[ Gitty Image ]
أصبح الصراع بين الولايات المتحدة وإيران صراعًا على مدى قدرة كل طرف على تحمّل الأعباء الاقتصادية والتداعيات السياسية التي قد تترتب عليها. وقد اتسم الصراع بهذه السمة منذ انهيار مذكرة التفاهم في يونيو/حزيران، التي أثارت آمالًا وجيزة في إمكانية انتهاء الحرب. ويبدو أن كل طرف واثق من قدرته على الصمود أمام الطرف الآخر في سباق تحمّل المعاناة.
ومن غير المرجح أن يطرأ تغيير جوهري على هذا الوضع في المستقبل القريب، رغم وجود بعض المؤشرات على أن إيران تدرس التصعيد العسكري باعتباره وسيلة محتملة لكسر حالة الجمود. ويبدو أن إدارة ترامب، بعد فشل الخيارات الأخرى، تراهن على أن النظام الإيراني إما سيسقط بفعل الضغوط الاقتصادية التي تثقل كاهل الشعب الإيراني، أو أنه سيستسلم بطريقة ما ويقدم تنازلات.
غير أن أحد أبرز التطورات الأخيرة، الذي قد تكون لديه القدرة على تغيير حالة الجمود هذه، يتمثل في تجدد النشاط العسكري من جانب نظام الحوثيين في اليمن، بما في ذلك اعتراض حركة الملاحة التي تعبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب. والحوثيون يشكلون نظامًا حاكمًا، وليس مجرد ميليشيا أو جماعة معارضة. فقد سيطروا على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014، وظلوا لسنوات السلطة الحاكمة على أراضٍ تضم نحو ثلثي سكان اليمن. أما خصمهم المحلي الرئيسي، رغم أنه يُوصف عادةً بأنه «الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا»، فهو طرف ضعيف يعتمد على السعودية، حيث يقضي قادته معظم وقتهم.
وكان التدخل الحوثي السابق في حركة الملاحة بالبحر الأحمر يستهدف إسرائيل، وكان الغرض منه إظهار التضامن مع سكان قطاع غزة الفلسطينيين الذين تعرضوا لدمارٍ واسع. أما هذه المرة، فإن خلاف الحوثيين هو مع السعودية، وقد أعلنوا فرض حصار على السفن السعودية.
و تعود خلفية التوتر الحالي بين اليمن والسعودية إلى سنوات من القصف الجوي السعودي على اليمن، الذي حوّل البلاد إلى منطقة منكوبة إنسانيًا، قبل أن يتوقف بموجب هدنة أُبرمت عام 2022. وقد صمدت الهدنة بشكلٍ كبير حتى هذا العام، لكن الشهر الماضي شهد تصعيدًا سريعًا في تبادل الهجمات. ومن بين الهجمات الأخيرة عبر الحدود السعودية-اليمنية، تقول السعودية إن الحوثيين أرسلوا طائرة مُسيّرة فوق مكة المكرمة، فيما يزعم الحوثيون أنهم أسقطوا طائرة مقاتلة سعودية فوق الأراضي اليمنية.
وبدأ الحوثيون الشهر الماضي بمهاجمة السفن السعودية في البحر الأحمر، فيما أدت المكاسب الميدانية التي حققوها خلال الأسبوعين الماضيين على حساب خصومهم داخل اليمن إلى تعزيز قدرتهم على تنفيذ المزيد من الهجمات البحرية من هذا النوع. فقد سيطروا على ميناء المخا — الذي يُنسب إليه أصل اسم مشروب القهوة والشوكولاتة — وعلى جزيرة ميون، الواقعة في وسط مضيق باب المندب. وتوفر لهم هذه السيطرة مواقع يمكن استخدامها لتنفيذ مزيد من عمليات اعتراض حركة الملاحة داخل المضيق وشماله مباشرة.
