يعيش البهائيون في اليمن، وهم أقلية دينية يقدَّر عدد أفرادها بنحو ألفي شخص، تحت ضغوط وانتهاكات طالت حقهم في المعتقد والمواطنة والعيش بأمان، رغم عدم انخراطهم في أطراف الصراع المسلح.
وتصاعدت الانتهاكات بحقهم منذ سيطرة جماعة الحوثيين على صنعاء، وشملت الاختطاف والمحاكمات ومصادرة الممتلكات والتحريض الديني، وصولًا إلى أحكام بالإعدام ونفي عدد منهم خارج البلاد.
خلف هذه الانتهاكات تجارب لأسر تفرقت وأطفال دخلوا المعتقلات إلى جانب نساء أمضين سنوات في متابعة قضايا أزواجهن وأقاربهن. وتقدم شهادات بهائيين يمنيين في هذه المادة صورة عن أثر الاضطهاد الديني في حياتهم، وعن مطالبهم بحرية المعتقد والمواطنة المتساوية.
من السجن إلى المنفى
بعد ثلاث سنوات من الاعتقال في سجون الأمن القومي بصنعاء، أُفرج عن أكرم صالح عياش بشرط مغادرة اليمن ومنعه من العودة إليه، وفق شهادة أسرته.
ابنته أبرار عياش كانت طفلة عندما بدأت تجربة أسرتها مع الاعتقال، قبل أن تتعرض هي نفسها للاعتقال لاحقًا.
تقول أبرار: "وُلدت في صنعاء ونشأت في عائلة مسلمة محافظة. بدأت دراسة العلوم السياسية بسبب اهتمامي بحقوق الإنسان ورغبتي في الدفاع عن حقوق المضطهدين والأقليات، لكن بعد نفي والدي اضطررت إلى ترك دراستي ومستقبلي الذي بدأت بناءه.
عندما بلغت الحادية عشرة اعتنق والدي الدين البهائي، وكانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها عنه. بعد ذلك آمنت والدتي وإخوتي به أيضًا، من دون أن يجبرني والدي على اتباعه. أمضيت نحو خمس سنوات في البحث والتعرف إلى الدين البهائي قبل أن أقرر اعتناقه".
اعتقال في السادسة عشرة
في عام 2016، كانت أبرار في السادسة عشرة عندما شاركت في فعالية شبابية قالت إنها كانت تهدف إلى تنمية قدرات الشباب وتشجيعهم على خدمة المجتمع. داهم مسلحون تابعون لجماعة الحوثيين المكان واختطفوا المشاركين فيه، بمن فيهم نساء وأطفال.
تروي أبرار: "داهم المكان رجال ملثمون ومسلحون وبدأوا بالصراخ وإرهاب الجميع. لم يفرقوا بين بهائي وغير بهائي.
أُجبرنا على الصعود إلى حافلة تحت تهديد السلاح، من دون أن نعرف إلى أين نُقتاد. طُلب منا إبقاء رؤوسنا منخفضة طوال الطريق، وعندما حاولت رفع رأسي قليلًا بسبب الألم في رقبتي، ضربتني شرطية.
عندما وصلنا عرفنا أننا في مكان تابع لجهاز الأمن القومي. أُدخلنا إلى غرفة كبيرة ووُضعنا جميعًا فيها. كانت بعض الفتيات يبكين خوفًا من العواقب الاجتماعية للاعتقال؛ ففي مجتمع محافظ قد تتحول تجربة دخول فتاة إلى المعتقل إلى وصمة تلاحقها، بصرف النظر عن سبب اعتقالها".
تضيف "طلب منا أحد الضباط الوقوف في طابور لتسجيل أسمائنا. عندما جاء دوري سألني عن اسمي وعمري، ثم قرر إعادتي إلى المنزل مع أخي الذي يصغرني بعامين.
رفضت وقلت له إنني بهائية وإنني أريد البقاء مع الآخرين، لكنه أصر على إعادتنا.
