلى ميناء الحاويات من إيران ودول أخرى، ثم تُحوّل إلى القوارب الشراعية (الداو) لتهريبها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، كما يبدو أنه حدث في حالة ضبط شحنة البحر الأحمر في يونيو 2025، بالإضافة إلى شحنات سابقة أخرى.

ويشير باحثون ومصادر أمنية يمنية وإقليمية مطلعة إلى أن الحوثيين يستخدمون هذه القناة أيضًا لبيع فائض الأسلحة الخفيفة لدول القرن الأفريقي، وعلى رأسها الصومال. ويؤكد تجار الأسلحة في الصومال أن مصدر بنادق AK-47 من طراز Type 56-1 الموجودة بحوزتهم هو اليمن، وفقًا لما وثقه باحثو المبادرة العالمية للجريمة المنظمة العابرة للحدود (GITOC). ففي يونيو/ حزيران 2021، وبعد سلسلة شحنات أسلحة من اليمن إلى بونتلاند، وهي منطقة شبه مستقلة في الصومال، وثّق باحثو GITOC بيع بندقيتين من طراز Type 56-1 في الصومال تحملان أرقامًا متسلسلة قريبة من شحنة تم ضبطها من قبل القوات البحرية الأمريكية في مايو/ آيار من نفس العام.

 

الشحنات التجارية الدولية

يُستخدم الشحن التجاري الدولي، وخصوصًا حاويات البضائع القادمة من الصين، أيضًا لتوريد المواد الحيوية للحوثيين عبر قناة ثالثة تربط مباشرة بين الموانئ اليمنية والأسواق الدولية. وتشمل المواد والمكوّنات المنقولة بهذه الطريقة المواد الكيميائية الأولية، ومكوّنات الطائرات المُسيّرة، ومعدات الاتصالات. في يونيو/ حزيران 2024، على سبيل المثال، فرضت إدارة الرقابة على الأصول الأجنبية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على (علي عبدالوهاب محمد الوزير) وشركاته العاملة في الصين لدورهم في "تأمين المواد التي تمكّن قوات الحوثيين من تصنيع أسلحة تقليدية متقدمة داخل اليمن." و جاءت هذه العقوبات بعد ضبط أجزاء من طائرات مُسيّرة في ميناء عدن عام 2023، وفقًا لتصريحات رجال أعمال يمنيين ومسؤولين حكوميين. و بحسب رجال الأعمال الذين صودرت بضائعهم ضمن تلك الحملة، قامت إحدى الشركات الوهمية بطلب الأجزاء من عدة شركات صينية، وتم إخفاؤها على أنها أجهزة إلكترونية تجارية وشحنها في حاويات مع بضائع مشروعة، وسُجّل في بوليصة شحن الحاوية وصف البضائع على أنها "معدات صناعية."

في الآونة الأخيرة، تمكنت حركة الحاويات الدولية أيضًا من الوصول إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ففي 2023، وكجزء من جهود أوسع للتفاوض على خروج السعودية من الحرب، أوقفت الرياض حظر دخول سفن الحاويات إلى موانئ البحر الأحمر. ومنذ ذلك الحين، تم تفريغ عدد متزايد من سفن الحاويات في موانئ البحر الأحمر الخاضعة للحوثيين في الحديدة والصليف بعد تفتيشها من قبل الأمم المتحدة في جيبوتي. وأكد رجال أعمال يمنيون ومصادر استخباراتية أن هذه الشحنات تشمل كاميرات وأنظمة توجيه لأنظمة أسلحة الحوثيين، مخفية ضمن شحنات مشروعة أو موسومة على أنها "معدات صناعية عامة".

ومع ذلك، أدى الجمع بين تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة (FTO) والهجمات الأمريكية والإسرائيلية على بنية الموانئ في البحر الأحمر إلى دفع العديد من شركات الشحن الدولية لإعادة توجيه حاوياتهم إلى عدن الخاضعة لسيطرة الحكومة، ما أدى إلى سلسلة من عمليات المصادرة المشابهة لما ذُكر أعلاه. وتشير تحليلات حركة الملاحة البحرية حول اليمن (الموضحة بمزيد من التفصيل أدناه) إلى احتمال قيام نقل الأشخاص والمواد من سفن شحن كبيرة إلى سفن أصغر على طول خطوط الملاحة الرئيسية، إلا أنه لا يمكن إثبات ذلك بشكل قاطع.

 

النقل البري عبر المنطقة
 

يتم استيراد جزء كبير من البضائع المهربة للحوثيين أولاً إلى الإمارات وعُمان (من نقاط منشأ متعددة) قبل نقلها بريًا إلى اليمن. و من الصعب تقدير حجم المواد المنقولة عبر هذه القناة بدقة، إذ إن عمليات الاعتراض نادرة، وتقول السلطات اليمنية إن الإمارات وعُمان لا تستجيبان لطلبات التعاون في التحقيقات. و يعتقد عدد من المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين اليمنيين والإقليميين والدوليين أن هذه القناة تُستخدم لنقل عناصر صغيرة مثل أنظمة التوجيه للحوثيين، ومنذ عام 2021 على الأقل، استخدمت أيضًا لنقل مجموعات متخصصة لتعطيل إشارات الطائرات المُسيّرة.

و تظهر بيانات الاعتراض أن القناة تُستخدم أيضًا لنقل مزيج من الأسلحة الخفيفة الصينية والروسية والإيرانية وبعض مكونات الصواريخ والطائرات المُسيّرة، على الأرجح عبر قوارب صغيرة من إيران إلى عُمان قبل نقلها بريًا إلى اليمن. ويزعم مسؤولون يمنيون أن أجزاء الصواريخ تُنقل أيضًا عبر هذه القناة، وهو ادعاء توجد له بعض الأدلة. ففي عام 2018، ذكرت تقارير إعلامية محلية أن سفينة حاويات ترفع العلم الإيراني كانت تُستخدم لشحن أجزاء صواريخ باليستية إلى عُمان لنقلها إلى اليمن. وقد خضعت السفينة ومالكها والشركة الأم لاحقًا لعقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية بسبب "نقل شحنات تابعة لقوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني من إيران، ومقدّر لها في النهاية الوصول إلى اليمن." و تؤكد سجلات الشحن وبيانات نظام التعريف التلقائي (AIS) أن السفينة تنقلت بين الموانئ الإيرانية والعُمانية عدة مرات قبل فرض العقوبات عليها.

 

 

5. الطرق، المجندون، وإدارة سلسلة التوريد

بينما توفر القنوات الأربع الموصوفة أعلاه إطارًا منظمًا لفهم سلسلة توريد الحوثيين، إلا أنها لا يجب أن تُغفل عن التعقيد والمرونة الكامنين في هذه الشبكة. و كل قناة تضم عدة طرق برية وبحرية، وتعتمد على وسائل نقل متنوعة، وتشمل مئات المشاركين—بعضهم متواطئ عن علم، والبعض الآخر متعاونون دون وعي كامل. و مجموعة صغيرة من عناصر الحوثيين وقوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني تنسق كامل هذه العملية. و تبحث هذه الفقرة بالتفصيل في هذه الطرق المادية، والشبكات البشرية، والهياكل الإدارية، لتكشف كيف تعمل القنوات التي تبدو منفصلة كأجزاء من نظام متكامل ومرن.

 

الطرق البحرية

يشمل المكون البحري لسلسلة توريد الحوثيين شبكة معقدة من الطرق والسفن التي تربط الموردين العالميين بالموانئ ونقاط الإنزال غير الرسمية على طول الساحل اليمني الممتد نحو 1,200 ميل. و تنقل سفن الشحن العابرة للمحيطات المواد من مصادر بعيدة مثل الصين وإيران، بينما تقوم المراكب الشراعية بنقل البضائع عبر البحر الأحمر وخليج عدن، وتنقل القوارب الصغيرة والزوارق الشراعية الأخرى البضائع من السفن الأخرى إلى شواطئ اليمن ضعيفة الحراسة.

و أكثر مظاهر التهريب وضوحًا على الطرق البحرية هو النقل من سفينة إلى أخرى انطلاقًا من إيران. وتشكل هذه العمليات غالبية عمليات الاعتراض البحري التي سجلتها القوات الدولية والإقليمية واليمنية منذ عام 2015. و الوجهة الظاهرة للعديد من هذه الشحنات هي المهرة، وهي أقل المحافظات اليمنية كثافة سكانية على الحدود الشرقية. و من هناك، تُنقل البضائع بريًا إلى مناطق سيطرة الحوثيين. ومع ذلك، كما ذُكر أعلاه، فإن عددًا متزايدًا من هذه الشحنات يتجه مباشرة إلى الساحل اليمني الخاضع للحوثيين على البحر الأحمر.

و النقل من سفينة إلى أخرى من إيران ليس المصدر الوحيد للبضائع المهربة—وربما ليس الأكثر انتشارًا. و تُظهر التحليلات الخاصة بهذا التقرير أن عددًا كبيرًا من سفن الشحن المتوسطة وحتى الحاويات، بعضها يزيد طوله عن 200 متر، يشارك في عمليات النقل من سفينة إلى أخرى في المياه اليمنية أو بالقرب منها. 

كما تؤكد مقابلات مع مسؤولين أمنيين وعسكريين يمنيين ومراقبين محليين آخرين، بالإضافة إلى مراجعة بيانات الاعتراضات البرية التي جُمعت لهذا التقرير، أن هذه المناطق تُستخدم للتهريب من الأسلحة وغيرها من البضائع. وتجرى أيضًا عمليات نقل محتملة من سفينة إلى أخرى في المياه الدولية جنوب وغرب اليمن. كما تنقل المراكب الشراعية والبضائع مباشرة من الهند والإمارات وعمان وقرن أفريقيا إلى الموانئ اليمنية الرئيسية، حيث يتم نقلها إلى قوارب صيد وزوارق صغيرة أثناء الرسو. ومع ذلك، فإن الكثير من هذا النشاط غير قانوني لكنه لا يرتبط بتهريب أسلحة الحوثيين. على سبيل المثال، خلال عملية البحث لهذا المشروع، قضى الباحثون وقتًا كبيرًا في تحليل النقل من سفينة إلى أخرى قبالة ساحل المهرة شرق اليمن قبل أن يستنتجوا أنه مرتبط بعملية تهريب وقود يديرها رجل أعمال مقيم في عدن الخاضعة للحكومة.

 

الشحن التجاري

يتم تهريب البضائع أيضًا إلى الحوثيين ضمن حاويات شحن عبر ميناء عدن، ومنذ السماح بعودة حركة الحاويات إلى مناطق الحوثيين عام 2023، عبر الموانئ الخاضعة للحوثيين على البحر الأحمر. يُعدّ ملف الوزير (الموضّح أعلاه) جزءًا من هذا النمط الأوسع. فقد تم اعتراض ما لا يقل عن أربعين شحنة حاويات تحتوي على أنظمة طائرات مُسيّرة صغيرة، ومعدات اتصالات، ومكوّنات متعلقة بالأسلحة، ومواد أولية في ميناء عدن على مدى فترة النزاع، إضافةً إلى معدات تصنيع لصالح المجمع الصناعي العسكري المتنامي للحوثيين. و غالبية هذه الحاويات كانت مصدرها الصين وجيبوتي والهند.