وفي غضون ذلك، أجبر هجوم، يبدو أنه نُفذ من جانب ميليشيا في العراق، على خط أنابيب النفط الممتد عبر شبه الجزيرة العربية، السعوديين على وقف تشغيل الخط مؤقتًا. ويتمثل الأثر المباشر الرئيسي لهذه التطورات الأخيرة في مزيد من التراجع في صادرات السعودية النفطية. فقد كانت السعودية أكبر مُصدّر للنفط في العالم، قبل أن تؤدي الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بصورة مفاجئة إلى هبوط صادراتها إلى أدنى مستوى لها في 13 عامًا، عند 3.2 مليون برميل يوميًا. واعتمدت السعودية بدرجةٍ كبيرة على خط الأنابيب الممتد إلى البحر الأحمر كبديل عن صادراتها المتوقفة عبر مضيق هرمز. وفي مرحلة ما خلال الحرب، كان نحو 4 ملايين برميل يوميًا — أي ما يعادل 4% من إجمالي استهلاك النفط العالمي — يمر عبر خط الأنابيب، فيما تقول شركة النفط السعودية أرامكو إن أعمال التطوير رفعت قدرته الاستيعابية إلى 7 ملايين برميل يوميًا.
وتأمل السعودية في إصلاح الأضرار وإعادة تشغيل خط الأنابيب قريبًا، لكن احتمال استهداف الحوثيين لناقلات النفط السعودية أثناء عبورها مضيق باب المندب يعني أن مشكلة إيجاد مسار آمن لتصدير النفط ستظل قائمة. ويمكن للسعودية إرسال ناقلاتها شمالًا باتجاه البحر المتوسط، على أن يُنقل النفط إما عبر قناة السويس أو من خلال خط أنابيب في مصر، لكن هذا المسار يتجه في الاتجاه الخطأ للوصول إلى معظم عملاء السعودية، الذين يتركزون في آسيا.
وقد التقطت الأسواق دلالات هذا الوضع الصعب؛ إذ ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وظلت عند هذا المستوى.
ويتمثل أحد أبرز الآثار غير المباشرة لهذه التطورات في ترجيح كفة سباق تحمّل الضغوط بين الولايات المتحدة وإيران بصورة أكبر لمصلحة إيران وعلى حساب الولايات المتحدة. وتتمثل آلية الضغط الرئيسية التي تؤثر في إدارة ترامب في ارتفاع أسعار النفط، بما يعنيه ذلك من ارتفاع أسعار البنزين والديزل، وزيادة التضخم بصورة عامة، وتصاعد حالة الاستياء بين الناخبين الأمريكيين. وبالتأكيد، عانى الإيرانيون من ضغوط أكبر، اقتصاديًا وجسديًا، مما عانى منه الأمريكيون، لكن الرهانات بالنسبة إلى إيران أعلى أيضًا. فبالنسبة إلى النظام في طهران، يتعلق الأمر ببقائه، في حين لا تواجه الولايات المتحدة وإدارة ترامب شيئًا يمكن أن يُقارن بذلك بأي حال من الأحوال.
وقد ينطوي المزيد من الضرر الذي يلحق بالاقتصاد العالمي — مع انعكاسات يشعر بها الأمريكيون داخل الولايات المتحدة — نتيجة نشاط الحوثيين، على اضطراب حركة الملاحة البحرية التي لا تقتصر على ناقلات النفط. ف9% من حركة الشحن البحري العالمية تمر عبر قناة السويس والبحر الأحمر ومضيق باب المندب. وعلى الرغم من أن الحوثيين يقولون إنهم يوجّهون هجماتهم إلى السعودية وحدها، إلا أن مخاوف شركات الملاحة وشركات التأمين من الإبحار في منطقة حرب قد تحدّ من حركة الملاحة عبر هذه المنطقة، كما حدث مع مضيق هرمز.