في الطريق سألني عن ديني، وعندما قلت إنني بهائية بدأ يسخر مني، وقال إننا جميعًا سنخرج مسلمين بالإجبار. سألته لماذا أُطلق سراحنا بينما بقي آخرون، فقال: لأنكم أطفال. أخبرته أن أطفالًا آخرين ما زالوا في المعتقل، فقال: لدي أسبابي".
عادت أبرار إلى أسرتها، فيما بقي آخرون محتجزين. وتقول إن التجربة دفعتها لاحقًا إلى الاهتمام بصورة أكبر بالدفاع عن حقوق الأقليات وحرية المعتقد.
المرأة البهائية.. عبء الأسرة والاعتقال
بالنسبة إلى إلهام محمد زارعي، وهي أم ومعلمة أطفال وكاتبة مهتمة بالقضايا الاجتماعية، ارتبطت تجربة الاضطهاد باعتقال زوجها حامد بن حيدرة، أحد أبرز المعتقلين البهائيين في اليمن.
اعتُقل بن حيدرة في 3 ديسمبر/كانون الأول 2013، واستمر احتجازه أكثر من ست سنوات. وخلال تلك الفترة اعتُقلت ابنته جواهر ليوم واحد، فيما استُدعيت إلهام للاستجواب عدة مرات.
تقول إلهام: "كنت أمًا لثلاث بنات صغيرات. دُهم منزلنا ودخل إليه عشرات الأشخاص ونهبوا محتوياته أمامي وأمام أطفالي. بعد اعتقال زوجي من مقر عمله في بلحاف، أمضيت تسعة أشهر لا أعرف أين يوجد، ولا إن كان حيًا أو ميتًا".
نُقل بن حيدرة إلى صنعاء ووُضع، بحسب شهادة زوجته، في الحبس الانفرادي وتعرض للتعذيب أثناء التحقيق.
وتقول إلهام: "تعرض للصعق بالكهرباء والضرب والتعليق لفترات طويلة أثناء الاستجواب. وعندما كان يفقد الوعي كانوا يضعونه في برميل ماء بارد في الشتاء. كانوا يريدون منه إعطاءهم أسماء بهائيين آخرين".
وتشير إلى أن إحدى التهم التي وُجهت إليه تضمنت الحديث عن تأثير البهائيين في المجتمع من خلال ما وصفته وثائق القضية بـ"الظهور بمكارم الأخلاق بين أهله ومجتمعه"، في مفارقة تكشف أن السلوك الإيجابي نفسه أُدرج ضمن سياق الاتهام، خشية أن يؤثر في الآخرين ويجذبهم إلى المعتقد البهائي.
سنوات خلف أبواب السجون
بعد تسعة أشهر، عرفت إلهام مكان احتجاز زوجها وبدأت زياراتها إليه.
تقول: "كنت أذهب مع بناتي وننتظر لساعات لإيصال الطعام والملابس والدواء إليه. وعندما كان في سجن البحث الجنائي، كانوا يسمونني بازدراء “زوجة أخطر سجين”.
لم يكن يُسمح لي بزيارته إلا بتصريح من النيابة. كنت أذهب للحصول على التصريح وأتعرض للتهديد والإهانة، أنا وبناتي، من أجل زيارة لا تتجاوز عشر دقائق.
وعندما نُقل إلى السجن المركزي، كنا نقف في طوابير طويلة ونخضع للتفتيش عند ثلاث بوابات، ومع ذلك كان ذلك أهون من إجراءات الحصول على تصريح الزيارة وما كان يصاحبها من إهانات".
"أنتم تدعون إلى السلام في زمن الحرب"
ومن بين الوقائع التي تتذكرها إلهام محاولة إدخال كتاب مناجاة بهائي إلى زوجها في السجن.
تقول: "طلب مني زوجي كتاب مناجاة ليقرأ منه صباحًا ومساء. عندما حاولت إدخاله صادره المسؤولون.
