عندما وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية الدفاع المشترك في مكة المكرمة في 7 أغسطس/آب، كانت أولى اختبارات هذا التحالف تتبلور بالفعل.
ففي اليوم السابق على توقيع الاتفاقية، كانت السعودية تستعد لاحتمال تعرّضها لهجمات من جانب الحوثيين في اليمن، بالتزامن مع تهديدات من جماعات مرتبطة بإيران في العراق، وسط مخاوف من استهداف منشآت الطاقة والموانئ والمطارات.
وتكرّس الاتفاقية الجديدة مبدأً لافتًا، مفاده أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا. إلا أن ما أُعلن من بنود الاتفاقية لا يحدد طبيعة الالتزامات العسكرية التي ستترتب على ذلك، ولا يوضح ما إذا كانت المساعدة ستكون تلقائية، أو ما هو شكل الاستجابة التي يُتوقع من الدولتين الأخريين تقديمها.
وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن تركيا وباكستان تستعدان للتدخل مباشرة في حرب اليمن. لكن وقوع هجوم حوثي جديد بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة على السعودية قد يجبر الدول الثلاث على الإجابة عن السؤال الذي تركته الاتفاقية دون حسم: ماذا يعني عمليًا أن يكون الهجوم على دولة واحدة هجومًا على الدول الثلاث؟
عتبة تفعيل الدفاع المشترك
يمثل الحوثيون حالة أكثر تعقيدًا من هجوم تقليدي تشنه دولة على دولة أخرى.
فالجماعة تسيطر على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وتمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وقدرات بحرية، كما تربطها علاقات سياسية وعسكرية وثيقة بإيران. وفي الوقت نفسه، تظل جماعة يمنية فاعلة لها قيادتها الخاصة وحساباتها الداخلية.
وهذا يجعل أي هجوم مستقبلي اختبارًا لمنطقة رمادية لم تحدد الاتفاقية علنًا كيفية التعامل معها.
فهل سيؤدي سقوط صاروخ في نجران، الواقعة على الجانب الآخر من الحدود مع اليمن، إلى تفعيل الالتزام الدفاعي الثلاثي؟ وماذا لو استهدفت طائرة مسيّرة منشأة نفطية؟ وهل ستنطبق الاتفاقية على سفينة أو منشأة سعودية تقع خارج أراضي المملكة؟
هذه التساؤلات أهم من احتمال إرسال قوات تركية أو باكستانية للقتال مباشرة ضد الحوثيين.
وعمليًا، قد تكون الخطوات الأولى التي يتخذها التحالف أقل إثارة بكثير؛ إذ يمكن أن يقدّم الشريكان للسعودية تبادلًا للمعلومات الاستخباراتية، وإنذارًا مبكرًا، ودفاعات جوية، وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة، ومراقبة بحرية، أو تعزيزات دفاعية تُنشر داخل الأراضي السعودية.
وبهذا المعنى، يمكن للتحالف الجديد أن يبدأ العمل فعليًا من دون أن تصبح أنقرة أو إسلام آباد طرفين مباشرين في الحرب الدائرة في اليمن.
مشكلة استراتيجية جديدة للحوثيين
على مدى سنوات، أتاحت القدرات الصاروخية والبحرية التي يمتلكها الحوثيون لهم ممارسة ضغط عسكري يتجاوز حدود اليمن، وأحيانًا بفاعلية كبيرة. لكن اتفاقية مكة قد تدفعهم إلى إعادة النظر في حساباتهم التكتيكية.
ويرى أحمد صالح، وهو عالم سياسي ومتابع للشأن اليمني، أن أهمية الاتفاقية بالنسبة إلى اليمن تكمن في قدرتها على إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية التي يتحرك فيها الحوثيون.
وقال صالح: «إذا واصل الحوثيون استهداف السعودية بعد اتفاقية مكة، فلن تعود حسابات التصعيد محصورة بين الحوثيين والرياض كما كانت في السابق. فكل هجوم جديد قد يدفع تركيا وباكستان إلى الانخراط بصورة أمنية أعمق إلى جانب المملكة، ما يعني أن الحوثيين قد يجدون أنفسهم في مواجهة دائرة أوسع من الدول التي أصبحت أمن السعودية بالنسبة إليها مصلحة مباشرة».
وقد يضع ذلك إيران أيضًا أمام معضلة استراتيجية. فطهران لا تملي كل قرار عسكري يتخذه الحوثيون، لكنها تتعاون بشكل وثيق مع الجماعة وتساعد في صياغة استراتيجيتها. وإذا أدى استمرار الضغوط المنطلقة من اليمن إلى توسيع نطاق التعاون الدفاعي حول السعودية، فسيتعين على إيران أن تأخذ في الحسبان أن إحدى أدوات نفوذها قد ينتهي بها الأمر إلى دفع مزيد من الدول إلى توثيق اصطفافها وتنسيقها في مواجهة إيران.
ما الذي قد يتغير عسكريًا؟
لا تحتاج السعودية إلى نشر قوات تركية أو باكستانية على الخطوط الأمامية في اليمن للاستفادة من الاتفاقية.
فطبيعة التهديد الحوثي تجعل الدفاع الجوي، والإنذار المبكر، والحرب الإلكترونية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، والاستطلاع البحري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية أكثر أهمية من مجرد زيادة أعداد القوات البرية. ويمكن لكل من تركيا وباكستان تعزيز القدرات السعودية في هذه المجالات.