كما يتم إنزال البضائع المهربة القادمة من منطقة القرن الإفريقي في موانئ شبه رسمية بجنوب اليمن، أو في المياه المحيطة بالموانئ الرئيسية. وعندما لا يكون الساحل الحوثي على البحر الأحمر تحت مراقبة نشطة من قوى خارجية، تُنقل الأسلحة والمواد مباشرة إلى موانئ الحوثيين عبر سفن شحن ودمّاي وزوارق صغيرة. و كما ذُكر أعلاه، بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ومايو/ آيار 2024، سافرت خمس سفن شحن كبيرة على الأقل مباشرة بين إيران وموانئ الحوثيين على البحر الأحمر في الحديدة وصليف، متجاوزة عمليات التحقق التابعة للأمم المتحدة والحكومة اليمنية والسعودية. و يعتقد المسؤولون الغربيون أن هذه الشحنات نقلت كميات كبيرة من الأسلحة إلى الحوثيين، وربما شملت صواريخ مضادة للسفن.

وخلال الفترة نفسها، بدأت عدد كبير من المراكب الشراعية وسفن الشحن بالرسو قرب ميناء صيد صغير شمال ميناء صليف الخاضع للحوثيين. ويزعم المسؤولون العسكريون والاستخباراتيون اليمنيون أن هذه السفن الصغيرة كانت تنقل أسلحة من إيران ومن منطقة القرن الإفريقي. ومرة أخرى، لم تخضع هذه السفن لإجراءات التخليص أو التسجيل لدى مسؤولي الموانئ.

 

الطرق البرية

تربط طرق التهريب البرية بين سواحل اليمن وحدوده البرية ومناطق سيطرة الحوثيين. و يمكن تقسيم هذه الطرق إلى نظامين رئيسيين: أحدهما في شرق البلاد والآخر في الغرب.

النظام الشرقي: يربط نقاط الدخول البرية والبحرية في محافظات المهرة وحضرموت وشبوة بالطرق المؤدية إلى مناطق سيطرة الحوثيين في محافظات البيضاء، مأرب، والجوف في الوسط والشمال. وينقسم الطريق الشرقي إلى:

- طريق صحراوي يعبر شمال المهرة وحضرموت والجوف.

- طريق ساحلي يتحرك غربًا على طول سواحل المحافظات الثلاث قبل التوجه شمالًا، سواء في حضرموت أو شبوة.

النظام الغربي: يربط ميناء عدن ومواقع التهريب الساحلية في محافظتي لحج وتعز بمناطق سيطرة الحوثيين في تعز ولحج والمحافظة المجاورة الضالع (جميع هذه المحافظات متنازع عليها ومقسمة بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة). وينقسم هذا الطريق أيضًا إلى:

مسار مباشر بين عدن وذمار الخاضعة للحوثيين.

وسلسلة من الطرق الفرعية التي تربط ساحل لحج وتعز بالشمال الخاضع للحوثيين في محافظة تعز.

و تواجه المركبات على كلا الطريقين العديد من نقاط التفتيش والمواقع الأمنية. وغالبًا ما تكون الرقابة المحلية في المناطق الحكومية ضعيفة، ويقبل الجنود في نقاط التفتيش—العديد منهم لم يتقاضوا رواتبهم منذ أشهر—الرشاوى بشكل متزايد. وتُستخدم نقاط الأمن والجمارك في مناطق الحوثيين، بحسب التقارير، كمراكز لتجميع الشحنات الداخلة من الشمال الغربي، مختلطة مع بضائع مشروعة.

و في أماكن أخرى، يُزعم أن منطقة المزيونة الحرة في غرب سلطنة عمان تعمل كبوابة لإدخال إمدادات الحوثيين إلى اليمن من الخليج. وتقول مصادر أمنية يمنية متعددة إن البضائع المتجهة للحوثيين تُنقل إلى مستودعات في المزيونة قبل إخفائها داخل حاويات وشحنات أخرى من البضائع المشروعة ونقلها عبر الطريق البري الشرقي. وقد أفاد عدد من سائقي الشاحنات الذين أُلقي القبض عليهم عند الحدود العمانية اليمنية أثناء نقلهم أسلحة ومكونات وبضائع غير مشروعة، بما في ذلك أجهزة التشويش على الطائرات المُسيّرة، بأنهم استلموا هذه البضائع في المزيونة.

و يستخدم مهربو البضائع البرية مجموعة متنوعة من المركبات والتقنيات لنقل البضائع غير المشروعة عبر اليمن. غالبًا ما تُخلط الأسلحة والمواد الأخرى مع بضائع الشاحنات مثل الخضروات والأسماك والقات، إلى جانب الإلكترونيات والآلات داخل الحاويات الشحنية. و في بعض الحالات، تُخبأ المواد عالية القيمة داخل الآلات والمولدات وغيرها من البضائع الثقيلة. ويستخدم المهربون المتخصصون مركبات أصغر مثل الشاحنات الصغيرة (بيك أب)، القادرة على السير على الطرق السريعة والطرق المعبدة وغير المعبدة في الصحراء، لنقل المواد عالية القيمة. 

 

الشبكات والإدارة
وراء هذه الطرق البرية والبحرية للتهريب توجد شبكات بشرية معقدة. حيث يقوم الحوثيون بشكل متزايد بالاستعانة بمصادر خارجية لتأمين المواد الحرجة، وكذلك للتعامل الفعلي مع البضائع، من خلال مجموعة واسعة من المقاولين الفرعيين الذين تختلف دوافعهم للمشاركة في التهريب بشكلٍ كبير. و خارج اليمن، يتم الاستعانة بمقاولين لتأمين بعض المواد وتنظيم لوجستياتها، من رجال أعمال إيرانيين ويمنيين ومن دول إقليمية أخرى، مقرهم في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأوروبا وأماكن أخرى. على سبيل المثال، تُشترى أجزاء ومكونات الطائرات المُسيّرة من قبل رجال أعمال يمنيين مقيمين في الصين، ويتم نقلها إلى اليمن عبر شركات لوجستية يمانية تديرها من الصين. و يُزعم أن هذه الشركات اللوجستية تخلط وتخفي المواد الحساسة بين الواردات المشروعة داخل الحاويات المرسلة إلى اليمن. كما يُزعم أن شركات تديرها إيران واليمن في جيبوتي وعُمان والإمارات تلعب دور “الواجهة”: إذ تستورد البضائع إلى عُمان من إيران والصين ودول أخرى عبر شركات تبدو شرعية، ثم تشحن هذه البضائع — بما في ذلك مكونات الطائرات والصواريخ — بريًا إلى اليمن مقابل رسوم ثابتة.

ويعتمد المكون البحري لسلسلة إمداد الحوثيين على شبكات متداخلة من المشغلين: بحارة باكستانيون وإيرانيون جندهم رجال أعمال مرتبطون بالحرس الثوري الإيراني للعمل على السفن الشراعية من الموانئ الإيرانية؛ مهربون صوماليون وجيبوتيون يسهلون إعادة شحن البضائع عبر مياه القرن الإفريقي؛ صيادون يمنيون يبحرون في المياه الساحلية من إيران لإكمال عمليات التسليم النهائية؛ بحارة يمنيون ولدوا في اليمن وتدربوا في إيران لقيادة السفن المتخصصة؛ وشركات شحن مقرها جيبوتي والإمارات وعُمان وإيران توفر غطاء تجاري للبضائع الحساسة.

وتعمل مجموعة مماثلة ومتنوعة من الشبكات المحلية على طرق النقل البرية. و بعضهم مهربون محترفون، بينما الآخرون مشاركون عن غير قصد أو بغضّ النظر عن طبيعة النشاط. على سبيل المثال، البضائع التي تصل إلى سواحل المهرة وحضرموت وشبوة تُنقل عمومًا إلى الداخل بواسطة مهربين محترفين إلى مستودعات يديرها وسطاء مرتبطون بالحوثيين في نقاط جغرافية وسياسية حاسمة. تنتقل البضائع بين شبكات ثقة مترابطة اجتماعيًا أثناء عبورها اليمن. أما العناصر التي يمكن إخفاؤها بسهولة بين البضائع الأخرى، فيتم غالبًا نقلها بواسطة شركات شحن قائمة أو تجار أفراد، الذين يطلبون مستندات تثبت أن البضائع “مشروعة” دون أن يقوموا بتفتيش أو استقصاء مصدر المواد التي ينقلونها.

و تنوع الفاعلين والمسارات في طرق النقل البرية يخلق تكرارًا مضمنًا في الشبكة، يُدعَّم بشكل متزايد من خلال اختراق الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. و من خلال العمل مع شركائهم المحليين، أنشأ الحوثيون بنية تحتية لوجستية وقانونية خاصة بهم في المناطق الحكومية، مستغلين بشكل منهجي الثغرات في السلطات المحلية لدعم عمليات التهريب. و يزاول شركاء الحوثيين بشكل متزايد إدارة المستودعات في الموانئ الرئيسية والمواقع التي تتقاطع فيها مناطق تهريب متعددة.

و في هذه المستودعات، يتم فرز الشحنات حسب نوع المادة وتحضيرها للنقل إلى مناطق الحوثيين عبر شاحنات تجارية ومهربين محترفين. كما يشرف الحوثيون على شبكة من “فرق الإنقاذ”، حيث تعمل الجماعات المتحالفة معهم بالتنسيق مع قبائل ذات علاقات قوية، تحتاج إليها القوات الأمنية المحلية في قضايا أخرى، مثل مكافحة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. غالبًا ما تتمكن هذه الجماعات من التفاوض على إطلاق سراح المهربين وشحناتهم.

و يشارك المحامون المحليون بشكل متزايد ضمن ما يُعرف بفرق الإنقاذ، وقد رفعوا دعاوى ضد الحكومة اليمنية لإجبار سلطات الجمارك في عدن على الإفراج عن الحاويات المصادرة التي تحتوي على مواد أولية لصواريخ وأجزاء طائرات مُسيّرة.

كما قال ضابط عسكري يمني كبير مقيم في مديرية الأبر بحضرموت في أغسطس 2024:

"كلما صادفنا شحنة، نتلقى الكثير من المكالمات والضغوط من بعض الأشخاص المؤثرين. و غالبًا ما يكون هؤلاء قادة قبائل أو أفراد نسقنا معهم في مواجهة القاعدة والحوثيين، لذلك هم ثمينون جدًا بالنسبة لنا إلى حد أننا مضطرون للاستماع لهم، و لا نعتقل أحدًا لمعظم الشحنات بسبب شبكة الإنقاذ. يستخدم الحوثيون مهربين متصلين ومندمجين، مختارين من أسر كبيرة، مثل أبناء الشيوخ، ونحن نعيش تحت رحمتهم. نحن لسنا جيشًا كبيرًا—لدينا موارد محدودة وعلينا الحفاظ على علاقات مع القبائل."