قلت لهم: أنا أحمل كتابًا، ولم أحمل سلاحًا.
فقال أحدهم: يا ليتك حملت سلاحًا، فهو أقل خطرًا من هذا الكتاب.
وقال مسؤول آخر: أنتم أكبر خطر علينا؛ أنتم تدعون إلى السلام في زمن الحرب".
طفل في مواجهة الاعتقال
كان أيمن أكرم عياش في الثالثة عشرة من عمره عندما دخل المعتقل للمرة الأولى. بدأت تجربته مع الاضطهاد قبل ذلك، ثم اتسعت مع اعتقال والده وإخفائه قسرًا، وانتهت بخروج الأسرة من اليمن.
يقول أيمن: "كانت حياتي كبهائي في اليمن مرتبطة بالتمييز في الحي والمدرسة والحياة الاجتماعية. كنت أشعر أن كوني بهائيًا يجعلني عرضة للإقصاء.
أتذكر أول مرة دخلت فيها السجن. كان عمري 13 عامًا، وكانت أختي، التي تكبرني بعامين، معي. حدث ذلك في 10 أغسطس/آب 2016، عندما كنا نشارك في فعالية اجتماعية ضمت بهائيين وغير بهائيين، وهدفت إلى تعزيز التعاون بين الشباب لخدمة المجتمع.
داهم الحوثيون الفعالية واختطفوا الموجودين، وكان عددهم نحو 65 شخصًا. لم نبقَ، أنا وأختي، في الاحتجاز سوى أربع ساعات، لكن تجربة السجن في ذلك العمر تركت أثرًا كبيرًا فينا».
اعتقال الأب ثلاث مرات
تعرض والد أيمن للاعتقال ثلاث مرات. كانت الأولى عام 2015، عندما كان أيمن في الحادية عشرة، واستمرت 48 ساعة.
وجاء الاعتقال الثاني عام 2016، بعد وقت قصير من الإفراج عن أيمن وأخته.
يقول: "في اليوم نفسه تواصلت جهة تابعة للحوثيين مع والدي وطلبت منه الحضور. لم يقل أحد صراحة إن الإفراج عنا كان مقابل تسليم نفسه، لكن الأمر بدا لنا كذلك، خصوصًا أن أطفالًا آخرين في أعمارنا لم يُفرج عنهم.
اعتُقل والدي لمدة شهر في الأمن القومي ووُضع طوال تلك الفترة في زنزانة انفرادية".
أما الاعتقال الثالث فسبقته، وفق أيمن، ملاحقة استمرت نحو ستة أشهر.
"كانوا يراقبون والدي باستمرار، وتلاحقه سيارات تقل مسلحين. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، بينما كان في طريقه إلى منزل عمي، طاردته سيارات تابعة للحوثيين وأطلق مسلحون النار على سيارته.
كان ابن عمي معه. وعندما دخلا فناء المنزل اقتحمه المسلحون. كان اثنان من أعمامي وصديق للعائلة موجودين، وتعرضوا للضرب والإهانة عندما حاولوا الدفاع عنه".
استمر الاعتقال هذه المرة عامين وعشرة أشهر، قضى الأشهر التسعة الأولى منها مخفيًا قسرًا، بحسب شهادة ابنه.
يقول أيمن: "لم نكن نعرف مكانه ولم نحصل على إجابات. كنت أذهب بعد المدرسة بصورة متكررة إلى بوابة الأمن والمخابرات وأسأل عنه، لأنني كنت مقتنعًا بأنه محتجز هناك.
تعرضت للتهديد بالسجن عدة مرات بسبب تكرار ذهابي، لكنني واصلت البحث عنه. وبعد تسعة أشهر، سُمح لنا بزيارته للمرة الأولى. كانت الزيارة مرة كل أسبوعين، وكان التعامل معنا مليئًا بالإهانات والمضايقات".