وبالتالي، يتمثل السؤال العسكري الأساسي في ما إذا كانت أنقرة وإسلام آباد ستساعدان الرياض على جعل تنفيذ هجمات الحوثيين أكثر صعوبة، وأقل فاعلية، وأكثر كلفة.
وقال صلاح مؤيد، وهو قائد عسكري في صفوف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ويتمركز في المنطقة الساحلية الغربية للبلاد على امتداد البحر الأحمر: «التغيير العسكري المهم سيتمثل في مدى سرعة اكتشاف التهديد والتعامل معه قبل وصوله إلى هدفه. فإذا أسهمت الاتفاقية في تحسين الإنذار المبكر والدفاعات الجوية والاستطلاع وقدرات مكافحة الطائرات المسيّرة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، فإن تكلفة تنفيذ الهجوم نفسه سترتفع بالنسبة إلى الحوثيين، حتى لو لم تطأ قدم جندي تركي أو باكستاني واحد الأراضي اليمنية».
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن ميزان القوى داخل الحرب اليمنية سيتغير بصورة جوهرية. فهناك فارق أساسي بين مساعدة السعودية على الدفاع عن أراضيها وبين دعم حملة عسكرية تهدف إلى تغيير السيطرة على الأرض داخل اليمن.
فالاتفاقية هي اتفاق دفاعي بين الدول الموقعة عليها، وليست التزامًا بتغيير السيطرة على الأراضي داخل اليمن. وبوسع تركيا أو باكستان، على سبيل المثال، المساعدة في اعتراض صاروخ متجه نحو السعودية، من دون تقديم أي دعم لعمليات عسكرية داخل اليمن.
اختبار البحر الأحمر
قد لا يأتي الاختبار الأول عبر الحدود البرية على الإطلاق.
فقد أصبح البحر الأحمر جزءًا محوريًا من الاستراتيجية الإقليمية للحوثيين منذ عام 2023، عندما شنوا للمرة الأولى سلسلة من الهجمات على سفن مرتبطة بإسرائيل، في محاولة للضغط على إسرائيل لوقف حربها في غزة. وأدت الهجمات على الملاحة البحرية إلى تحويل باب المندب — المضيق الضيق الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر — إلى ساحة للمواجهة.
وبالنسبة إلى السعودية، يمثل البحر الأحمر ممرًا حيويًا للطاقة والتجارة، كما يضم موانئ ومشروعات اقتصادية كبرى ذات أهمية استراتيجية.
وهذا يعني أن أول تطبيق عملي للاتفاقية قد يظهر في البحر، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة الجوية والبحرية، وحماية منشآت الطاقة وخطوط الملاحة، أو التعاون في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ. وسيكون لمثل هذا التعاون مخاطر سياسية أقل من تنفيذ ضربات داخل اليمن، لكنه قد يضيّق في الوقت نفسه الهامش العملياتي المتاح للحوثيين.
واشنطن أمام معادلة جديدة
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد تفضي الاتفاقية إلى تأثيرين متناقضين.
فمن ناحية، أمضت واشنطن سنوات تحث حلفاءها وشركاءها على تحمّل قدر أكبر من المسؤولية عن أمنهم. وإذا تمكنت السعودية وتركيا وباكستان من حماية البنية التحتية وخطوط الملاحة بشكل أفضل، واعتراض التهديدات من دون الاعتماد المستمر على القوات الأمريكية، فإن ذلك سيكون منسجمًا مع منطق تقاسم الأعباء الأمنية.
لكن تعزيز القدرات الإقليمية يعني أيضًا مزيدًا من الاستقلالية في اتخاذ القرار.
وقد يظهر هذا التوتر سريعًا في اليمن. فقد تدعم واشنطن تعزيز الدفاعات السعودية، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى منع أي هجوم حوثي من إشعال جولة جديدة من الحرب في اليمن. وفي المقابل، قد تتخذ الرياض وأنقرة وإسلام آباد قرارات جماعية بشأن حجم الرد المناسب لا تتوافق دائمًا مع تفضيلات واشنطن.
الردع أم مسار جديد نحو التصعيد؟
لن يُقاس نجاح اتفاقية مكة بعدد الطائرات أو القوات التي تستطيع الدول الثلاث حشدها، بل سيكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الاتفاقية قادرة على جعل شنّ هجوم على السعودية أكثر كلفة، من دون أن تجعل اندلاع حرب إقليمية أوسع أمرًا أكثر ترجيحًا.
فإذا جاء الرد على هجوم كبير محدودًا إلى درجة تكشف معها هشاشة الالتزام الدفاعي المشترك، فقد يعمد الحوثيون إلى اختبار حدود الاتفاقية من جديد.
أما إذا أدى كل هجوم إلى رد واسع أو إلى تجدد التصعيد داخل اليمن، فقد تتحول الاتفاقية نفسها إلى آلية لتوسيع نطاق المواجهة التي أُبرمت أساسًا لردعها.
وبين هذين الاحتمالين تكمن المعادلة الأصعب: بناء قدرة ردع ذات مصداقية من دون فتح الباب أمام حرب جديدة.
ولم يُعلَن عن اتفاقية مكة بوصفها تحالفًا ضد الحوثيين، لكن قد يكون الحوثيون أول من يختبر حدودها.