 

إدارة سلسلة الإمداد

بينما تُبنى سلسلة الإمداد على شبكات تشغيلية متنوعة، يتم إدارتها عبر نظام هجين يوازن بين السيطرة الاستراتيجية المركزية والتنفيذ اللامركزي. يصف مسؤولون محليون وإقليميون وغربيون مطلعون نظام إدارة سلسلة الإمداد بأنه مُنظَّم حول مجموعة صغيرة من كبار المسؤولين الحوثيين؛ ومجموعة صغيرة مماثلة من عناصر قوات القدس وحزب الله، مقيمين في اليمن وإيران. ففي اليمن، يعمل عناصر قوات القدس وحزب الله عن كثب مع نظرائهم الحوثيين لتخطيط استراتيجيات عسكرية-صناعية محلية وإقليمية ودولية. و تقوم هذه المجموعة بالتنسيق مع وحدة متخصصة من قوات القدس في إيران لتطوير استراتيجية متعددة السنوات تعتمد على ثلاثة أعمدة رئيسية: احتياجات التصنيع والتجميع المحلي، و الشراء والنقل، والتدريب لليمنيين على التهريب والبناء والتجميع واستخدام أنظمة الأسلحة الجديدة. ثم ينقل كبار قادة الحوثيين التعليمات إلى المسؤولين الحوثيين الأدنى رتبة، الذين يقومون بتجنيد والإشراف على شبكاتهم الخاصة للشراء والتهريب.

و يقوم هؤلاء المسؤولون الحوثيون الكبار بتفويض شراء المكونات والمشتريات الأخرى لشبكات من رجال الأعمال المحليين والإقليميين والدوليين. ويُدار تجنيد المهربين بواسطة مرؤوسي الحوثيين، الذين يوظفون عادةً بحارة من مجتمعاتهم الساحلية. كما ينسق قادة الحوثيين وعناصر قوات القدس في اليمن وطهران مباشرةً عمليات النقل بين إيران واليمن. ويقوم المشرفون الإيرانيون أيضًا بتفويض التعامل الفعلي مع البضائع لمهربين محليين، غالبًا عبر رجال أعمال محليين.

و تُفيد التقارير أن عددًا من عناصر الحوثيين يديرون الآن سلسلة الإمداد من خارج اليمن بالتنسيق المباشر مع نظرائهم الإيرانيين ومحور المقاومة، لا سيما من العراق وإيران. كما يُزعم أن الحوثيين يعمقون علاقاتهم مع شبكات الأعمال والجريمة المنظمة والجماعات المسلحة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر من خلال تمركز عناصرهم في الصومال وجيبوتي والسودان ودول أخرى.

 

 

6. الروابط المفقودة والأنماط المشبوهة

تصف هذه الدراسة ما يُعرف بـ«المعلوم المعروف» في سلسلة الإمداد الحوثية. لكن لا يزال هناك الكثير مما هو مجهول بشأن كيفية حصول الجماعة على عدد من العناصر الحرجة، مثل مكونات الصواريخ الكبيرة والثقيلة، بما في ذلك محركات الصواريخ. كما يظل مجهولاً عدد كبير من التفاصيل حول الأشخاص الذين تشكل شبكات الحوثيين. ومن المرجح أن الحوثيين يعملون على تطوير طرق إمداد جديدة، لا سيما في البحر الأحمر.

 

مكونات الصواريخ

حتى الآن، تمكنت القوات الدولية والمحلية من اعتراض سبع سفن فقط كانت تنقل مكونات صواريخ باليستية. ومن بين هذه السفن، كانت سفينة واحدة فقط، التي استولت عليها القوات الأمريكية في يناير/ كانون الثاني 2024، تحتوي على محركات صواريخ باليستية سائلة. و لم يتم اعتراض أي محركات لصواريخ صلبة طويلة المدى، والتي يستخدمها الحوثيون أيضًا بأعداد كبيرة، على الرغم من حجمها ووزنها الكبير، والتحديات التقنية المتعلقة بصناعتها في اليمن. و يعتقد خبراء الأسلحة، دون أن يمكنهم إثبات ذلك، أن بعض مكونات الصواريخ، بما في ذلك المحركات، تم أو يتم نقلها عبر شحن الحاويات. إذا كان هذا صحيحًا، لكان ميناء عدن هو الأكثر احتمالًا لدخول مكونات الصواريخ قبل عام 2023. فمنذ عام 2023، تعتقد أجهزة الاستخبارات الغربية والإقليمية أن مكونات الصواريخ تم شحنها مباشرة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين بواسطة سفن شحن إيرانية. وقد تكون بعض شحنات مكونات الصواريخ الباليستية قد نُقلت أيضًا عبر قناة الإمداد في الخليج، بعد شحنها تجاريًا إلى عمان ثم نقلها بريًا إلى اليمن، كما ورد أعلاه.

 

شبكات بشرية مرنة

يلعب الأفراد دورًا محوريًا في تطور الحوثيين من التهريب إلى التصنيع. و تشير تقارير الباحثين الإقليميين ومصادر الاستخبارات ووسائل الإعلام باستمرار إلى وجود مستشارين من قوة القدس وحزب الله ومحور المقاومة الآخرين في اليمن، بينما يسافر الفنيون الحوثيون بانتظام للتدريب في العراق وإيران ولبنان وسوريا (قبل سقوط نظام بشار الأسد). و في إحدى الحالات التي وثقها المؤلفون عام 2023، تلقى نحو 30 إلى 40 عنصرًا حوثيًا تدريبًا متخصصًا على الطائرات المُسيّرة والصواريخ في سوريا، بينما خضع أكثر من 70 فنيًا حوثيًا لتدريب مشابه في جلسة واحدة بالعراق في العام التالي.

و تختلف التقديرات بشأن حجم التواجد الاستشاري الإيراني ومحور المقاومة داخل اليمن، حيث يدعي القادة السياسيون اليمنيون أن أكثر من 1500 مستشار عسكري أجنبي يعملون جنبًا إلى جنب مع الحوثيين، بينما يقدر مسؤولون عسكريون وغربيون أن العدد أقل بكثير، وقد أشار أحد كبار القادة العسكريين الأمريكيين السابقين إلى أنه «عشرات فقط».
 

و بصرف النظر عن الأعداد، تعني هذه العلاقات المباشرة أنه حتى عند تدمير مواقع التصنيع الحوثية أو مقتل الفنيين بغارات جوية، فإن الجماعة تتمتع بإمكانية الوصول إلى معرفة تمكنها من إعادة بناء قدراتها الصناعية بسرعة. كما يعني ذلك أن تعطيل برنامج الأسلحة الحوثي لا يقتصر على وقف التهريب من إيران، بل يتطلب أيضًا فهم كيفية تنقل عناصر الحوثيين وقوة القدس ومحور المقاومة داخل وخارج اليمن. ومنذ بداية الحرب الأهلية اليمنية، لم يتم القبض على أي مسؤول حوثي أو إيراني أو لبناني أثناء دخوله أو خروجه من اليمن.

ويرى المراقبون الغربيون واليمنيون والإقليميون أن هذا يشير إلى أن الحوثيين وحلفاءهم يستخدمون نظام مرور لم يُكشف بعد، أو على الأقل كان مستخدمًا بين 2015 و2022، ومن المحتمل أن يشمل الشحن التجاري.

و توفر تحليلات الحركة، المستندة إلى بيانات هواتف محمولة مجهولة الهوية لتعقب أنماط النشاط البشري، دعمًا جزئيًا لهذه الادعاءات. فقد سافرت عدد من الأجهزة المحمولة العراقية والإيرانية—و أصحابها—إلى اليمن خلال الاثني عشر شهرًا التي سبقت فبراير 2025. على سبيل المثال، في يناير/ كانون الثاني 2025، تم نقل جهاز محمول من حوض بحري في بندر عباس، إيران، إلى سفينة شحن صغيرة، وتم تتبع تحركاتها باستخدام نظام التعريف الآلي للسفينة (AIS). و انتقلت السفينة والجهاز على طول الساحل العماني قبل دخول المياه الصومالية، حيث تم إيقاف الجهاز ونظام التعريف الخاص بالسفينة، ثم ظهر الجهاز لاحقًا في صنعاء قبل أن يظهر على سفينة قبالة ساحل المخا بعد شهر.

و في مثال آخر، سافر جهاز محمول من بندر عباس إلى جيبوتي، وغادر السفينة قبل تفتيش الأمم المتحدة في الميناء، ثم عاد لإكمال الرحلة إلى اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين.

كما يعتقد المسؤولون اليمنيون أن العديد من الأجانب دخلوا اليمن بعد هدنة 2022 وقبل توقف الرحلات الجوية إلى مطار صنعاء الدولي بسبب الغارات الإسرائيلية في مايو/ آيار 2025. ومع قدرة الحوثيين على طباعة جوازات سفرهم الخاصة، سمح إعادة فتح المطار في تلك الفترة لليمنيين والأجانب بالدخول والخروج من مناطق الحوثيين بحرية أكبر. ومع إغلاق المطار حاليًا، يُرجح أن الحوثيين وحزب الله وإيران يعتمدون الآن على الشحن التجاري للتنقل داخل وخارج البلاد.
 

 

• شبكة خطوط الشحن التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية

قد توفر أنماط نشاط السفن المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في البحر الأحمر دلائل على كيفية دخول الأشخاص وبعض مكونات الأسلحة إلى اليمن في الماضي. بين عامي 2018 و2023، حافظت سفينتان تشغلهما الحرس الثوري، هما سافيز ولاحقًا بهشاد، على مواقع ثابتة في البحر الأحمر غرب الممرات البحرية الرئيسية وميناء الحديدة. وتعتقد أجهزة استخبارات إقليمية وغربية أن هاتين السفينتين كانتا تعملان كسفن تجسس تعمل كمنصات قيادة وسيطرة لشبكة بحرية متقدمة، وساعدت لاحقًا الحوثيين في استهداف السفن في البحر الأحمر.

و بين 2018 و2023، كانت عدد من السفن التجارية، معظمها ترفع العلم الإيراني، ترسو بانتظام قرب هاتين السفينتين التجسسيّتين. من بين هذه السفن، كانت إحدى عشرة سفينة من الأكثر نشاطًا في المياه المحيطة بالسفينتين مسجلة سابقًا ضمن شركة خطوط الشحن التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية (IRISL)، وهي شركة إيرانية فرضت عليها الدول الغربية عقوبات متكررة بسبب أنشطة مرتبطة ببرنامج إيران للأسلحة. واتسمت حركة هذه السفن بنمط ثابت: المغادرة من إيران، و التوقف قرب بهشاد أو سافيز، و المرور عبر قناة السويس إلى اللاذقية في سوريا، ثم الاستمرار إلى الموانئ الأوروبية (أساسًا فالنسيا وأنتويرب)، قبل العودة عبر نفس الطريق. وأفادت تقارير إعلامية بريطانية في مارس/ آذار 2024، استنادًا إلى معلومات استخباراتية إسرائيلية، أن بعض هذه السفن كانت تنقل أسلحة موجهة إلى حزب الله.