ويضيف أن والده نُقل لاحقًا إلى زنزانة تضم سجناء من تنظيم القاعدة، فيما كان بعض الحراس يصفونه أمامهم بـ"الكافر" و"المرتد".
"كان ذلك يعرضه للمضايقات والاعتداءات. كما تعرض للعزل والتعذيب النفسي لفترات طويلة".
النفي وخروج الأسرة
انتهى اختطاف والد أيمن في أغسطس/آب 2020 بخروجه من السجن ونفيه خارج اليمن.
يقول أيمن: "لم يُسمح لنا برؤيته قبل مغادرته. وبعد نفيه أدركنا، أنا وأمي وأخواتي الثلاث، أننا لم نعد نشعر بالأمان بسبب المضايقات والمراقبة المستمرة لتحركاتنا، فقررنا مغادرة اليمن".
ولم تنته آثار التجربة بخروج الأسرة. فوالده، الذي كان يعمل محاسبًا في اليمن، اضطر إلى بدء حياة مهنية جديدة في بلد آخر وهو في منتصف الأربعينيات من عمره.
أما أيمن، فيقول إن نشر تجربته لا يتعلق بأسرته وحدها، وإنما برغبته في إيصال ما تعرض له البهائيون والدفاع عن حق المختلفين دينيًا وفكريًا في العيش دون اضطهاد.
ما الدين البهائي؟
البهائية ديانة توحيدية مستقلة نشأت في القرن التاسع عشر. ويعد البهائيون بهاء الله مؤسس دينهم ورسوله، ويرون أن رسالته امتداد لسلسلة من الرسالات الإلهية المتعاقبة.
ويؤمن البهائيون بوحدة الله والأديان والبشر، وبأن الرسالات الدينية جاءت من مصدر إلهي واحد في مراحل مختلفة من التاريخ.
وتشمل المبادئ الأساسية في المعتقد البهائي نبذ التعصب والمساواة بين الجنسين والتعليم والعدل وتناغم الدين والعلم، إلى جانب قيم الصدق والأمانة وخدمة المجتمع.
البهائية في اليمن
ترتبط البدايات التاريخية للبهائية باليمن منذ القرن التاسع عشر. ففي عام 1844 مر علي محمد الشيرازي، المعروف لدى البهائيين بـ"الباب" والمبشر بظهور بهاء الله، عبر ميناء المخا خلال رحلته إلى الحج.
وتشير المصادر البهائية إلى انتشار أتباع الديانة لاحقًا في عدد من المدن والمناطق اليمنية، بينها صنعاء وتعز وإب وعدن والمكلا والحديدة ولحج والضالع وشبوة وسقطرى.
كما عمل أفراد من البهائيين في مجالات الصحة والتعليم والتجارة والعمران، ومن بينهم ممارسون لمهن الصيدلة وطب الأسنان والعيون في عدد من المدن اليمنية.
وبذلك لم يكن وجود البهائيين في اليمن طارئًا مع الحرب الراهنة؛ إذ يمتد حضورهم في البلاد إلى أجيال، قبل أن تدخل علاقتهم بالسلطة الانقلابية مرحلة مختلفة مع تصاعد الاختطافات والملاحقات خلال السنوات الأخيرة.
قبل الحرب
يقول وليد عياش، الأمين العام للائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير، إن البهائيين عاشوا قبل الحرب ضمن المجتمع اليمني دون أن يواجهوا مستوى الاضطهاد الذي تعرضوا له لاحقًا، رغم غياب ضمانات قانونية واضحة تكفل حقوق الأقليات الدينية.
ويشير إلى أن الاختطافات على يد الحوثيين لم تكن دون سوابق؛ فقد سُجلت حالات اعتقال خلال حكم الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، إلا أنه يرى أنها لم تكن آنذاك جزءًا من سياسة اضطهاد شاملة تستهدف البهائيين كجماعة دينية.
