مع توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، تبدو الجمهورية الإسلامية أمام اختبار أكثر تعقيداً من المواجهة العسكرية، فالنظام الذي نجح في الصمود أمام الحملة الأميركيةـالإسرائيلية يجد نفسه اليوم أمام معضلة داخلية تجمع بين مطلبين متناقضين: إرضاء غلاة المحافظين الذين يعتبرون أن إيران خرجت منتصرة من الحرب، مطالبين باستخدام الأموال لترميم القدرات العسكرية، وبين الاستجابة لمطالب ملايين الإيرانيين الذين ينتظرون تحسناً ملموساً في أوضاعهم المعيشية بعد سنوات من العقوبات والأزمات الاقتصادية والدمار في بلدهم.
وتشير تقديرات محللين ومسؤولين إيرانيين إلى أن التحدي الحقيقي بدأ بمجرد توقف القتال، فالحرب سمحت للسلطات بتعبئة المجتمع خلف خطاب المواجهة الوطنية، لكن انتهاءها يعيد الأنظار سريعاً إلى التضخم والبطالة وتراجع العملة وتكاليف إعادة الإعمار، وهي ملفات لا يمكن معالجتها بالشعارات السياسية أو الأمنية.
وأقر أربعة مسؤولين لرويترز، صراحة أو ضمنا، بمخاطر تجدد الاحتجاجات إذا فشلت السلطات في تحسين مستويات المعيشة.
معسكران.. وتوقعات متضاربة
خلال الأشهر الثلاثة الماضية، عززت الحرب نفوذ التيار المحافظ المتشدد داخل النظام الإيراني، ويشعر كثير من أنصار هذا التيار بأن المواجهة أثبتت صحة رؤيتهم القائمة على التشدد تجاه الغرب وإعطاء الأولوية للقوة العسكرية.
ويرى هؤلاء أن إيران صمدت في وجه هجوم أميركي وإسرائيلي واسع النطاق من دون أن تنهار الدولة أو يتغير النظام السياسي، وأن هذا الصمود يمنحهم شرعية إضافية للمطالبة بموقف أكثر صرامة في أي مفاوضات مقبلة مع واشنطن، إضافة إلى تخصيص موارد كبيرة لإعادة بناء القدرات العسكرية التي تضررت خلال الحرب.
في المقابل، ينظر قطاع واسع من الإيرانيين إلى نهاية الحرب من زاوية مختلفة تماماً، فبالنسبة لهم لا تكمن الأولوية في الصواريخ أو التوازنات الإقليمية، بل في تحسين مستوى المعيشة وإعادة تشغيل الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتعويض الخسائر التي خلفتها الحرب.
وبين هذين المعسكرين تقف القيادة الإيرانية أمام معادلة شديدة الحساسية: أي ميل واضح نحو الإنفاق العسكري قد يثير غضب الشارع الذي ينتظر انفراجاً اقتصادياً، وأي تركيز مفرط على الاقتصاد قد يثير امتعاض القوى المحافظة التي تعتبر نفسها صاحبة الفضل في "الصمود والانتصار".
الاقتصاد.. التحدي الأكثر إلحاحاً
كان الاقتصاد الإيراني يعاني أصلاً قبل اندلاع الحرب. فسنوات العقوبات الأميركية أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض قيمة الريال، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، بينما أضافت الحرب أعباء جديدة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقطاع الصناعي.
وبحسب تقديرات فإن النظام قد يكون مستعداً لمزيد من المرونة الاجتماعية بهدف تخفيف الاحتقان الشعبي، لكنه لن يُظهر التسامح نفسه في المجال السياسي.
غلاة المحافظين: لماذا التفاوض الآن؟
رغم أن التيار المحافظ المتشدد خرج أكثر نفوذاً من الحرب، فإن جزءاً منه لا يخفي استياءه من الاتفاق مع الولايات المتحدة.
وتبرز داخل هذا المعسكر خصوصاً "جبهة بايداري"، التي تضم شخصيات برلمانية وإعلامية وسياسية نافذة، ويرى كثير من أنصارها أن إيران كان ينبغي أن تنتظر ظروفاً أفضل قبل الدخول في مفاوضات مع واشنطن، خاصة بعد التضحيات الكبيرة التي قدمتها خلال الحرب.
ويعبر بعض أنصار هذا الاتجاه عن غضبهم لأن الاتفاق يأتي بعد مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في الأيام الأولى للحرب، ويعتبرون أن المصافحة مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة تتناقض مع خطاب الثأر الذي ساد خلال أشهر القتال.
ومع ذلك، فإن نفوذ هذا التيار لا يبدو كافياً لتغيير سياسة الدولة، خصوصاً أن الحرس الثوري، الذي خرج أكثر قوة من الحرب، يبدو مستعداً لدعم اتفاق يضمن استقرار النظام ويمنحه فرصة لإعادة بناء قدراته العسكرية والاقتصادية.
الحرس الثوري ومجتبى خامنئي
أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب يتمثل في تعاظم دور الحرس الثوري داخل بنية النظام، فالمؤسسة العسكرية الأمنية أصبحت أكثر تأثيراً في رسم السياسات الداخلية والخارجية، كما دعمت صعود مجتبى خامنئي إلى موقع القيادة العليا خلفاً لوالده.
وقد يلعب الحرس الثوري دوراً مزدوجاً في المرحلة المقبلة، فمن جهة سيدفع نحو إعادة بناء القدرات العسكرية بسرعة، ومن جهة أخرى سيحاول ضبط أي معارضة داخلية، سواء جاءت من الشارع الغاضب أو من المحافظين المتشددين الرافضين للاتفاق.
هل تكفي أموال السلام؟
يبقى السؤال المركزي الذي يواجه القيادة الإيرانية اليوم ليس كيف تنهي الحرب، بل كيف تدير المرحلة بعدها، فالاتفاق قد يوفر بعض الانفراج المالي من خلال تخفيف العقوبات أو الإفراج عن أصول مجمدة، لكنه لا يضمن تلقائياً معالجة المشكلات الهيكلية للاقتصاد الإيراني.
ولهذا تبدو القيادة الإيرانية أمام سباق مع الزمن فكلما تأخرت النتائج الاقتصادية الملموسة، ارتفعت احتمالات عودة الغضب الشعبي، وفي المقابل، كلما زادت التنازلات الاقتصادية والاجتماعية، ارتفع خطر الصدام مع التيار المحافظ المتشدد.
وبين الشارع الذي يريد وظائف وتحسيناً لمستوى المعيشة، والمحافظين الذين يشعرون بالنصر ويريدون إعادة التسلح ومواصلة المواجهة مع الغرب، تجد الجمهورية الإسلامية نفسها أمام معركة مختلفة تماماً عن تلك التي خاضتها خلال الأشهر الماضية تتجلى بالحفاظ على التوازن الداخلي، وهي معركة قد تحدد مستقبل النظام أكثر مما فعلت الصواريخ والطائرات الأمريكية والإسرائيلية في ساحات القتال.