و تُظهر صور الأقمار الصناعية عدة حالات لسفينة أرتين ترسو بالقرب من سافيز أو بهشاد مع سفينة أصغر بجانبها. وفي حالات أخرى، شوهدت سفن شحن أكبر يصل طول بعضها إلى 224 مترًا، مع إيقاف نظام التعريف الآلي لها، في نفس المنطقة في الوقت ذاته. ويعتقد مسؤولون يمنيون وإقليميون أن هذه السفن الكبيرة ربما رست في منطقة احتجاز التحالف البحري، وهي منطقة انتظار للسفن للحصول على تصريح سعودي لدخول اليمن، قبل أن تخفف الرياض القيود على حركة السفن في 2022–2023. وعلى الرغم من عدم إمكانية إثبات ذلك بشكل قاطع، يعتقد نفس المسؤولين أن السفن المرتبطة بـ IRISL كانت تنقل البضائع والمعدات إلى السفن الصغيرة والتجارية لنقلها إلى اليمن وربما إلى مواقع أخرى في البحر الأحمر.

ويظهر الرصد المستمر لشبكة IRISL وأنماط النشاط في البحر الأحمر كيف تتكيف الشبكات المرتبطة بالحرس الثوري مع الضغوط الخارجية، ويوضح حجم التحدي في تتبعها وتعطيلها. ففي يناير/ كانون الثاني 2024، ومع زيادة الوجود البحري الغربي في البحر الأحمر ردًا على هجمات الحوثيين، تعرضت سفينة بهشاد لتعطيل نتيجة هجوم إلكتروني يُزعم أنه أمريكي. وردًا على ذلك، غيرت شبكة IRISL موقع ترسوها من البحر الأحمر إلى المياه الشمالية للصومال، مع الحفاظ على نفس أنماط الحركة العامة. لكن في منتصف 2024، توقفت فجأة السفن المرتبطة بـ IRISL عن مساراتها في البحر الأحمر والمتوسط. وبحلول 2025، تحولت الشبكة إلى مسار جديد بين إيران وشرق آسيا، خصوصًا الصين. وفي تلك الفترة، بدأت مجموعة جديدة من السفن تعمل في البحر الأحمر، تقوم برحلات منتظمة إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وترسو قبالة سواحل اليمن والسعودية. وقد حاكت حركة إحدى السفن في الشبكة الجديدة عن كثب تقارير الاستخبارات الإقليمية بشأن تنقل عناصر الحرس الثوري ومحور المقاومة بين الصومال واليمن والسودان.

 

• آفاق جديدة: قناة في البحر الأحمر؟

استغلّت إيران والحوثيون حالة الفوضى الناجمة عن الصراع في السودان لتوسيع شبكات الإمداد الخاصة بهما إلى البحر الأحمر. و تشير العديد من التقارير إلى وجود روابط طويلة الأمد بين الحوثيين وشبكات التهريب في السودان وإريتريا، لكن حتى وقت قريب كانت هذه الروابط تقتصر أساسًا على تهريب الأسلحة الصغيرة، والمهاجرين الأفارقة الباحثين عن العبور عبر اليمن إلى دول الخليج المجاورة، والمواد المخدرة غير القانونية.

إلا أن مسؤولين يمنيين وإقليميين يؤكدون أن مكونات أسلحة متقدمة وغيرها من المعدات تُنقل الآن جويًا إلى إريتريا والسودان قبل تهريبها إلى اليمن. و لدى الحرس الثوري الإيراني حضور محدود لكنه مستمر في ميناء بورتسودان، وتتم بشكل منتظم شحنات الأسلحة الإيرانية إلى المنطقة دعماً للقوات المسلحة السودانية. وتشير أدلة متزايدة، بما في ذلك بيانات حركة التنقل وتتبع نظام التعريف الآلي للسفن (AIS)، إلى أن الحوثيين وعناصر الحرس الثوري وميليشيات حزب الله يستخدمون ميناء بورتسودان كمركز نقل، مع التنقل من وإلى اليمن عبر بورتسودان ومدينة سواكن السودانية القريبة باستخدام قوارب صغيرة وسفن تجارية.
 

وعلى الرغم من عدم وجود دليل قاطع على هذه المزاعم، فإن إنشاء ممر يربط السودان وإريتريا واليمن سيكون ممكنًا لوجستيًا وأكثر صعوبة في التعطيل مقارنة بالقنوات الأخرى لسلسلة الإمداد، التي تمر جميعها حاليًا عبر مناطق يسيطر عليها خصوم الحوثيين.

 

7. نمط من الفشل في مكافحة التهريب

لقد فشلت الجهود المحلية والإقليمية والدولية في تعطيل سلسلة الإمداد الحوثية بشكل مستمر. فعلى الرغم من سلسلة من المبادرات الدولية—بما في ذلك الغارات الجوية، واعتراض السفن البحرية، وفرض العقوبات، وأنظمة المراقبة، والرقابة على الحدود، والضربات العسكرية المباشرة—استمرت عمليات نقل الأسلحة بوتيرة عالية. و تظهر المقابلات، وبيانات الاعتراض، وتحليل البيانات المستشعرة عن بُعد التي جُمعت لإعداد هذا التقرير أن نقل الأسلحة إلى الحوثيين ظل عند مستويات تاريخية مرتفعة بعد أن بدأوا في استهداف السفن في البحر الأحمر عام 2023.

و ينبع سبب هذه الإخفاقات من مشاكل التنسيق، وتضارب الأولويات، ونقص الموارد على مستويات متعددة: بين القوات البحرية الدولية، والدول الإقليمية، والسلطات اليمنية، وبين الفصائل المتنافسة داخل الحكومة اليمنية، وبين القوى الغربية التي تتباين أولوياتها الاستراتيجية. ومع مرور الوقت، أدت هذه الهشاشة البنيوية إلى خلق بيئة أكثر تساهلاً للتهريب—وهي نقطة ضعف يستغلها الآن كل من إيران والحوثيون.

 

السلطات المجزأة

 تتوزع أنشطة مكافحة التهريب في اليمن والمنطقة الأوسع بين سلطات متعددة لا تنسق دائماً بشكل وثيق مع بعضها البعض. على سبيل المثال، يقوم خفر السواحل اليمني، والتحالف بقيادة السعودية، والقوات البحرية المشتركة بقيادة الولايات المتحدة بدوريات في مياه مختلفة مع محدودية التنسيق المباشر بينها. وعلى الأرض، يسعى حراس الحدود اليمنيون، وسلطات الجمارك، والخدمات العسكرية والأمنية إلى منع التهريب البري عبر المناطق الخاضعة للحكومة—لكن غالبًا دون تنسيق جهودهم.

حتى قبل هجمات الحوثيين على الشحن التجاري، كان البحر الأحمر شديد التسلح عسكريًا. ففي عام 2002، أنشأت الولايات المتحدة القوات البحرية المشتركة، وهي اليوم تحالف يضم 47 دولة لمكافحة الإرهاب، ولاحقًا لمواجهة القرصنة. وتوسع الوجود البحري الدولي بشكل كبير خلال ارتفاع نشاط القرصنة الصومالية في 2008 في مياه القرن الأفريقي، مع نشر الناتو والاتحاد الأوروبي سفن حربية في المنطقة. اليوم، تستضيف جيبوتي وحدها قواعد للولايات المتحدة وفرنسا والصين واليابان وإيطاليا. وتسيطر السعودية على مساحات كبيرة من ساحل البحر الأحمر، بينما سعت إيران وروسيا والإمارات جميعها إلى إقامة مواقع دائمة في مياهه.

و في عام 2022، شكّلت الولايات المتحدة قوة مهام متعددة الجنسيات جديدة، قوة المهام المشتركة 153، مع تركيز محدد على تهريب الأسلحة إلى الحوثيين. ورغم هذا التركيز الكثيف للقوة البحرية—الأكثر كثافة خارج بحر الصين الجنوبي—تستمر تدفقات الأسلحة والعتاد إلى الحوثيين بوتيرة عالية.

و قد أدت حملة الحوثيين في البحر الأحمر إلى زيادة التعبئة العسكرية في المنطقة. ففي أواخر عام 2023، نظمت الولايات المتحدة قوة مهام بحرية متعددة الجنسيات بمشاركة سفن من عشر دول لحماية السفن التجارية المبحرة عبر البحر الأحمر. ثم، في يناير/ كانون الثاني 2024، بدأت القوات الأمريكية والبريطانية شن غارات جوية على مواقع إطلاق الحوثيين العسكرية، بهدف معلن هو ردع حملتهم في البحر الأحمر. تبعتها الاتحاد الأوروبي في فبراير/ شباط 2024 بإطلاق مهمة أمنية بحرية خاصة به، نشرت خلالها سفنًا لحماية الممرات البحرية.

و على الرغم من هذه الجهود المشتركة، التي شملت في النهاية سفن حربية من أكثر من خمسة عشر دولة تقوم بدوريات في البحر الأحمر، واصل الحوثيون حملتهم طوال عام 2024. وقد تمكنوا من ذلك، جزئيًا على الأقل، لأن كل قوة بحرية أو تحالف ركز على الإجراءات الدفاعية أو الضربات الاستباقية على مواقع إطلاق الحوثيين. ورغم الانتشار الكبير للقوات البحرية في البحر الأحمر، قال عدد من المسؤولين العسكريين الأوروبيين والأمريكيين إن ولاياتهم لم تشمل مكافحة التهريب، مما أثر بدوره على نوع المعلومات التي تتبادلها الأطراف المعنية.

و يتسبب تضارب أولويات وأجندات السعودية والإمارات في إضعاف الجهود الرامية لمنع نقل الأسلحة والعتاد إلى الحوثيين. فقد دعمت كلا الدولتين بقوة المبادرات الاعتراضية في السنوات الأولى من الحرب، لكنها حولت تركيزها لاحقًا. بعد انسحاب معظم قواتها في 2019، حافظت الإمارات على تنفيذ انتقائي يركز على حماية مصالحها الاستراتيجية بدل مكافحة التهريب الشاملة. أما السعودية، فقد خففت القيود على الموانئ والحدود الخاضعة للحوثيين ضمن جهودها للانفكاك من الصراع اليمني، بدءًا من 2022.
 