وبعد سيطرة جماعة الحوثيين على صنعاء، تغير نطاق الانتهاكات وطبيعتها، وفق عياش، لتشمل الاختطافات والملاحقات والمحاكمات والتحريض الديني.
"إبادة صامتة"
يصف نادر السقاف، المتحدث باسم البهائيين في اليمن، ما تتعرض له الطائفة بأنه "إبادة صامتة" تستهدف هويتها ووجودها.
ويقول إن الضغوط لم تقتصر على الاختطاف، وإنما شملت إجبار أفراد على إخفاء هويتهم الدينية، ومغادرة قراهم ومدنهم، وفي حالات أخرى مغادرة اليمن.
وبحسب السقاف، صودرت أموال وممتلكات تعود لبهائيين، وأُغلقت مؤسسات تابعة لهم ونهبت محتوياتها، وفقد بعضهم وظائفهم ومصادر دخلهم، كما جُمدت معاملات مصرفية خاصة بهم.
وشملت الانتهاكات، وفق شهادته، التحريض ضد البهائيين في وسائل الإعلام وخطب دينية، والتهديد بالقتل والملاحقات الأمنية والتعذيب ومداهمة المنازل وإطلاق النار عليها، إلى جانب حرمان أطفال من التعليم والامتحانات ومصادرة بعض المقابر.
وأدت الملاحقات إلى انتقال أسر من مساكنها، خصوصًا من وردت أسماء أفراد منها ضمن قوائم المطلوبين.
ويقول السقاف إن المطلب الأساسي للبهائيين هو الاعتراف بهم مواطنين متساوين وتمكينهم من المشاركة في المجتمع دون إخفاء معتقدهم.
عقد من الاعتقالات والمحاكمات
منذ سيطرة الانقلابيين الحوثيين على صنعاء عام 2014، تعرض البهائيون لسلسلة من الاختطافات والمحاكمات، فيما صدرت أحكام بالإعدام ومصادرة الممتلكات بحق بعضهم.
وتفيد شهادات مختطفين سابقين بتعرضهم للتعذيب الجسدي والنفسي والحبس الانفرادي وسوء المعاملة والحرمان من بعض حقوقهم القانونية.
في أغسطس/آب 2016، اختطفت سلطات الحوثيين أكثر من 60 شخصًا، بينهم رجال ونساء وأطفال، خلال فعالية شبابية شارك فيها بهائيون وغير بهائيين.
وبحسب شهادات المشاركين، كانت الفعالية تتناول خدمة المجتمع والتعايش، فيما أُفرج عن عدد من المختطفين بعد تقديم ضمانات وتعهدات تتعلق بعدم المشاركة في أنشطة اجتماعية وثقافية.
وفي الفترة نفسها أُغلقت مؤسستا "نداء" و"التميز"، وصودرت وثائقهما ومعداتهما.
وتضمنت إحدى وثائق الاتهام المتعلقة بقضايا البهائيين إشارة إلى نشاطهم الخيري والإنساني، فيما ورد في سياق القضية أن "ظهور البهائيين بمكارم الأخلاق" قد يشجع مسلمين على اعتناق البهائية.
وفي هذه الحملة اختُطف نادر السقاف نحو أربعة أشهر ونصف في مقر الأمن القومي بصنعاء.
موجة جديدة من الاعتقالات
في أبريل/نيسان 2017 بدأت حملة اختطافات أخرى، وأصدرت أجهزة الأمن الخاضعة لجماعة الحوثيين أوامر بالقبض على عدد من البهائيين، بينهم السقاف. واختُطف عدد منهم بين أبريل/نيسان وأكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، واستمر احتجاز بعضهم سنوات.
وفي 2018 اختُطف بهائيون في المحكمة الجزائية المتخصصة بصنعاء على خلفية قضايا مرتبطة بمعتقدهم.
وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، رُفعت قضية ضد 24 بهائيًا أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، بينهم خمسة كانوا مختطفين منذ عام 2017.
وكان حامد بن حيدرة أبرز المتهمين؛ إذ صدر بحقه حكم بالإعدام ومصادرة ممتلكاته، إلى جانب الحكم بحل المؤسسات البهائية.
وتركزت الاتهامات الموجهة إلى المتهمين على التجسس والردة واتهامات مرتبطة بالدين البهائي.
وفي عام 2020 أيدت محكمة الاستئناف في صنعاء حكم الإعدام الصادر بحق بن حيدرة.
الإفراج المشروط بالنفي
في 25 مارس/آذار 2020 أعلنت جماعة الحوثيين العفو عن السجناء البهائيين والإفراج عنهم.
إلا أن تنفيذ الإفراج تأخر، قبل أن يغادر ستة مختطفين بهائيين اليمن في 30 يوليو/تموز 2020. ويؤكد البهائيون أن مغادرتهم كانت شرطًا فعليًا للإفراج عنهم، ولذلك يصفون ما حدث بأنه نفي قسري.
واستمرت بعد ذلك خطابات التحريض ضد البهائيين. ويشير ممثلو الطائفة إلى خطابات لعبدالملك الحوثي وقيادات أخرى، بينها خطابات في 27 أبريل/نيسان 2022 و17 فبراير/شباط و13 أبريل/نيسان 2023.
مداهمة جديدة في 2023
في 25 مايو/أيار 2023، داهم مسلحون حوثيون تجمعًا للبهائيين في صنعاء واختطفوا 17 شخصًا على الأقل، بينهم خمس نساء.
واستمر تغييب بعض المختطفين أكثر من عام قبل الإفراج عنهم على مراحل.
وبحسب شهادات بهائية، أُجبر بعض المختطفين خلال فترة تغييبهم على حضور ما تسميه جماعة الحوثيين "الدورات الثقافية"، كما طُلب منهم توقيع تعهدات تحد من تواصلهم مع بهائيين آخرين.
وهكذا لم تمثل عمليات الإفراج السابقة نهاية للملاحقات؛ إذ استمرت الاختطافات والتحريض والقيود المفروضة على ممارسة البهائيين لحياتهم الدينية والاجتماعية.
لماذا يُلاحق البهائيون؟
اعتنق وليد عياش الدين البهائي عام 2006، ويقول إن نشاطه في الدفاع عن حرية الدين والمعتقد كان أحد أسباب تعرضه للاختطاف.
ويرى عياش أن اضطهاد الحوثيين للبهائيين يرتبط بعاملين رئيسيين: التعصب الديني والنظر إلى المختلف بوصفه تهديدًا، من جهة، وتأثر الجماعة بسياسات السلطات الإيرانية تجاه البهائيين من جهة أخرى.
ويقول: "المشكلة لا تتعلق بالبهائيين وحدهم، وإنما بالتطرف والتعصب ورفض الآخر، وتصبح أخطر عندما تصل جماعات تحمل هذه الأفكار إلى السلطة".
ويضيف أن غياب دولة القانون وضمانات المواطنة المتساوية يجعل الأقليات أكثر عرضة للانتهاكات، مؤكدًا أن حرية الدين والمعتقد ينبغي أن تكون حقًا يحميه الدستور والقانون.
"قضية الدين علاقة شخصية بين الإنسان وربه، وليست مسؤولية الدولة محاسبة الناس على عقائدهم وإيمانهم. مسؤوليتها حماية حقوق المواطنين وحرياتهم وضمان العيش الكريم لهم".
اعتقال وإخفاء وتعذيب
تعرض عياش للاختطاف مرتين. كانت الأولى في أبريل/نيسان 2016 في صنعاء، وغُيّب في سجن الأمن القومي.
أما الاختطاف الثاني فكان في 18 أبريل/نيسان 2017 عند نقطة كيلو 16 على مدخل مدينة الحديدة.
