تقرير: التغير المناخي يفاقم معاناة المهمّشين في اليمن
يمن فيوتشر - كارنيغي للسلام الدولي - مساعد عقلان ومحمد السعيدي- ترجمة خاصة: الجمعة, 08 مايو, 2026 - 09:58 مساءً
تقرير: التغير المناخي يفاقم معاناة المهمّشين في اليمن

تتفاقم أزمة المناخ في اليمن ضمن سياق انهيار أوسع تشهده البلاد. فقد أدت سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي وتضرر البنية التحتية وإخفاقات السياسات العامة إلى جعل اليمن شديد الهشاشة أمام ارتفاع درجات الحرارة، واضطراب أنماط هطول الأمطار، والفيضانات المفاجئة، وموجات الجفاف، وتزايد ندرة المياه.
كما شهدت موجات الحر والجفاف ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرتها وحدّتها، في حين أصبحت الأمطار الغزيرة القصيرة والأعاصير المدارية ظواهر متكررة، مسببةً فيضانات مفاجئة ألحقت أضراراً بالممتلكات والبنية التحتية، وأدت كذلك إلى تآكل الأراضي الزراعية. وقد أثّرت الأمطار الغزيرة، في منتصف أغسطس/آب 2025 وحدها، على أكثر من 100 ألف شخص. كما يستمر الحفر غير القانوني للآبار، وتتعرض معظم الأحواض المائية الجوفية لاستنزاف مفرط، في حين يؤدي انخفاض تغذية المياه العذبة الجوفية، وارتفاع مستوى سطح البحر، والاستخدام غير المستدام للمياه في الزراعة، إلى تسرب الملوحة إلى الأحواض الساحلية، مما يجعل المياه الجوفية أقل صلاحية للشرب والري.
وفي المقابل، أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية للمياه بشكل كبير، حيث انخفضت إمدادات المياه في صنعاء بنسبة 72%. كما تأثرت إمدادات الغذاء في اليمن، التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، بشكل حاد بفعل الحرب وعسكرة البحر الأحمر. ونتيجةً لتداخل هذه الأزمات وسوء الإدارة، أصبحت الغالبية العظمى من اليمنيين تعاني من انعدام الأمن الغذائي. ففي عام 2025، احتاج نحو 83% من السكان، أي ما يقارب 24 مليون شخص، إلى مساعدات غذائية، في ظل انتشار سوء التغذية المزمن على نطاق واسع.
ولا تتوزع آثار هذه الضغوط بشكل متساوٍ، إذ يقع العبء الأكبر على المجتمعات التي كانت أصلاً مستبعدة من منظومات الحماية والتمثيل داخل الدولة. ومن بين هذه الفئات، يُعدّ المهمّشون مثالاً واضحاً على كيفية تداخل الصدمات المناخية مع أشكال التمييز الاجتماعي وتعميقها.
ويُشكّل المهمّشون فئة اجتماعية شديدة الحرمان في اليمن. وهم مستبعدون من الشبكات القبلية التقليدية، كما أن أصولهم محل جدل تاريخي. إذ يرى البعض أنهم ينحدرون من عبيد أفارقة أو جنود إثيوبيين في ما قبل الإسلام، بينما يرى آخرون أن لهم أصولاً يمنية. ويُستخدم اليوم مصطلح “المهمّشين” بوصفه التسمية المفضلة لدى هذه الجماعة، وقد حلّ محل المصطلح السابق ذي الطابع التحقيري “الأخدام” أو “الخدم”.
وتتباين التقديرات بشكل كبير حول عددهم، إلا أن مصادر الأمم المتحدة تقدّرهم بنحو 3.5 مليون شخص، أي ما يقارب 10% من إجمالي سكان اليمن. غير أن السجلات الرسمية تتجاهلهم إلى حد كبير، ما يجعل من الصعب تحديد أرقام دقيقة. ويعيش معظمهم في تجمعات سكنية عشوائية داخل وحول المدن الرئيسية، مثل صنعاء وتعز وعدن والحديدة وصعدة، إضافة إلى بعض الأطراف الريفية.
ولا يُسمح لهم قانونياً بامتلاك العقارات، ما يجعل حقوقهم في الأرض هشة للغاية، في حين تُقام مساكنهم غالباً على أراضٍ غير مسجلة. كما تقع العديد من هذه التجمعات على منحدرات أو في مجاري السيول أو بالقرب من مواقع النفايات. ويعني غياب الملكية القانونية للأراضي أيضاً عدم قدرتهم على استخدامها ضماناتٍ مالية أو بيعها لتأمين رأس مال. كما يتبعون أنماط زواج داخلية مغلقة داخل الجماعة.
ويعاني المهمّشون من حرمان اجتماعي واقتصادي شديد، ومن تمييز منهجي في مجالات العمل والزواج والسياسة، ما يتركهم بمستويات دخل متدنية للغاية ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر لديهم، في ظل غياب شبكات حماية كافية. وقد أسهم هذا العزل الاجتماعي، إلى جانب ترسّخ الصور النمطية السلبية، في جعل هذه الفئة شبه غائبة عن السجلات الرسمية.
ويواجه المهمّشون عوائق رسمية وغير رسمية على مختلف المستويات. فعلى الصعيد القانوني، لا يتضمن القانون اليمني نصوصاً صريحة تحرمهم من الحقوق المدنية، إلا أن التمييز الفعلي واسع الانتشار. وغالباً ما يُحرم أفراد هذه الجماعة من الوثائق المدنية الأساسية، مثل شهادات الميلاد وبطاقات الهوية أو وثائق الجنسية.
ويُقدّر أن نحو 78% من البالغين منهم لا يمتلكون بطاقات هوية وطنية، ما يحد من وصولهم إلى برامج الدولة، مثل التحويلات النقدية وبطاقات التموين وغيرها من الخدمات، ويجعل حصولهم على الخدمات الأساسية أدنى بكثير من المعدلات الوطنية.
ولا تتمتع سوى 9% من أسر المهمّشين بخدمة المياه عبر الشبكات العامة، مقارنة بـ30% على المستوى الوطني، ولا تتوفر سوى 42% منها على مراحيض داخل المنازل. ويضطر كثيرون إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج أو استخدام المضخات العامة البعيدة عن مساكنهم. كما أن إدارة النفايات في مناطقهم شبه معدومة، مما يجعل تراكم القمامة مشهداً شائعاً في أحيائهم.
وبالمقارنة مع المعدل الوطني، فإن مناطق المهمّشين أكثر عرضة للمخاطر البيئية، مثل الفيضانات وتلوث المجاري المائية وحرق النفايات في أماكن مفتوحة، في حين تغيب الخدمات البلدية إلى حد كبير عن هذه المناطق. ومن المفارقات أن المهمّشين يشكّلون النسبة الأكبر من عمّال جمع النفايات في المدن الأخرى.