قبل ذلك، اتهم المسؤولون اليمنيون الإمارات بدعم استيلاء المجلس الانتقالي الجنوبي على المحافظات الجنوبية في 2019، مما زاد من ضعف سلطة الحكومة اليمنية بالفعل. ومع نقص التنسيق الدولي، أدى كل هذا إلى أن القوات الوطنية للمقاومة، على سبيل المثال، تنسق رسميًا مع الإمارات وغير رسميًا مع قوات محلية أخرى، وأن أبوظبي تنقل المعلومات والعتاد الذي تجمعه وتستولي عليه هذه القوات إلى نظرائها الأمريكيين—ولكن ليس إلى المسؤولين في الرياض.

و انفجرت الخلافات الداخلية داخل مجلس القيادة الرئاسي (الهيئة التنفيذية التي تقود اليمن منذ أبريل/ نيسان 2022)، وبين الإمارات والسعودية، إلى العلن في ديسمبر/ كانون الأول 2025، عندما استولت القوات الانفصالية الجنوبية الموالية للإمارات على معظم شرق اليمن قبل أن تدفعها الضربات الجوية السعودية ووحدات الجيش الحكومية المدعومة من الرياض إلى التراجع. و كانت هذه التوترات طويلة الأمد، ومنعت مرة أخرى صياغة أجندة منسقة لمكافحة التهريب. و تم تشكيل مجلس القيادة الرئاسي لدمج الفصائل المناهضة للحوثيين تحت قيادة الرئيس الجديد، (رشاد العليمي). لكن المجلس كان أقل من كونه حكومة موحدة، وأكثر تشبه ائتلافًا فضفاضًا من الفاعلين السياسيين والعسكريين الذين تابعوا أجنداتهم الخاصة على الأرض. وكان من المفترض أن يقوم المجلس بدمج القوات المختلفة تحت سلسلة قيادة واحدة عبر اللجنة العسكرية والأمنية المشتركة الجديدة، وتطوير استراتيجية لمكافحة التهريب، إلى جانب مهام حيوية أخرى. لكن المجلس واجه منذ البداية صعوبات ناجمة عن الانقسامات بين أعضائه، والفصائل المستبعدة، والتنافس بين الإمارات والسعودية.

و أولويات غير متطابقة في أبوظبي والرياض أضعفت الإصلاحات العسكرية والأمنية والتنسيق بين القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي منذ تأسيسه. ويزعم مسؤولون حكوميون وعسكريون يمنيون أن الإمارات والسعودية أوقفتا دفع الرواتب للجيش اليمني وبعض الفصائل المسلحة بعد أن توسطت الأمم المتحدة في هدنة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي في 2022، وأن الهدف من هذا التوقف جزئيًا كان ممارسة الضغط على الحكومة للحفاظ على التوقف عن الأعمال العدائية والانخراط في عملية سلام مع الحوثيين. ومع حظر تصدير النفط الذي يفرضه الحوثيون عبر استهدافهم للموانئ الخاضعة للحكومة بصواريخ باليستية، أدى توقف الدفع المزعوم من السعودية والإمارات إلى تأخير رواتب العسكريين والأمنيين لأشهر متتالية. ولا توجد جهة استخباراتية أو تحليلية مشتركة تنسق بين أعضاء مجلس القيادة الرئاسي وقادرة على تحليل بيانات الاعتراض أو البيانات الأخرى المتعلقة بالتهريب.

و قد يتغير هذا الوضع بعد الاشتباكات التي وقعت في ديسمبر/ كانون الأول 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026، إذا ما تولت السعودية السيطرة الكاملة على إدارة القوات المناهضة للحوثيين، وهو ما بدا أنه الحال وقت كتابة هذا التقرير.
 

دراسة حالة: العبر تحت المجهر

تجسد مديرية العبر في شمال غرب محافظة حضرموت التحديات السياسية التي تقوض جهود مراقبة طرق التجارة. تقع المدينة الرئيسة للمديرية، حصن العبر، عند مفترق حيوي حيث تتقاطع الطرق القادمة من عمان إلى محافظة الجوف مع طرق تمتد شمالًا–جنوبًا من محافظة شبوة إلى الحدود السعودية. و هذا الموقع الاستراتيجي يجعل العبر نقطة اختناق لا يمكن تجنبها للمهربين الذين ينقلون الأسلحة واللوازم من الحدود الشرقية لليمن إلى الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

و توفر التضاريس المحيطة مزايا طبيعية للمهربين. إلى الشرق تقع الأودية التي تؤدي إلى هضبة الجول، وهي غطاء من الحجر الجيري يغطي جزءًا كبيرًا من حضرموت الوسطى. أما إلى الغرب فتمتد سهول الحصى وكثبان الرمال لمحافظتي شبوة ومأرب. و يمكن للسائقين المهرة التحايل بسهولة على نقاط التفتيش عبر القيادة خارج الطرق المعبدة في هذه التضاريس المتنوعة، مما يجعل المراقبة الشاملة—بموارد محدودة—أمرًا شبه مستحيل.

و منذ 2015، قامت قوات المنطقة العسكرية الأولى في العبر، تحت إشراف وزارة الدفاع، بالتنسيق مع المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين المتمركزين في مأرب المجاورة. وحرصًا على تعويض نقص الموارد اللازمة لاعتراض المهربين بشكل مستقل، قامت السلطات في العبر بمراقبة المركبات المشبوهة وتنبيه السلطات في مأرب حول حركة المرور القادمة عبر الطرق الرئيسية ومسارات الصحراء. وردّت مأرب بالمشاركة الاستخباراتية حول المركبات المشبوهة المتجهة نحو العبر. ووفقًا لقادة الأمن والجيش في مأرب، أسفر هذا النظام التعاوني عن عدة عمليات اعتراض كبيرة، شملت شحنات تحتوي على مكونات طائرات مُسيّرة وقطع صواريخ.

و أعاد القادة العسكريون هيكلة المنطقة العسكرية الأولى بين 2020 و2022، ما أدى إلى تدهور كبير في آلية التنسيق الفعّالة هذه. و قام التحالف السعودي والحكومة اليمنية بإعادة ترتيب القيادة العسكرية أساسًا لتخفيف التوترات بين المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، والقوات الحضرمية، والقوات الحكومية المدعومة من السعودية. وأسفر ذلك عن إزالة ضباط شماليين ذوي خبرة ومعرفة محلية عميقة وعلاقات متينة مع نظرائهم في مأرب، واستبدالهم بمسؤولين جنوبيين يفتقرون لهذه الروابط.

و أدت هذه التغييرات في الكوادر إلى قطع شبكات تبادل المعلومات الاستخباراتية التي استغرقت سنوات لبنائها بين العبر ومأرب. في الوقت نفسه، أدى تعليق الرواتب العسكرية—أحيانًا لمدة تصل إلى ستة أشهر—إلى تقويض المعنويات بين القوات المتبقية، مما جعل الجنود أكثر عرضة لعمولات وتهديدات المهربين. وتشير تقارير المسؤولين الأمنيين المحليين إلى أنهم أصبحوا غالبًا تحت ضغط من قادة القبائل عند محاولتهم اعتراض الشحنات، وأصبحوا عاجزين عن مواجهة ما يُعرف بـ"فرق الإنقاذ الحوثية"، التي تم التطرق إليها سابقًا، والتي تتولى التفاوض لإطلاق سراح المهربين الذين تم ضبطهم.

ثم، في ديسمبر/ كانون الأول 2025، تم دفع قوات المنطقة العسكرية الأولى خارج شمال حضرموت من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي المنافس، كما ذُكر أعلاه. وبعد شهر، أُجبرت هذه المجموعة الانفصالية نفسها على الانسحاب بفعل الضربات الجوية السعودية وهجوم شنته فصائل عسكرية حكومية أخرى.

و تظهر انهيارات مماثلة في عدة نقاط حرجة في وسط اليمن، مما خلق بيئة مواتية لسلاسل الإمداد الحوثية للعمل بأدنى مستوى من الاضطراب.

 

جهود دولية مضللة

تعاني الجهود الدولية لمكافحة التهريب أيضًا من قيود أخرى. أولاً، يتركز نطاق هذه الجهود بشكل محدود. فمثلاً، تركز جهود الاعتراض التي تقودها الولايات المتحدة على السفن القادمة من الموانئ الإيرانية، بدلًا من معالجة كامل نطاق أنشطة التهريب داخل اليمن وحوله. و يُعزى هذا التركيز الضيق بدوره إلى محدودية الموارد؛ حيث يفتقر المسؤولون الغربيون إلى الموارد الاستخباراتية ووسائل الرصد والمراقبة (ISR) اللازمة لمتابعة وتعطيل قنوات الإمداد الأخرى. و غالبًا ما يتم توجيه هذه الموارد إلى أولويات سياسية أعلى، مثل تايوان والحرب في أوكرانيا. و بعد أكتوبر/ تشرين الأول 2023، سمحت الحكومة الأمريكية بزيادة التواجد البحري في البحر الأحمر، وإنفاق أكبر على عمليات الرصد والمراقبة، لكنها ركزت جهودها على التخفيف من تهديد الهجمات الحوثية، بدلًا من منع نقل الأسلحة.

و يُبدِي المسؤولون العسكريون الأمريكيون حذرهم من طلبات الحكومة اليمنية للدعم المالي واللوجستي وبناء القدرات لتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية اليمنية. وقال مسؤول عسكري أمريكي في يوليو/ تموز 2024: «لكي ينجح دعم القوات اليمنية، يجب وجود عناصر أمريكية على الأرض، وفي اللحظة التي يصاب فيها أحدهم أو يُجبر على المشاركة في عمل عسكري، ستصبحون جزءًا من الصراع».
 

كما يقلق المسؤولون الأمريكيون من احتمال قيام القوات اليمنية المحلية ببيع الأسلحة الأمريكية للحوثيين أو لمسلحي القاعدة المحليين، كما ورد في حالات سابقة مزعومة. وتتفاقم هذه المخاوف بسبب وسائل إعلام متحالفة مع الإمارات، تزعم أن القوات الحكومية غالبًا ما تتماشى مع القاعدة أو الإخوان المسلمين، إذ ترى أبوظبي أن المجموعتين وجهان لعملة واحدة.