ومع بقاء احتمال أن ترفع طهران الراية البيضاء وتعلن استسلامها بعيدًا كما كان دائمًا، فإن أي نهاية للحرب بين الولايات المتحدة وإيران ستتطلب اتفاقًا تفاوضيًا. وكما كان الحال مع مذكرة التفاهم السابقة، فمن شبه المؤكد أن يكون الاتفاق عبارة عن وقف لإطلاق النار وإطار عام ومقتضب يؤجل القضايا الصعبة إلى مفاوضاتٍ لاحقة. وكما كانت حرية الملاحة عبر مضيق هرمز جزءًا من مذكرة التفاهم — إذ كان الخلاف حول تفسير هذا البند عاملًا محوريًا في انهيار وقف إطلاق النار لاحقًا — فمن المرجح أن تكون الملاحة عبر مضيق باب المندب موضع معالجة في أي اتفاق جديد لوقف إطلاق النار.
و على الرغم من أن مضيق باب المندب والبحر الأحمر يقعان خارج المسرح الرئيسي للحرب الدائرة في الخليج العربي، فمن المرجح أن يصر الجانب الأمريكي على إدراج هذه المسألة في أي اتفاق، تمامًا كما أصرت إيران على أن يشمل وقف إطلاق النار السابق الهجمات الإسرائيلية على لبنان. وتمتد أوجه التشابه بين الحالتين إلى أبعد من ذلك، بما يسلّط الضوء على إحدى الصعوبات التي قد تواجه أي مفاوضات بشأن وقف إطلاق النار مستقبلًا. فالولايات المتحدة لا تسيطر على تحركات إسرائيل، كما أن إيران لا تسيطر على تحركات نظام الحوثيين. ومن ثم، فإن وصف هذا النظام بأنه «وكيل إيراني»، وهو الوصف الذي يُستخدم عادةً للإشارة إليه، ليس دقيقًا. فقد تحرك الحوثيون في أوقات سابقة خلافًا لنصيحة إيران — وأبرز مثال على ذلك سيطرتهم على صنعاء — كما أن تطويرهم لقدراتهم على تصنيع أسلحتهم بأنفسهم جعلهم أقل اعتمادًا على الدعم الإيراني. والحوثيون يتعاطفون مع حلفائهم الإيرانيين، لكن اهتماماتهم الرئيسية أقرب إلى الداخل، وتتمحور في معظمها حول مواجهتهم مع السعوديين.
والولايات المتحدة لا تسيطر أيضًا على تحركات السعودية، وقد تصبح المملكة، شأنها شأن إسرائيل، عاملًا معرقلًا لأي سلام أمريكي-إيراني. غير أن أوجه التشابه بينهما تتوقف عند الدوافع. فعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية تعارض أي اتفاق سلام مع إيران، فمن المرجح أن ترحب السعودية بإنهاء الحرب التي كانت مصدرًا لكثير من مشكلاتها الاقتصادية والأمنية الراهنة. لكن في ظل غياب أي مؤشرات على قرب انتهاء الحرب، واقتراب أزمة مالية نتيجة الانخفاض الحاد في صادرات النفط السعودية، ورفض إدارة ترامب حتى الآن اتخاذ إجراءات جديدة ضد الحوثيين، قد ترى السعودية أنها بحاجة إلى تصعيد تحركها ضد الحوثيين، ما يجعل باب المندب والبحر الأحمر منطقة حرب أكثر مما كانا عليه من قبل.
وبالإضافة إلى أن هذا السيناريو سيعقّد أي جهود دبلوماسية ترمي إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فإنه سيؤكد مجددًا صحة تحذيرات من نبّهوا إلى أن هجومًا عسكريًا أمريكيًا على إيران قد يمتد ليشعل صراعًا أوسع في الشرق الأوسط. فقد أدت حرب إيران إلى إطلاق مراحل جديدة من العنف في صراعات قديمة، مثل الصراع الإسرائيلي-اللبناني والصراع اليمني-السعودي، قبل أن تتصاعد هذه الصراعات بدورها وفق منطقها التدميري الخاص.
لقراءة التحليل من موقعه الأصلي عبر الرابط التالي: