إن الأمر المهم الذي ينبغي فهمه بشأن مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها بين إيران والولايات المتحدة هو أنها ليست اتفاق سلام، بل اتفاق يفتح الطريق أمام مزيد من المحادثات حول اتفاق سلام محتمل يشمل قضايا مثل البرنامج النووي الإيراني.
ولم يكشف أي من الطرفين عن التفاصيل، غير أن ما أفهمه هو أنه جرى الاتفاق على أربع نقاط:
1- وقف كامل لجميع الأعمال القتالية، بما في ذلك الحرب الإسرائيلية في لبنان.
2- إعادة فتح مضيق هرمز بصورة فورية.
3- أن تدفع الولايات المتحدة لإيران 24 مليار دولار من أصولها المجمّدة، التي تُقدَّر بما بين 100 و120 مليار دولار.
4- أن ترفع واشنطن العقوبات التي تعيق بيع إيران لنفطها في الأسواق العالمية.
وإذا كان هذا التصور صحيحاً، ولو بنسبة النصف، فإنه يمثّل نجاحاً كبيراً لطهران.
لكن لماذا قد يتراجع دونالد ترامب عن تصريحاته الأولية عند اندلاع هذه الحرب، والتي تحدث فيها عن إحداث تغيير في النظام الإيراني وما إلى ذلك؟
أول ما ينبغي الإشارة إليه هو ما لاحظته مجلة «الإيكونوميست»:
«لقد ألحقت إيران أضراراً بحجم غير متوقع من المعدات والأصول الأميركية.»
وأضافت المجلة:
«ستكون الخسائر أكبر بكثير في حال اندلاع حرب مع الصين.»
فقد استهدفت إيران قواعد أميركية في الخليج، والأهم من ذلك مواقع رادار تُعد حيوية لأي حرب جوية أميركية ضدها، إلى جانب طائرات وأصول اقتصادية أميركية، مثل مركز بيانات تابع لشركة أمازون.
وبطبيعة الحال، ألحقت الولايات المتحدة وإسرائيل أضراراً جسيمة بإيران، إلا أنهما لم تتمكنا من تدمير منشآتها النووية أو ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة، إذ إن جميعها مدفونة في أعماق الأرض.
ثانياً، وعلى الرغم من أن دونالد ترامب واصل إطلاق التهديدات تلو الأخرى، فإنه كان من الصعب للغاية تصور إقدام الولايات المتحدة على تصعيد الموقف. فقد كان بإمكانها استئناف الضربات الجوية، غير أنها لم تتمكن، خلال شهر كامل من القصف، من تقليص القدرات العسكرية الإيرانية. كما استُبعد إرسال قوات برية بسبب عدم شعبية الحرب داخل الولايات المتحدة، في حين بدت التهديدات بالسيطرة على جزيرة خرج أو مخزونات إيران من اليورانيوم المخصب مجرد هراء لا يستند إلى واقع. كذلك، بدا الحصار الأميركي على مضيق هرمز محدود الفاعلية نسبياً، إذ اضطرت السفن الحربية الأميركية إلى البقاء على مسافات بعيدة تفادياً لخطر الصواريخ الإيرانية.
وفي المقابل، كان بإمكان إيران تصعيد المواجهة عبر استهداف مصالح أميركية في الكويت والبحرين والأردن، أو من خلال إغلاق مضيق باب المندب بالتنسيق مع الحوثيين، وهو الممر الحيوي الذي يربط البحر الأحمر، وبالتالي قناة السويس، بالمحيط الهندي. وكان من شأن ذلك أن يدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة أزمة حادة.
ثالثاً، كان ترامب يواجه ضغوطاً شديدة من رأس المال المالي متعدد الجنسيات، ومن المملكة العربية السعودية ودول الخليج، فضلاً عن معظم دول العالم، التي كانت تخشى التداعيات المحتملة لإغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي واقتصاداتها المحلية.
وأخيراً، يواجه ترامب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، وكان إغلاق مضيق هرمز ينعكس سلباً على الاقتصاد الأميركي، وبالتالي يؤثر في استطلاعات الرأي. وقبل اندلاع هذه الحرب، قيل إن الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً من النفط، غير أن الواقع أظهر أنها مكتفية بالنفط الخام الخفيف فقط، لا بالنفط الخام الثقيل، الذي يأتي الجزء الأكبر منه من منطقة الخليج. كما تأثر الاقتصاد الأميركي بنقص الأسمدة، الأمر الذي أثار استياء المزارعين الأميركيين وكبرى الشركات العاملة في القطاع الزراعي.
وباختصار، لم يكن أمام ترامب خيار يُذكر سوى التوصل إلى اتفاق يفضي إلى إنهاء هذه الحرب.
غير أن العقبة الأساسية هنا تتمثل في إسرائيل.
فقد قال رئيس وزراء باكستان، الذي قام بدور الوسيط، عقب الإعلان عن الاتفاق، إن «الجانبين أعلنا الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان».
لكن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أكد أن بلاده لن تنسحب من الأراضي التي سيطرت عليها في لبنان ما دام الاتفاق المؤقت قائماً. وأضاف أن إسرائيل تعتزم البقاء «إلى أجل غير مسمى» في المناطق التي تسيطر عليها في لبنان، وكذلك في سوريا وقطاع غزة.
كما هدد كاتس بأنه إذا شنت إيران هجوماً على إسرائيل، فإن إسرائيل سترد بضرب إيران «بقوة كبيرة». وفي يوم الأحد، وقبل ساعات من توصل الولايات المتحدة وإيران إلى الاتفاق، شنت إسرائيل غارات على بيروت استهدفت حزب الله.
وقد انتقد ترامب ذلك، بعدما حذرت كل من الولايات المتحدة وإيران من استهداف بيروت بشكل مباشر في وقت كانت فيه محادثات السلام لا تزال جارية.
وهناك اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل والحكومة اللبنانية بوساطة أميركية، إلا أن الحكومة اللبنانية لا تملك نفوذاً فعلياً، فيما لم يقم الجيش اللبناني بأي تحرك للدفاع عن السيادة اللبنانية، وهو الدور الذي قام به حزب الله.
لكن داخل إسرائيل، حيث تدور حملة انتخابية حالياً، يهاجم المعارضون بنيامين نتنياهو بسبب موافقته الأولية على مطلب ترامب الغاضب بوقف قصف بيروت، معتبرين أنه سلّم السياسة العسكرية الإسرائيلية للنفوذ الأميركي.
وتكمن المشكلة في أن نتنياهو بنى مسيرته السياسية، على مدى عقود، على أساس ما اعتبره ضرورة حتمية لتدمير إيران، ليس تغيير النظام فيها فحسب، بل تدميرها فعلياً، على غرار ما حدث في ليبيا وسوريا والصومال، مدعياً أنها تمثل تهديداً وجودياً لإسرائيل. غير أن تحقيق ذلك كان يتطلب القوة الأميركية.
وفي فبراير/شباط الماضي، تمكن هو ورئيس جهاز الموساد، دافيد برنياع، من إقناع ترامب بأن الضربات الجوية المكثفة والمستمرة قد تؤدي إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية خلال أيام، إن لم يكن خلال ساعات. وقد جاء ذلك رغم اعتراض قيادات الجيش الأميركي وسلاحي البحرية والقوات الجوية، بدعم من أجهزة الاستخبارات.
إلا أن ذلك لم يحدث، وفي نهاية المطاف توصل ترامب إلى مذكرة التفاهم هذه مع إيران، بعدما أبقى إسرائيل خارج مسار المفاوضات.
وبات نتنياهو الآن يواجه حقيقة أن تعهده الذي كرّره على مدى عقود بتدمير إيران لم يتحقق، وأن الولايات المتحدة من المستبعد جداً أن تنخرط مجدداً في هذا المسار. وبعبارة أخرى، فقد أخفق في المهمة التي كرّس لها حياته السياسية، وهو ما لا يصب في مصلحة آماله بإعادة انتخابه.
ويؤيد غالبية الإسرائيليين الحرب ضد إيران وحزب الله، إلا أن ثمة إدراكاً متنامياً بدأ يتشكل بأن ترامب قد لا يقف مكتوف الأيدي إذا ما واصلت إسرائيل حربها في لبنان، بما يهدد اتفاق وقف إطلاق النار. كما توجد داخل إسرائيل أصوات أكثر اتزاناً تدرك أن إسرائيل تعتمد على الولايات المتحدة مالياً وعسكرياً، وأنها من دون هذا الدعم تصبح دولة شديدة الهشاشة في منطقة مضطربة ومحفوفة بالمخاطر.
وكل ذلك لا يحمل أخباراً جيدة لإسرائيل.
سلام دائم؟
تسري مذكرة التفاهم لمدة 60 يوماً، وخلال هذه الفترة يُفترض أن تبدأ المفاوضات بشأن اتفاق سلام دائم. ومع ذلك، أجد من غير المرجح أن تُفضي هذه المفاوضات إلى اتفاق نهائي.
فالولايات المتحدة تضع البرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم المخصب على رأس أولوياتها، في حين يأتي هذا الملف في ذيل قائمة القضايا التي ترغب إيران في مناقشتها. إذ لا تُبدي طهران ثقة بترامب أو بالولايات المتحدة، بعدما قامت واشنطن مرتين، في يونيو/حزيران من العام الماضي وفبراير/شباط من هذا العام، بقصف إيران في وقت كانت المفاوضات لا تزال جارية.
ويبدو أن ترامب يعتقد بإمكان التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي خلال أيام أو أسابيع، غير أن خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (JCPOA)، التي تم التوصل إليها بين إيران والولايات المتحدة والدول الأوروبية والصين وروسيا، استغرقت أشهراً من المناقشات المعقدة. ولا أرى أن الأمر سيكون مختلفاً هذه المرة.
وقد مزّق ترامب اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة، وأراهن أنه يتمنى الآن لو أنه لم يفعل ذلك. ففي ظل هذا الاتفاق، كان المفتشون الدوليون المعنيون بالرقابة النووية قادرين على تفتيش جميع المنشآت النووية الإيرانية، غير أن ذلك انتهى عندما تراجع ترامب عنه.
والأهم من ذلك أن لدى إيران عدداً من الملفات التي تريد تسويتها أولاً من أجل إعادة بناء قدر من الثقة. وتشمل هذه الملفات إنهاء العقوبات، ودفع تعويضات، والإفراج عن جميع الأصول الإيرانية المجمّدة. غير أن نقاط الخلاف المحتملة في هذه القضايا تبدو هائلة ومعقدة للغاية.
لكن إيران تدرك أمرين أساسيين: أولاً، أن ترامب لن يعيد إشعال الحرب، وثانياً، أن إسرائيل غير قادرة على هزيمتها بمفردها. أما بالنسبة إلى ترامب، فإن ذلك يُعد نوعاً من الإحراج السياسي، لكنه على الأرجح لن يحمّل نفسه المسؤولية، بل قد يلقي باللوم على نتنياهو باعتباره قاده إلى مسار مضلل.