و السياسة الأمريكية، التي غالبًا ما تحدد جدول أعمال الدول الأخرى، أيضًا متقلبة للغاية. فعندما تولت الإدارة الجديدة برئاسة ترامب منصبها في يناير/ كانون الثاني 2025، تبنت في البداية موقفًا أكثر صرامة تجاه الحوثيين، وصنفتهم كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO)، وأطلقت حملة عسكرية مكثفة ضدهم أُطلق عليها عملية رف رايدر. ومع ذلك، وبعد شهرين من النزاع، خلالهما خسرت الولايات المتحدة طائرتي F-18، واستنتج المسؤولون الاستخباراتيون أن الحوثيين تكبدوا أضرارًا محدودة فقط، قام الدبلوماسيون العمانيون بوساطة لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين. لم تُكشف تفاصيل الاتفاق علنًا، لكنه ركز، وفقًا للتقارير، على التزام الحوثيين بعدم مهاجمة السفن التجارية الأمريكية. ومع ذلك، واصل الحوثيون استهداف سفن أخرى زعموا أنها مرتبطة بإسرائيل، حتى إعلان وقف إطلاق النار في غزة أكتوبر/ تشرين الأول 2025. و بعد التهدئة، اعتبرت إدارة ترامب اليمن «مسألة محسومة» ورفضت مناقشة التهديد المستمر من الحوثيين، وفقًا لعدة مسؤولين أمريكيين سابقين، جميعهم كرروا عبارة: «لقد أنجزنا الأمر» عند شرح موقف الإدارة. وصرح مسؤول أمريكي سابق: «حتى يفعل الحوثيون شيئًا فاضحًا لا يمكن للإدارة تجاهله، سيعاملون الحوثيين كأمر غير ذي أهمية لإسرائيل أو السعودية، وليس كمسألة سياسة أمريكية عاجلة».

 

جهود دبلوماسية محدودة وتأثير الأولويات المتضاربة

تتأثر جهود ضبط التهريب أيضًا بالأولويات السياسية المتنافسة. فالتهريب البري من الخليج إلى اليمن قضية شديدة الحساسية على الصعيد السياسي. أفاد دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون واستخباراتيون وأمنيون غربيون بأن شرطة الإمارات ومسؤولي الحدود والاستخبارات فيها يعملون عن كثب مع نظرائهم الغربيين، ويتبادلون المعلومات ويعترضون بانتظام المواد المتجهة من الموانئ الإماراتية إلى اليمن. كما يشير المسؤولون الغربيون إلى أن نظراءهم العمانيين غالبًا ما يتخذون موقفًا دفاعيًا عند مواجهة مزاعم التهريب عبر أراضي سلطنة عمان. ويؤكد المسؤولون الغربيون والإقليميون واليمنيون أنهم يرفعون طلبات كبيرة للسلطات العمانية، تتعلق بمسائل مثل تبادل الأسرى والقنوات الخلفية للتواصل مع الحوثيين وجهات إقليمية أخرى، بما في ذلك إيران. وبسبب أهمية وحساسية هذه المفاوضات، يتردد هؤلاء المسؤولون في الضغط على مسألة التهريب خشية الإضرار بالعلاقات مع سلطنة عمان.

و في أماكن أخرى، يميل المسؤولون الغربيون إلى البحث عن حلول سريعة وبتكلفة منخفضة، تُسند فيها مخاطر أنشطة مكافحة الانتشار إلى هيئات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة. فعلى سبيل المثال، أُنشئت آلية التحقق والتفتيش للأمم المتحدة في اليمن (UNVIM) عام 2016 لتسهيل الملاحة التجارية إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وفي ذلك الوقت، كانت قوات التحالف بقيادة السعودية تمنع السفن التجارية من دخول هذه الموانئ على ساحل البحر الأحمر اليمني، بهدف، حسب قول التحالف، منع نقل الأسلحة إلى الحوثيين. وتشترط آلية UNVIM على السفن التي تزيد حمولتها عن مئة طن والمتجهة إلى الموانئ الخاضعة للحوثيين تقديم طلبات تصاريح وخضوعها للتفتيش في جيبوتي. وبعد موافقة UNVIM على السفينة، يجب أن تحصل على تصاريح دخول من التحالف بقيادة السعودية عبر لجنة العمليات الإنسانية والإخلاء (EHOC) التي تديرها السعودية. كما تراقب الآلية حركة السفن وتتفقد حمولاتها. ويشير المسؤولون الغربيون إلى أن UNVIM صُممت لتسهيل دخول السفن إلى الموانئ، وليس لمنعها بالكامل، لكنها تثبط بعض محاولات التهريب لأن الأمم المتحدة تفحص السفن قبل دخولها اليمن. ويلتزم مدراء السفن بنظام التفتيش في جيبوتي خشية توقفهم بواسطة البحرية السعودية، إلا أن UNVIM لا تمتلك سلطة تنفيذية مستقلة، فهي تكتفي بالإبلاغ عن المخالفات للتحالف والحكومة اليمنية عبر EHOC.

ومع سلطتها المحدودة أصلاً، واجهت UNVIM سلسلة من التحديات الجديدة منذ 2022. ففي ذلك العام، خففت الرياض القيود على السفن المتجهة إلى موانئ البحر الأحمر، وبدأت EHOC بمنح تصاريح لأي سفينة تم فحصها ضمن عملية UNVIM. وفي الوقت نفسه، ألغت الرياض منطقة الاحتجاز التابعة للتحالف، وهي منطقة مخصصة للسفن المنتظرة للحصول على الموافقة لدخول الموانئ الخاضعة للحوثيين شرق إريتريا. ثم، في 2023، سمح التحالف والحكومة اليمنية بدخول سفن الحاويات إلى الموانئ اليمنية على البحر الأحمر لأول مرة منذ 2017، وطلبوا من UNVIM تفتيش نحو 50% من السفن والحاويات.
ومع ذلك، تختار EHOC والحكومة اليمنية السفن المراد تفتيشها دون الإفصاح عن معايير الاختيار، ما يجعل UNVIM غير متأكد من مدى فعالية جهوده في ردع التهريب فعليًا.

و على الرغم من هذه القيود، جادل بعض المسؤولين الغربيين بأن UNVIM يمكن أن يثبط التهريب إلى موانئ الحوثيين إذا تم توسيع صلاحياته، وإدارة نظام تفتيش أكثر صرامة في جيبوتي، وإجراء تحليلات أوسع لحركة السفن قبل وبعد مرورها بالنظام. إلا أن مسؤولي الأمم المتحدة متحفظون تجاه مثل هذه المقترحات، إذ يخشون أن تُنظر إلى UNVIM من قبل الحكومات الغربية على أنها حل شامل لمشكلة التهريب، بينما تظل الآلية تعاني من نقص التمويل والمعدات، وغير قادرة على فرض الالتزام بشكل فعلي.

 

تطور جهود مكافحة التهريب

لقد سهّلت هذه الانقسامات والجهود الموجهة بشكلٍ خاطئ لإيران والحوثيين التكيف مع مبادرات مكافحة التهريب، وتحريك الأسلحة والمواد والأفراد إلى داخل اليمن. فقد تغيرت أنماط التهريب وسلاسل الإمداد بشكل مستمر خلال الحرب الأهلية اليمنية استجابةً لعوامل محلية وإقليمية ودولية. وباستخدام مزيج من المقابلات، وتحليل بيانات الاعتراض، والبيانات المستشعرة عن بعد، بما في ذلك أضواء الليل والصور الفضائية البصرية، طوّر معدّو هذا التقرير طريقة لتعقب هذه الأنماط.

و يقدم تحليل أنماط النشاط في أربعة مواقع رئيسية — إلى جانب أنماط أوسع للأنشطة المشبوهة داخل المياه اليمنية وحولها — صورة مركبة لكيفية تكيف إيران والحوثيين ومقاوليهم مع مرور الوقت مع جهود تعطيل سلاسل التوريد الخاصة بهم. فعندما يُغلق أو يُقيّد أحد المسارات، يزداد النشاط في مسار آخر. وتشمل هذه المواقع الأربعة الرئيسية: ميناء صيد في شمال اليمن، وخليج للمهربين في الجنوب، ومسار تهريب وتجارية غير رسمية يربط مناطق الحوثيين والحكومة، ومستودع في شرق اليمن.

و يظهر هذا التحليل أن تدفق البضائع إلى اليمن ارتفع بعد الهدنة في 2022، وبلغ ذروته في 2023، ومنذ ذلك الحين انخفض تدريجيًا لكنه بقي عند مستويات تاريخية عالية. وبشكلٍ فردي، لا يمكن لهذه البيانات أن تثبت بشكل قاطع زيادة التهريب إلى الحوثيين خلال السنوات الأخيرة، ولكن عند النظر إليها مجتمعة، تمثل دليلاً قوياً على أن النشاط ارتفع أو استمر عند مستويات مرتفعة عبر معظم قنوات التوريد بين أبريل/ نيسان 2022 وبداية 2024.

 

2015–2020: تشديد القيود

في السنوات الأولى للحرب الأهلية اليمنية، فرضت القوات المدعومة من السعودية والإمارات سيطرة كبيرة على الممرات الرئيسية للتهريب، مما خلق قيودًا كبيرة على سلاسل إمداد الحوثيين. استعاد الجيش اليمني السيطرة على الطرق الاستراتيجية في الجوف ومأرب وشبوة، بينما قيد التحالف الذي تقوده السعودية الوصول التجاري إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين بشدة وحافظ على دوريات بحرية مكثفة. كما أدى التقدم المدعوم إماراتيًا على الساحل الغربي للبحر الأحمر وحصار الحديدة في 2017–2018 إلى مزيد من التضييق على خطوط إمداد الحوثيين. خلال هذه الفترة، بلغت عمليات النقل المشتبه بها من سفينة إلى أخرى والاعتراضات ذروتها، ما يشير إلى زيادة نشاط التهريب عبر قنوات بديلة، إلى جانب فعالية مضادة للتهريب محسّنة. ويعتقد مسؤولو الجيش اليمني أن الفترة 2018–2020 مثّلت ذروة جهود السلطات المحلية والإقليمية لكبح تدفق الأسلحة إلى الحوثيين.

 

• 2020–2022: تراجع الإنفاذ

ابتداءً من 2020، بدأ هذا الضغط يخف مع انقسام القوى المناهضة للحوثيين. سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على عدن وموانئها في 2019، بينما بدأت السعودية محادثات عابرة للحدود مع الحوثيين في أوائل 2020. وفي بداية 2020، استولى الحوثيون على أراضٍ في شمال صنعاء والجوف وغرب مأرب، ما أعاد فتح طرق الإمداد البرية. وانخفضت عمليات الاعتراض البري والبحري التي تقوم بها القوات اليمنية في المناطق المتنازع عليها بشكل كبير خلال هذه الفترة بسبب الخلافات الداخلية. وبحلول 2021، كان الحوثيون قد عززوا قبضتهم على المحافظات والممرات الرئيسية للتهريب في وسط وشمال اليمن. ولاحقًا في العام نفسه، انسحبت القوات المحسوبة على الإمارات من مواقعها حول الحديدة وعلى طول ساحل البحر الأحمر. مستفيدين من البيئة السياسية المشتتة، بدأ الحوثيون في إنشاء بنيتهم اللوجستية الخاصة في المناطق الحكومية، مع إقامة مستودعات وفرق “إنقاذ” في مختلف أنحاء البلاد.

 

2022–2024: «اليمن مفتوح»

بعد هدنة 2022 بين السعودية والحوثيين، دخل نشاط سلاسل الإمداد الحوثية مرحلة تصاعدية كبيرة. أدت الهدنة إلى تخفيف القيود على موانئ البحر الأحمر واستئناف الرحلات إلى مطار صنعاء الدولي. تُظهر تحليلات انبعاثات الضوء الليلي في المستودعات ومواقع المرور المعروفة للتهريب ذروة النشاط بين 2022 و2023، ثم استقراره عند مستويات مرتفعة تاريخيًا في شرق اليمن. كما أظهرت المسارات الغربية، بما في ذلك النقل المباشر إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، زيادة كبيرة في النشاط بعد الهدنة. وعلى الرغم من تراجع هذه التحويلات منتصف 2024، فقد عادت لاحقًا إلى مستويات مرتفعة تاريخيًا.

 

2025: تكثيف جهود الاعتراض وقيود كبيرة

في 2025، في ظل الحملات الجوية وتصاعد العقوبات، سعت الأجهزة الأمنية اليمنية لإظهار فعاليتها من خلال تصعيد جهود الاعتراض بشكل كبير. ساعدت تصنيفات الولايات المتحدة للحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) والضربات الإسرائيلية هذه الجهود بشكل غير مباشر، عبر إجبار حركة الحاويات من موانئ الحوثيين على التوجه إلى عدن الخاضعة للحكومة. ومنذ يونيو 2025، صادرت الأجهزة الأمنية في عدن كميات غير مسبوقة من مكونات الطائرات بدون طيار، والمواد ذات الاستخدام المزدوج، ومعدات التصنيع—وهي من أهم عمليات المصادرة في الحرب. ومع ذلك، يعترف المسؤولون اليمنيون بأنهم يواجهون قيودًا بسبب نقص الموارد والقدرات الداخلية. فمثلاً، تواجه السلطات في عدن صعوبة في توثيق وتقييم المواد المصادرة، وغالبًا ما تفتقر إلى الخبرة اللازمة لتمييز المكونات الحيوية عن البضائع التجارية.

و ترك الصراع على السلطة داخل مجلس القيادة الرئاسي وبين السعودية والإمارات في أواخر 2025 وبداية 2026 السؤال مفتوحًا حول القوى التي ستسيطر على الميناء في المستقبل. وعلى نحو أكثر جوهرية، أدى اعتقاد إدارة ترامب بأن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية والضربات الجوية قد «حلّت» مشكلة الحوثيين إلى تراجع المشاركة الأمريكية في اليمن. وبدلًا من الاستثمار في التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية، تفوض السياسة الأمريكية مكافحة التهريب إلى الضربات الجوية والعقوبات—مما يعالج الأعراض دون معالجة العوامل الهيكلية التي تمكّن سلاسل الإمداد.

 

 

8. ماذا يمكن فعله؟

لقد رسم الحوثيون سابقة مقلقة. فبدعم من إيران، أصبحوا يسيطرون بشكل كبير على طرق الشحن العالمية، ولديهم القدرة على إسقاط نفوذهم بعيدًا عن حدود اليمن، ناهيك عن قدرتهم على إلحاق أضرار كبيرة بالمجموعات المنافسة والمدنيين داخل البلاد. وقد أوقفت هدنة غزة حملتهم في البحر الأحمر، إلا أن طموحاتهم الإقليمية وحماستهم الأيديولوجية ستستمر—إلى جانب قدرتهم على استهداف أهداف تقع على بعد آلاف الكيلومترات. وسيكون مجرد مسألة وقت قبل أن يجد الحوثيون ذريعة جديدة لشن هجمات عابرة للحدود. ويُزعم أن البروز العالي للحوثيين جذب اهتمام موسكو، وربما أتاح لهم فرصًا للدخول إلى صفوف الجماعات المسلحة في الصومال وأجزاء أخرى من شرق أفريقيا.

و يكشف الفشل المستمر في تعطيل سلاسل إمداد الحوثيين عن فجوة أساسية بين أدوات مكافحة التهريب التقليدية وأولويات السياسة من جهة، وبين التهديد الشبكي والتكيفي الذي يمثله الحوثيون من جهة أخرى. فالتحول من الأسلحة المهربة إلى سلاسل الإمداد الصناعية، والاندماج المتعمد مع النشاط التجاري المشروع، يجعل من الصعب تقييد الحوثيين. و تركز الأساليب التقليدية على اعتراض شحنات فردية، أو فرض عقوبات على جهات محددة، أو السيطرة على طرق معينة. أما سلسلة الإمداد الحوثية فتعمل كنظام تكيفي معقد يعيد تشكيل نفسه بسرعة استجابةً للضغوط الخارجية. وهذا يعني أن النجاحات التكتيكية—مثل اعتراض شحنة أو تصنيف جهة بعقوبات—نادراً ما تتحول إلى تأثير ملموس على قدرات الحوثيين.

ولتفكيك هذا النظام الهجين، يلزم اتباع نهج شامل يعالج نقاط الضعف الهيكلية بدل التركيز على طرق أو جهات فردية. يجب على صانعي السياسات التعلم من قصص النجاح، والتركيز على نقاط الاختناق الحيوية، وإعادة التفكير في دور الأمم المتحدة في المراقبة، وتحسين التعاون متعدد الأطراف. والأهم من ذلك، يجب عليهم إظهار الإرادة السياسية.

 

 

التعلّم من قصص النجاح

تشير قصص النجاح إلى أن بعض السياسات التكتيكية والعملياتية يمكن أن تُسهم في الحد من تدفق الأسلحة، شريطة أن تكون جزءًا من جهد أوسع ومنسّق. أولًا، تُظهر التجربة أن عمليات مكافحة التهريب البحري، على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، حققت قدرًا من الفاعلية. ويتجلى ذلك في أن عملية ضبط بحرية نموذجية لشحنات أسلحة خفيفة—يتراوح وزنها عادة بين طنين وعشرة أطنان—تُكلّف إيران، في المتوسط، نحو مليون دولار. كما تُظهر طبيعة المضبوطات أن المهرّبين باتوا يقتصرون على شحن المواد التي يصعب نقلها عبر وسائل أبسط، ما يعكس ارتفاع كلفة المخاطر والقيود المفروضة عليهم.

وعلاوة على ذلك، شهدت حملة الحوثيين الأخيرة في البحر الأحمر وخليج عدن فترات توقف قصيرة في الهجمات، تراوحت بين أسبوع واحد وأحد عشر يومًا، كما حدث في أوائل مايو/أيار، ومنتصف يوليو/تموز، ومنتصف سبتمبر/أيلول 2024. ورغم وجود تفسيرات محتملة متعددة لهذه التوقفات، فإن أحد أكثرها ترجيحًا هو ببساطة نفاد الأسلحة لدى الحوثيين خلال تلك الفترات.

وتشير الأدلة كذلك إلى أن السياسات التكتيكية والعملياتية يمكن أن تُسهم في كبح التهريب البري. فعندما تكون القوات المحلية متحفزة، ومنسّقة، ومزوّدة— بقدر محدود من الموارد—تصبح عمليات الضبط الفعّالة ممكنة. فقد أدى التعاون بين القوات العسكرية والأمنية في حضرموت ومأرب، على سبيل المثال، إلى سلسلة من عمليات الاعتراض البارزة بين عامي 2015 و2022، كما سبقت الإشارة. ومؤخرًا، نجحت ألوية العمالقة في تعطيل عمليات تهريب في محافظة لحج جنوبي اليمن. وفي عدن، تمكّن مسؤولو الجمارك والأمن المحلي من ضبط كميات كبيرة من المعدات والمواد منذ عام 2022.

كما أسفرت حملات مكافحة التهريب التي نفذتها الأجهزة الأمنية في عام 2025 عن نتائج ملموسة، من بينها ضبط حاوية شحن كاملة وشحنة إيرانية في يونيو/حزيران وأغسطس/آب على التوالي. غير أن الاقتتال الداخلي خلال عامي 2025–2026 يُرجّح أن يكون قد وجّه ضربة كبيرة لهذه الجهود، ما يبرز بوضوح أن نجاح مكافحة التهريب في اليمن يتطلب تعاونًا سياسيًا فعّالًا، لا يقتصر على الأدوات العسكرية أو الأمنية وحدها.

 

• التركيز على نقاط الاختناق

حدّد تحليل هذا التقرير لسلسلة إمداد الحوثيين عددًا من نقاط الاختناق الحرجة. ومن غير المرجّح أن تُفضي المبادرات الفردية الرامية إلى كبح تدفق الأسلحة والسلع عبر هذه المناطق إلى تعطيل فعلي للإمدادات، إذ سيعمد الحوثيون وحلفاؤهم ببساطة إلى إعادة توجيهها عبر مسارات بديلة. غير أن جهدًا منسّقًا يستهدف جميع نقاط الاختناق هذه في آنٍ واحد يمكن أن يُدخل درجة عالية من الاحتكاك إلى سلسلة الإمداد، بما يحدّ من كفاءتها ومرونتها.

 

ومن شأن دمج جهود جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها أن يعزّز فعالية مثل هذه المبادرة. فإذا جرى تركيز عمليات الضبط البرية والبحرية على هذه المناطق، وتنسيقها عبر خطوط السلطة المختلفة، مع توفير قدرٍ كافٍ من أصول الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR)، فقد تتمكن القوات الدولية والإقليمية والمحلية من بناء صورة تفصيلية لمسارات الإمداد ونقاط الاختناق، بما يتيح تعطيلها بشكل أكثر فاعلية.

 

• إعادة معايرة — وإعادة التفكير — في جهود المراقبة

 

قد يُسهم تعزيز نظام المراقبة والتفتيش في الحد من تدفقات التهريب، وإن كان ذلك ليس عبر آلية تقودها الأمم المتحدة. فالتوسّع في آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في اليمن (UNVIM) قد يجعلها بسهولة حلًا سحريًا ظاهريًا، ثم كبش فداء لاحقًا لمشكلة لا ترغب القوى الغربية في تحمّل مسؤوليتها المباشرة. إن الاكتفاء بمطالبة الأمم المتحدة ببذل المزيد، مع الإبقاء على القيود الحالية دون تغيير، يُرجَّح أن يكون غير مجدٍ. وكما أشار أحد المسؤولين الغربيين، فإن المنظمة «لا تمتلك قوة بحرية ولا تستطيع إنفاذ ما هو في الأساس إجراء طوعي».

وبدلًا من السعي إلى تعزيز قدرات UNVIM، سيكون من الأنسب إسناد نظام مُعزَّز للتحقق والتفتيش في موانئ البحر الأحمر إلى صيغةٍ من تحالفٍ متعدد الجنسيات، بما يتيح التنسيق المباشر مع الأصول البحرية العاملة في البحر الأحمر.

 

• تحسين التعاون متعدد الجنسيات

 

لبناء زخم على النجاحات القائمة، واستهداف نقاط الاختناق، وتحسين جهود المراقبة، سيكون على القوى الخارجية العمل بصورة جماعية ومنسّقة. فإلى جانب التمويل والتدريب والتنسيق الموجّه للقوات الأمنية المحلية، وإقامة نظام دولي لمراقبة الواردات والتفتيش عليها، يمكن لعمليات الاعتراض الدولية المنتظمة والمتكررة أن تُضيف قدرًا ملموسًا من الاحتكاك إلى سلسلة إمداد الحوثيين.

كما يمكن لنظام مراقبة بري أن يركّز على نقاط الاختناق المعروفة عند تقاطعات بعض المسارات الرئيسة المبيّنة أعلاه، مثل منطقة العبر. وقد يحقق الدعم الدولي لإقامة نظام تفتيش عالي التقنية وسريع الوتيرة في ميناء عدن وعلى الحدود العُمانية، وكذلك دعم خفر السواحل اليمني، عوائد إضافية، ولا سيما إذا لم يقتصر الدعم الخارجي على التدريب فحسب، بل شمل أيضًا تعزيز التنسيق بين المناطق اليمنية المختلفة والقوى الأمنية الإقليمية.

إن وجودًا بحريًا دوليًا مستدامًا في البحر الأحمر وخليج عدن، مقرونًا بنظام تفتيش مُعزَّز لموانئ البحر الأحمر، وتمويل المراقبة المستمرة لمسارات التهريب البحرية المعروفة—باستخدام الاستشعار عن بُعد وأدوات المراقبة الأخرى—من شأنه أن يخلق عوائق ردعية إضافية. كما أن جهدًا منسّقًا ومموّلًا جيدًا في مجال المراقبة قد يتيح إنشاء نظام إنذار مبكر آلي أو شبه آلي قائم على تحليل «أنماط النشاط»، بالاستفادة من بيانات نظام التعريف الآلي (AIS)، وصور الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وغيرها من وسائل الاستطلاع الجوي. وفي هذا الإطار، ستُقيَّم السفن المتجهة إلى اليمن استنادًا إلى سجل نشاطها السابق، مع نشر وسائل الاستطلاع الجوي ذات الأجنحة الثابتة عندما تتجاوز أنماط النشاط السابقة أو الحالية عتبةً محددة مسبقًا.

 

• منطق سليم… لكن يصعب تحقيقه

تبدو هذه التوصيات بديهية ومنطقية، وإن كانت مكلفة من حيث الأعباء المالية، وربما أيضًا من حيث التكاليف السياسية. غير أنها تأتي مصحوبة بتحفّظين أساسيين.

أولًا، لن تنجح مبادرات مكافحة التهريب إذا نُفِّذت بصورة مجزأة. فالتركيز الحصري على خط إيران–اليمن وموانئ البحر الأحمر لم يُحدث سوى تأثير محدود في تعطيل سلسلة الإمداد.

وثانيًا، وبما يرتبط بذلك ارتباطًا وثيقًا، لن تؤتي هذه الجهود ثمارها إلا إذا تَبَنَّتها قيادة سياسية رفيعة المستوى في عدد من الدول المستعدة للعمل الجماعي. ويتطلّب هذا التبنّي السياسي بدوره تحديدًا واضحًا للأولويات وإرادة سياسية على مستوى العواصم.

وفي تعليقات ردّدها عدد من المشاركين في المقابلات، لخّص مسؤول عسكري أمريكي رفيع سابق—شغل حتى وقت قريب منصبًا قياديًا بارزًا في القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)—هذه النقطة على النحو التالي:

«ما تحتاجه هو سياسة صريحة تنبع من القيادة السياسية. هل ستتحركون ضد التهريب أم لا؟ وللتحرك ضده، لا بد من بناء الإطار المؤسسي لذلك التحرك. أنتم بحاجة إلى قرار سياسي بالمواجهة. أولًا، يجب تعزيز جمع معلومات الاستطلاع والمراقبة والاستطلاع الاستخباراتي (ISR)، ثم تحتاجون إلى سفن—فلا بد لشخص ما أن يصعد على متن السفن. هذا ممكن التنفيذ. لكن قدرات ISR نادرة، وهي في جوهرها مسألة قرار سياسي. هناك تردد واسع حيال اليمن، وهناك أولويات أخرى في العالم اليوم. كما أن الأمر يتطلب عملًا متعدد الجنسيات، وهذا يستلزم انخراطًا دبلوماسيًا مكثفًا، ثم انخراطًا بين الجيوش».

 

ومن غير المرجح أن يُنتج الموقف الأمريكي الحالي تجاه اليمن نمط القيادة الذي وصفه المسؤول الأمريكي السابق. ومع ذلك، كلما تمكن الحوثيون من مواصلة مسارهم نحو التصنيع واسع النطاق للأسلحة، ازداد مستوى التهديد الذي يشكلونه على المنطقة—وعلى اليمنيين الآخرين كذلك.

وهناك أيضًا دوافع براغماتية ومصلحية بحتة تدفع الولايات المتحدة ودولًا أخرى إلى التفكير بجدية في تنامي قدرات الحوثيين. فالتكاليف التي تكبدتها المجموعة على الاقتصاد العالمي هائلة. فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فرضت حملة الحوثيين في البحر الأحمر مليارات الدولارات من التكاليف الإضافية على حركة التجارة العالمية، واستلزمت أكثر من مليار دولار في عمليات بحرية دولية—دون احتساب نحو مليار دولار تُقدَّر كلفة عملية رف رايدر وحدها—واستهلكت مئات الملايين من الدولارات من الذخائر الدفاعية. وتقدّر التقديرات المتحفظة الأثر الاقتصادي الإجمالي لحملة الحوثيين بأكثر من 200 مليار دولار.

كما أن المخاطر البيئية الناجمة عن هجمات الحوثيين على ناقلات المواد الكيميائية وناقلات النفط تُنذر بأضرار كارثية محتملة تطال النظم البيئية للبحر الأحمر والمجتمعات الساحلية.

وفوق ذلك كله، لا تعكس هذه الأرقام حجم الضرر الذي ألحقته حملة البحر الأحمر بـ مصداقية الدول الغربية في حماية التجارة الدولية وردع انتشار واستخدام الصواريخ الباليستية وغيرها من تقنيات الأسلحة المتقدمة.

و تعكس قدرات الحوثيين اختلالًا واضحًا بين حجم الجهد المبذول والرؤية الاستراتيجية المقابلة له. ففي حين انتهجت إيران مقاربة استراتيجية طويلة الأمد لبناء قدرات الحوثيين، وأثبت الحوثيون أنهم تلامذة أكفاء في استيعاب هذا الدعم وتوظيفه، جاءت الجهود المضادة تكتيكية ومحدودة الأثر، وغير متسقة، وتفتقر إلى التنسيق، فضلًا عن أنها أُعيقت بتضارب الأولويات بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. واستغلالًا للانقسامات داخل المناطق الخاضعة للحكومة، يبدو أن الحوثيين يوسّعون نفوذهم وبصمتهم اللوجستية عبر خطوط التماس المختلفة في اليمن. ويشير نجاح الجماعة إلى أن استراتيجيات الاحتواء الإقليمي التقليدية باتت أقل فاعلية على نحو متزايد. وخلال السنوات الثلاث التي أعقبت هدنة عام 2022، لم يكتفِ الحوثيون بتعزيز ترسانتهم من الأسلحة المتطورة فحسب، بل عملوا أيضًا على توسيع مخزونهم من الأسلحة الخفيفة التقليدية، ما يرجّح كفّتهم ميدانيًا بصورة أكبر في حال اندلاع مواجهة برية واسعة النطاق مجددًا داخل اليمن.

وربما الأهم من ذلك، تُظهر حالة الحوثيين كيف أن النزاعات الحديثة باتت تُدار على نحو متزايد عبر شبكات عابرة للحدود ومتعدّدة الجنسيات، تُطمس فيها الحدود التقليدية بين الأنشطة المشروعة وغير المشروعة، وتعمل على نطاق متسع مع مستويات منخفضة نسبيًا من الاحتكاك النظامي. وتعتمد سلسلة إمداد الحوثيين على شبكات اجتماعية وتجارية تمتد بين الاقتصادين المشروع وغير المشروع، وعلى نظام اقتصادي عالمي ناشئ يدمج التدفقات المالية والتجارية المشروعة وغير المشروعة و«الرمادية»، مع بقائه خارج الأطر التنظيمية الغربية. وقد أتاح هذا النظام مساحة لجماعات مثل الحوثيين، وشبكات مثل محور المقاومة، للوصول إلى مكونات تكنولوجية متقدمة منخفضة التكلفة، ونقل الموارد بسرعة شبه فورية وبحد أدنى من الرقابة، ما يشكل تحديًا جوهريًا للسياسات الحالية التي تعتمد بشكل مفرط على العقوبات. ويمكن القول إن أحد أهم ما قامت به إيران وحلفاؤها في محور المقاومة في اليمن هو تقديم نموذج عملي لكيفية النفاذ إلى هذا النظام العالمي، إلى جانب إطار استراتيجي يوضح سبل استغلاله إلى أقصى حد.

ولا يقتصر أثر هذا التحول على تداعياته المتعلقة باختلال ميزان القوى داخل اليمن على نحو متزايد. فتعاظم قدرات الحوثيين ينذر أيضًا بجرّ اليمن بشكل أعمق إلى تنافس القوى الكبرى والإقليمية، خارج مسارح الصراع الرئيسية التي ارتبطت بها الجماعة حتى الآن. ويشير تزايد انخراط روسيا مع الحوثيين منذ غزوها أوكرانيا، بما في ذلك تقارير عن خطط لنقل أسلحة مباشرة، إلى أن موسكو تنظر إلى الجماعة بوصفها حليفًا استراتيجيًا محتملًا في تقويض المصالح الغربية وبسط النفوذ في ممر البحر الأحمر. ويأتي هذا التشابك في وقت يعمل فيه الحوثيون على توسيع نفوذهم الإقليمي، ولا سيما في منطقة القرن الإفريقي. كما أن التقارير عن تعزيز علاقاتهم مع فاعلين في الصومال والسودان توحي بإمكانية تكرار النموذج الذي طبقته إيران وحزب الله في اليمن. ومن شأن ذلك أن يوفّر لجماعات مثل حركة الشباب خبرات تقنية ومعرفية في مجال التصنيع العسكري، والأهم من ذلك، إمكانية النفاذ إلى الشبكات الاقتصادية البديلة التي مكّنت الحوثيين أنفسهم من تحقيق تطور عسكري سريع.

و استنادًا إلى الأساس التحليلي الذي أرسته هذه الدراسة، ستتناول المرحلة التالية من هذا المشروع سلسلة إمداد الحوثيين ضمن الإطار الأوسع لمنظومة «محور المقاومة»، وكذلك اقتصاد الظل العالمي الذي يوفّر لها مقومات الاستمرار والتمكين. كما سيتناول البحث اللاحق التوسع المستمر للجماعة في القارة الإفريقية، وإمكانات بناء روابط مع جماعات مسلحة أخرى من غير الدول، فضلًا عن تعزيز قدراتها العسكرية واللوجستية.


كلمات مفتاحية:

التعليقات