تحليل: هل يصبح باب المندب النسخة الجديدة من مضيق هرمز؟
يمن فيوتشر - هورن ريفيو - يوناس ييزيزيو- ترجمة خاصة الثلاثاء, 09 يونيو, 2026 - 01:08 صباحاً
تحليل: هل يصبح باب المندب النسخة الجديدة من مضيق هرمز؟

[ الحرة ]

عندما أفادت وكالة تسنيم للأنباء، المعروفة بصلاتها الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني، بأن إيران علّقت المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، وأعلنت استعدادها لإغلاق مضيق هرمز بالتوازي مع فتح جبهات أخرى، مع الإشارة صراحة إلى باب المندب، كان المبرر المُعلن لذلك هو استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان. غير أن السؤال الأكثر تعقيدًا يتمثل في ما إذا كان هذا الممر البحري الضيق بين خليج عدن والبحر الأحمر بات يندرج ضمن الفئة نفسها من التهديدات الاستراتيجية التي يمثلها مضيق هرمز، أم أنه قد يتحول إلى تهديد أشد خطورة.

ويُعدّ مضيق باب المندب شريانًا بحريًا حيويًا يربط المحيط الهندي، عبر خليج عدن، بالبحر الأحمر. ويبلغ عرض المضيق في أضيق نقاطه نحو 29 كيلومترًا، ما يجعله معبرًا أساسيًا لجزء كبير من التجارة العالمية. وقد اعتمدت المملكة العربية السعودية على خط الأنابيب الشرقي-الغربي (بترولاين) الممتد إلى ينبع على البحر الأحمر لتجاوز المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، رافعة طاقته التشغيلية إلى ما يقارب الحد الأقصى البالغ نحو سبعة ملايين برميل يوميًا. إلا أن هذا التحول لا يؤدي سوى إلى نقل جزء من المخاطر إلى ممر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ومن شأن أي تعطّل كامل أو حتى جزئي لحركة الملاحة في هذا المضيق أن يضاعف الضغوط القائمة، إذ سيُجبر السفن على إعادة توجيه مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح في أفريقيا، ما سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة أقساط التأمين، ودفع أسعار الطاقة عالميًا نحو مزيد من الارتفاع.

ويبرز هذا التهديد في ظل استمرار تصاعد التوترات الإقليمية، إذ يشكل جزءًا من شبكة أوسع ومترابطة من الصراعات تشمل الطموحات النووية الإيرانية، وشبكات الوكلاء الإقليميين، والمواجهات المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة. وبعد أشهر من التصعيد الحاد، أتاح وقف إطلاق نار هش في أبريل/نيسان 2026 فترة تهدئة مؤقتة، غير أن الضغوط المتكررة قوضت استمراريته. وترى طهران أن أي اتفاق شامل مع الولايات المتحدة يتطلب خفض التصعيد على “جميع الجبهات”، بما في ذلك لبنان. كما علّقت تبادل الرسائل عبر الوسطاء احتجاجًا على ما تصفه بانتهاكات إطار وقف إطلاق النار.

في المقابل، تبنى (ماركو روبيو)، وزير الخارجية الأمريكي، موقفًا حازمًا خلال شهادته أمام الكونغرس، مؤكدًا أن واشنطن تسعى إلى التعامل مع المحادثات الإسرائيلية-اللبنانية باعتبارها مسارًا منفصلًا ومستقلًا عن إيران. ويعكس هذا التوجه نحو الفصل بين الملفات جوهر التباين القائم، إذ تهدف الولايات المتحدة إلى إبرام تفاهمات محددة تتعلق بالملف النووي وإعادة فتح مضيق هرمز، في حين توظف إيران شبكتها الإقليمية للضغط باتجاه انتزاع تنازلات أوسع نطاقًا.

وفي 3 يونيو/حزيران 2026، توصلت إسرائيل ولبنان إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار بوساطة أمريكية، الأمر الذي أسهم في خفض أسعار النفط. ويتضمن الاتفاق مناطق تطبيق تجريبية، ويهدف إلى تثبيت الأوضاع في أعقاب الإطار التوافقي الذي أُقرّ في أبريل/نيسان. ومع ذلك، لا يزال الاتفاق شديد الهشاشة؛ إذ سرعان ما وضعت تقارير فورية عن اندلاع اشتباكات، وغارات إسرائيلية في جنوب لبنان، ونشاط صاروخي لـ”حزب الله”، مدى صموده على المحك خلال ساعات من الإعلان عنه. ويفتح هذا التطور نافذة محتملة لخفض التصعيد على الساحة اللبنانية، وهي الجبهة التي ربطتها إيران باستمرار بتحذيراتها المتعلقة بمضيق باب المندب. غير أن هشاشة الترتيب القائم واستمرار الضبابية الميدانية يبرزان مدى سهولة عودة التوترات إلى الواجهة.

علاوة على ذلك، رفض “حزب الله” خطة وقف إطلاق النار التي رعتها الولايات المتحدة، والتي كانت الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية قد وافقتا عليها، ما ألقى بظلال من الشك على مستقبل الهدنة في لبنان ومسار مفاوضات السلام الإقليمية. وقد رفض زعيم الجماعة (نعيم قاسم) الخطة معتبرًا أنها ستضر بالمجتمعات اللبنانية وتقوض مصالح لبنان. وطالب بوقف كامل لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، مؤكدًا أن استمرار قصف القرى اللبنانية يعني أن شمال إسرائيل لن ينعم بالأمان.

ويعكس ذلك التعقيد البنيوي للصراع الأوسع المرتبط بمحور إيران الإقليمي. فقد شكّل الدعم الإيراني طويل الأمد لـ”حزب الله” ركيزة أساسية في الاستراتيجية الإيرانية، إذ استثمرت طهران على مدى سنوات بصورة مكثفة في الجماعة باعتبارها قوة ردع متقدمة في مواجهة إسرائيل. كما ربط قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني (إسماعيل قاآني)، إلى جانب مسؤولين كبار آخرين، احتمال تعطّل الملاحة في مضيق باب المندب باستمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان، مقدمين ذلك باعتباره جزءًا من استجابة موحدة لما يُعرف بـ”محور المقاومة”. وفي المقابل، انتهجت الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم تصنيفهما كلًا من حماس و”حزب الله” منظمتين إرهابيتين، مقاربات مختلفة في التعامل معهما؛ إذ مارست إسرائيل ضغطًا عسكريًا متواصلًا على “حزب الله” نظرًا لما تعتبره تهديدًا مباشرًا على حدودها، فضلًا عن امتلاكه ترسانة عسكرية متطورة.

ومن شأن انهيار التهدئة في لبنان أو استمرار حالة الجمود لفترة طويلة أن يزيد من احتمالات تصعيد إيران للضغط على جبهات أخرى. وتُعدّ أحد السيناريوهات الأكثر ترجيحًا توظيف جماعة الحوثيين في اليمن ومضيق باب المندب كورقة ضغط إضافية. ويؤدي ذلك إلى خلق تأثير مضاعف بالغ الخطورة، بحيث يمكن لفشل هدنة محلية محدودة أن يتسبب في سلسلة اضطرابات تمتد عبر البحر الأحمر، بما يفاقم الأزمة القائمة أصلًا في مضيق هرمز.

وتُعدّ جماعة الحوثيين في اليمن الأداة الرئيسية التي تعتمد عليها إيران في التهديدات المرتبطة بمضيق باب المندب، بما يوفر لطهران هامشًا من الإنكار المقبول سياسيًا بشأن مسؤوليتها المباشرة. وبعد أن سبق للجماعة أن عطّلت حركة الملاحة في البحر الأحمر على نطاق واسع، فقد أثبتت امتلاك قدرات فعلية على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، بما في ذلك صواريخ باليستية متطورة مضادة للسفن يُعتقد أنها مستندة إلى تصاميم إيرانية. كما ساوى مسؤولون إيرانيون بارزون، بمن فيهم مستشارون مثل علي أكبر ولايتي، بشكل صريح بين مضيقي باب المندب وهرمز من حيث الأهمية الاستراتيجية، مؤكدين في تصريحاتهم أن “القيادة الموحدة لجبهة المقاومة” تنظر إلى المضيقين باعتبارهما على الدرجة نفسها من الأهمية.

ورغم أن تحركات جماعة الحوثيين ظلت حتى الآن محسوبة الإيقاع نسبيًا، إلا أنها ركزت على عمليات الإزعاج العسكري، وإطلاق هجمات محددة باتجاه إسرائيل، إلى جانب تعطيل انتقائي لحركة الملاحة البحرية. كما أظهرت الجماعة قدرة لافتة على الصمود، ما يمكّنها من الحفاظ على مستوى من الضغط حتى في مواجهة التحالفات البحرية الدولية. وعلى الرغم من وجود تحديات تتعلق بإعادة الإمداد والتسليح، فإن البنية التحتية اللازمة للتصعيد السريع لا تزال قائمة. 
ومن جهتها، تنظر دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية، بقلق بالغ إلى أي احتمال لإغلاق مضيق باب المندب. وقد سعت هذه الدول إلى الحصول على ضمانات من جماعة الحوثيين بعدم استهداف سفنها، كما تعتمد على مسارات البحر الأحمر بوصفها بدائل استراتيجية عندما يواجه مضيق هرمز قيودًا أو اضطرابات. ومن شأن أزمة متزامنة تشمل نقطتي اختناق بحريتين أن تُلحق أضرارًا جسيمة باقتصادات المنطقة وباستقرار أسواق الطاقة العالمية. أما على المستوى الدولي الأوسع، فإن أي تعطّل متزامن قد يؤدي إلى عرقلة ما يصل إلى ربع تدفقات النفط والغاز العالمية، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات متسلسلة تشمل ارتفاع معدلات التضخم، واضطراب سلاسل الإمداد، وإبطاء وتيرة النمو الاقتصادي العالمي.

ومن شأن الإغلاق المحتمل لمضيق باب المندب أن يوجّه ضربة قاسية، على نحو خاص، إلى دول القرن الأفريقي. فحتى الإغلاق القائم أصلًا لمضيق هرمز أفضى بالفعل إلى أزمات اقتصادية حادة في أنحاء المنطقة، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، وتعطل سلاسل الإمداد، وتصاعد معدلات التضخم. وتقع دول مثل جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا والصومال على مقربة مباشرة من المضيق، وتعتمد بدرجة كبيرة على موانئها لتأمين معظم وارداتها - باستثناء إثيوبيا غير الساحلية - بما يشمل الوقود والمواد الغذائية والأدوية والأسمدة. ومن شأن أي توقف لحركة الملاحة في هذا الممر أن يخنق فورًا هذه الشرايين الحيوية.

فعلى سبيل المثال، تعتمد إثيوبيا، بوصفها دولة غير ساحلية، بصورة شبه كاملة على الوصول عبر جيبوتي لتأمين أكثر من 95% من تجارتها من حيث الحجم. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى نقص حاد في السلع الأساسية، وارتفاع كبير في تكاليف الاحتياجات المعيشية، فضلًا عن زيادة المخاطر التي تهدد الاستقرار في اقتصادات تعاني أصلًا من الهشاشة. كما أن الضغوط المتزامنة الناجمة عن تعطّل الملاحة في كل من مضيقي هرمز وباب المندب قد تُفضي إلى أزمات متداخلة في مجالات الطاقة والأمن الغذائي والتجارة، وهو ما سيكون بالغ التأثير على منطقة القرن الأفريقي على وجه الخصوص، وقد يؤدي إلى تفاقم التنافسات المحلية والإقليمية القائمة.

وفي المقابل، تضيف التوترات بين واشنطن وتل أبيب بُعدًا آخر من التعقيد إلى المشهد. فقد كشفت تقارير عن اتصال هاتفي متوتر بين (دونالد ترامب) ورئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) عن خلافات حادة، حيث مارس ترامب ضغوطًا على إسرائيل للحد من عملياتها في لبنان حفاظًا على المساعي الدبلوماسية الأوسع مع إيران. وفي المقابل، أعطت حكومة نتنياهو الأولوية لتحييد التهديدات المباشرة الصادرة عن “حزب الله”، معتبرة أن مواصلة الضغط العسكري تمثل عنصرًا أساسيًا لضمان الأمن على المدى الطويل. وتُبرز هذه التباينات اختلاف الأولويات بين الجانبين، وقد تمنح إيران هامشًا إضافيًا للمناورة عبر إظهار الانقسامات بصورة علنية.

وعلى الصعيد الداخلي في الولايات المتحدة، تصاعدت المعارضة داخل الكونغرس لاستمرار الانخراط في صراع مطول مع إيران. ففي 3 يونيو/حزيران، أقر مجلس النواب قرارًا بموجب قانون صلاحيات الحرب يدعو إلى سحب القوات الأمريكية من الأعمال القتالية المرتبطة بإيران، ما لم يمنح الكونغرس تفويضًا صريحًا بمواصلة العمليات العسكرية. وشهد التصويت انضمام عدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين، في مؤشر يعكس تنامي القلق المشترك بين الحزبين إزاء مخاطر التصعيد.

وتسعى إدارة دونالد ترامب إلى التوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني، ويؤدي إلى إعادة فتح الممرات المائية الحيوية، ويسهم في استقرار أسواق الطاقة. في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر تشككًا تجاه أي ترتيبات قد تُبقي نفوذ الوكلاء الإقليميين لإيران قائمًا دون معالجة حاسمة. وقد تشعر طهران بقدر من الثقة إزاء هذه الانقسامات الواضحة، انطلاقًا من تقدير مفاده أنها قادرة على استثمارها للحصول على شروط تفاوضية أفضل أو كسب مزيد من الوقت. ومع ذلك، فإن الموقف الإيراني نفسه لا يخلو من المخاطر، إذ إن استمرار الصراع لفترة طويلة ألقى بضغوط متزايدة على الاقتصاد الإيراني والقدرات العسكرية والاستقرار الداخلي.

وعلى خلاف مضيق هرمز، حيث تمتلك إيران قربًا جغرافيًا مباشرًا وقدرات بحرية تتيح لها هامش تحرك أوسع، فإن أي تحرك في مضيق باب المندب سيعتمد بدرجة كبيرة على الوكلاء الإقليميين القادرين على ممارسة ضغط غير متماثل. وتشير التقديرات إلى أن أي اضطراب في هذا الممر قد يفضي إلى مخاطر هيكلية أشد على التجارة العالمية المتنوعة، نظرًا لمحدودية البدائل العملية المتاحة لنقل الشحنات غير النفطية مقارنة بمضيق هرمز.

وقد أبدت جماعة الحوثيين استعدادها، دون أن تفرض حتى الآن حصارًا شاملًا، مستخدمة الاضطراب البحري أداةً محسوبة ومقننة. ويُدخل وقف إطلاق النار الجديد بين إسرائيل ولبنان عاملًا مهدئًا قد يحد من دوافع التصعيد الفورية، إلا أن هشاشته واستمرار ارتباطه بالشروط التي تضعها طهران يعنيان أن تهديد باب المندب لا يزال يحتفظ بقدر كبير من النفوذ والضغط. وفي حال تجدد التصعيد الكبير، فإن مستوى المخاطر سيرتفع بشكل حاد.

ومن المنظور الإسرائيلي، فإن استمرار العمليات ضد “حزب الله” يُعد ضرورة دفاعية في مواجهة تهديد متجذر ومتحصن. بينما تصوغ إيران تحركاتها باعتبارها مقاومة مشروعة لحرب ومحاولات أمريكية-إسرائيلية، كما تصفها طهران، لتغيير النظام. أما الولايات المتحدة فتسير على خط دقيق، إذ تدعم أمن حليفها في الوقت الذي تعطي فيه أولوية لخفض التصعيد حماية للمصالح الاقتصادية العالمية. وفي المقابل، تسعى دول الخليج والفاعلون الدوليون عمومًا إلى الاستقرار، مع خشية واضحة من أن تؤدي الحروب بالوكالة إلى تعطيل مسارات التنمية والتجارة.

لذا ستكون الأسابيع والأشهر القادمة حاسمة. فالقنوات الدبلوماسية، رغم تعرضها للضغط، لم تنهَر بالكامل بعد، كما أن تداخل وقف إطلاق النار الهش في لبنان، وضغوط الكونغرس الأمريكي باتجاه ضبط النفس، والمخاطر الاقتصادية، يخلق توازنًا بين قوى متعارضة: نفوذ إيراني يُمارَس عبر الممرات البحرية الضيقة، مقابل زخم متزايد نحو خفض التصعيد. ويبقى تحوّل باب المندب إلى “هرمز جديد” مرهونًا بقدرة الأطراف على فصل النزاعات المتشابكة - النووي واللبناني وحروب الوكالة - قبل أن تدفع الكلفة الاقتصادية الجميع نحو تسوية قسرية. وتبقى الرهانات، المقاسة بأسعار النفط وخطوط الشحن والاستقرار الإقليمي في القرن الأفريقي، مرتفعة للغاية.

 

لقراءة المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: 

https://hornreview.org/2026/06/08/could-bab-el-mandeb-become-the-next-strait-of-hormuz/


التعليقات