يقول: "بقيت في الحديدة شهرًا ونصف الشهر، ثم نُقلت إلى صنعاء واحتُجزت في سجن شملان لمدة تسعة أشهر، وبعد ذلك نُقلت إلى مقر الأمن القومي في مبنى الأمن السياسي".
ويصف فترة تغييبه في شملان بأنها الأصعب، إذ كان مخفيًا قسرًا ولا تعرف أسرته مكانه.
ويضيف: "تعرضت خلال فترة الاختطاف لأشكال مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، بينها الضرب والتعليق والسب والشتم والحبس الانفرادي وتقليل الطعام والتهديد بالتصفية. كما وُضعت في زنازين مع سجناء من القاعدة وتنظيم داعش، وتعرضت للاعتداء منهم بعد التحريض ضدي".
ويقول إن ظروف الاحتجاز، خصوصًا في الحديدة وشملان، كانت "سيئة وغير إنسانية"، فيما امتدت آثار التجربة النفسية إلى ما بعد خروجه من السجن، دون أن يرغب في الخوض في تفاصيلها.
مطالب البهائيين
يربط البهائيون إنهاء الانتهاكات التي يتعرضون لها بإصلاحات قانونية ودستورية تضمن حرية الدين والمعتقد والمواطنة المتساوية لجميع اليمنيين.
وعلى المستوى المحلي، يطالبون بتضمين ضمانات صريحة في الدستور والقوانين تكفل حرية المعتقد والعيش المشترك والمساواة أمام القانون، وحق المنفيين في العودة إلى اليمن دون شروط أو عوائق.
كما يطالبون بوقف المحاكمات القائمة على المعتقد، وتعويض ضحايا الاعتقال والتعذيب والنفي، وإعادة الأموال والممتلكات المصادرة، وضمان حق الضحايا في مقاضاة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتشمل مطالبهم حرية ممارسة الشعائر الدينية، وإنشاء دور العبادة، والاحتفال بالمناسبات والأعياد الدينية، وتعليم الأبناء وفق معتقد أسرهم، إلى جانب الحق في إنشاء المؤسسات المدنية والتنموية.
ويطالب الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بمنحه ترخيصًا رسميًا، باعتباره إطارًا حقوقيًا يعمل على قضايا المواطنة وحرية المعتقد والأقليات داخل اليمن.
أما دوليًا، فيطالب ممثلو البهائيين بمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، وإدانة النفي القسري وتسخير القضاء للملاحقات القائمة على المعتقد، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض الديني، وتقديم الدعم للمنفيين والمهجرين إلى حين تمكنهم من العودة بأمان.
تكشف تجربة البهائيين في اليمن جانبًا من تداعيات الحرب يتجاوز خطوط المواجهة العسكرية، إذ وضعت سيطرة جماعة الحوثيين المسلحة على مؤسسات الدولة في مناطق سيطرتها الأقليات الدينية أمام سلطة أمر واقع وظفت أجهزة ومؤسسات عامة في ملاحقة المختلفين دينيًا، وقيدت حقهم في الاحتفاظ بهويتهم وممارسة معتقدهم بحرية.
فالاختطافات والمحاكمات والنفي ومصادرة الممتلكات والتحريض لا تمثل، بالنسبة إلى الضحايا، إلا قيودًا مستمرة على قدرتهم على العيش في بلدهم كمواطنين متساوين.
وتطرح هذه التجربة سؤالًا يتجاوز البهائيين أنفسهم: هل يستطيع اليمني أن يتمتع بكامل حقوق المواطنة عندما يختلف معتقده عن معتقد الأغلبية؟
بالنسبة إلى من قدموا شهاداتهم في هذه المادة، يبدأ الجواب من ضمان حق الإنسان في اختيار معتقده، وممارسته، والعيش في وطنه دون أن يصبح اختلافه سببًا للاعتقال أو النفي أو الحرمان من الحقوق.