كما تفتقر العديد من المنازل إلى الاتصال بشبكات الكهرباء، وتعتمد تلك التي تصلها الكهرباء غالباً على المولدات أو التوصيلات غير القانونية. ويتم شراء الغاز والوقود بطرق غير رسمية. ولا توجد إحصاءات دقيقة، لكن قياساً على وضع المياه، من المرجح أن تغطية الكهرباء لديهم أقل بكثير من المستوى الوطني، الذي لا يتجاوز أساساً 50% في اليمن.

ويظل المهمّشون خارج شبكات الصحة العامة والتعليم. فكثيراً ما تتجاوزهم العيادات وحملات التطعيم. وعند محاولتهم الوصول إلى هذه الخدمات، يواجهون تمييزاً أو رسوماً أعلى. وبسبب غياب الهوية الوطنية، لا يستطيعون الاستفادة من الخدمات الصحية والتعليمية الحكومية.

ورغم وجود عيادات متنقلة صغيرة وفرق توعية تستهدف أحياءهم، إلا أن قدرتها تبقى محدودة للغاية. ويُقدّر أن أكثر من 60% من أطفال المهمّشين لا يلتحقون بالمدارس، بينما لا تتجاوز نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة بين البالغين 20%، مقارنة بنحو 60% لدى عموم السكان.

وتعود هذه النتائج إلى عدة عوامل، من بينها الرسوم المدرسية غير الميسّرة، وغياب الوثائق الرسمية، وبعد المدارس عن أماكن السكن، إلى جانب أشكال متعددة من التمييز.

وعلى المستوى المؤسسي، لا يزال المهمّشون، في الغالب، خارج دوائر التمثيل السياسي. فالأحزاب السياسية والنقابات نادراً ما تتواصل معهم، كما أن مؤتمر الحوار الوطني عام 2013 لم يضم سوى ممثل واحد عنهم من بين 565 مشاركاً.

ومنذ عام 2015، تأخرت أيضاً جهود المنظمات الإغاثية في استهدافهم بشكل مباشر، وغالباً ما يتم إدراجهم ضمن فئة “فقراء المدن” بشكل عام. وللدفاع عن حقوقهم، نظم المهمّشون أنفسهم في إطار جماعات حقوقية، مثل تأسيس “حركة الدفاع عن السود الأحرار” في محافظة تعز عام 1990، فيما أنشأت الحكومة لاحقاً منظمات مرتبطة بها، مثل “الاتحاد الوطني للمهمّشين” الذي تأسس عام 2007.

وقد ساعدت بعض هذه المنظمات في تمكين عدد من المؤهلين للحصول على بطاقات هوية، إلا أن الكثيرين ما زالوا خارج هذه الجهود. وبشكل عام، لم تشهد أوضاعهم المعيشية تحسناً ملموساً عبر السنوات.

وأدت الصدمات المناخية إلى تفاقم هذا الوضع المتدهور أصلاً. إذ تقع العديد من تجمعات المهمّشين في مناطق شديدة القابلية للفيضانات، بما في ذلك مجاري الأودية والأنهار الجافة، حيث تؤدي الأمطار الغزيرة إلى جرف مياه الصرف الصحي والنفايات غير المجمعة إلى داخل هذه المخيمات، وتدمير المساكن الهشة.

كما تحمل السيول الجارفة النفايات من مكبات القمامة القريبة إلى القرى، وتحبس الأسر النازحة داخل الطين.

أما الجفاف، فقد أحدث أثراً معاكساً لكنه لا يقل خطورة، إذ قلّص إمكانية الحصول على المياه النظيفة، وأجبر الأسر التي لا تمتلك شبكات مياه على شراء مياه الصهاريج المكلفة أو الوقوف في طوابير طويلة عند مصادر مياه بعيدة.

وفي الأحياء التي تفتقر إلى شبكات الصرف الصحي، تتدفق مياه المجاري الخام في العراء، وتتسرب السوائل السامة الناتجة عن النفايات إلى المياه الجوفية، بينما يتم، في كثير من الأحيان، حرق القمامة غير المجمعة، ما يخلق مخاطر صحية وتنفسية خطيرة. وتنعكس هذه الآثار، مثل الإسهالات والكوليرا والأمراض التنفسية، بصورة أشد قسوة على أفقر الأسر.

ومعالجة هذا النوع من عدم المساواة البيئية والاجتماعية تتطلب تدخلات موجهة ومستدامة. وتتمثل الخطوة الأولى في الإدماج القانوني، عبر برنامج وطني يضمن حصول المهمّشين على شهادات الميلاد وبطاقات الهوية.

ويجب أن يرافق ذلك استثمار في خدمات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات داخل أحيائهم. كما ينبغي أن تصل حملات الصحة المتنقلة والتطعيم بشكل مباشر ومقصود إلى هذه المجتمعات.

ويتعيّن على السلطات كذلك تنفيذ تدابير للحد من مخاطر الفيضانات، بما في ذلك تحسين أنظمة التصريف وتوفير مآوٍ أكثر أماناً. وينبغي دعم هذه الجهود عبر المساعدة القانونية، وفرض عقوبات للحد من التمييز، وتعزيز الضمانات لمنع عرقلة أو تحويل المساعدات الإنسانية عن مستحقيها.

ورغم التحديات الراهنة، لا يزال من الممكن تنفيذ جزء من هذه التوصيات عبر الجهات الإنسانية والسلطات المحلية والمبادرات المجتمعية. ويمكن للجهود التدريجية أن تحقق تقدماً ملموساً، وقد تسهم، مع مرور الوقت، في دعم تعافٍ مؤسسي أوسع.


التعليقات