برلين: كاتبة يمنية تنتقد أطروحة “الحاضنة القبلية” وتؤكد ان صعود الحوثيين نتاج تحالفات النخب لا دعم القبائل
يمن فيوتشر - خاص الاربعاء, 06 مايو, 2026 - 03:35 مساءً
برلين: كاتبة يمنية تنتقد أطروحة “الحاضنة القبلية” وتؤكد ان صعود الحوثيين نتاج تحالفات النخب لا دعم القبائل

انتقدت الصحفية والكاتبة اليمنية سماح الشغدري طرحًا تحليليًا قدّمه الباحث مايكل هورتون حول ما وصفه بـ“تفكك التحالفات القبلية للحوثيين”، معتبرة أن فرضية “الحاضنة القبلية” التي استندت إليها الورقة “غير دقيقة” ولا تعكس واقع نشأة الحركة وتطورها.

وقالت الشغدري، في قراءة نقدية لورقة منشورة في مجلة CTC Sentinel، إن تصوير القبيلة اليمنية كحاضنة عضوية لصعود الحوثيين يتجاهل طبيعة البنية القبلية القائمة على البراغماتية وتبدل التحالفات، مشددة على أن “القبائل لم تنحز للحوثيين كمشروع سياسي، بل وجدت نفسها أمام أمر واقع فرضته موازين القوة وصراعات النخب”.

وأضافت أن العامل الحاسم في صعود الحوثيين لم يكن الدعم القبلي، بل “الدور الذي لعبته النخب السياسية والإعلامية التي استخدمت الحوثيين كأداة في صراعها مع نظام الرئيس السابق”، مشيرة إلى أن هذه النخب وفّرت غطاءً سياسيًا وإعلاميًا أسهم في تمدد الحركة خلال مرحلة ضعف الدولة.

وأوضحت الشغدري أن تحالف الرئيس الراحل علي عبدالله صالح مع الحوثيين بعد عام 2011 شكّل “نقطة التحول المفصلية”، إذ أتاح لهم الاستفادة من شبكات الدولة العسكرية والأمنية، ما مكّنهم من الوصول إلى صنعاء في 2014، وهو ما “لا يمكن تفسيره بوجود حاضنة قبلية”.

كما اعتبرت أن ما يُقدَّم أحيانًا كدعم قبلي للحوثيين كان في جانب منه “بنية مصطنعة”، لافتة إلى لجوء الجماعة إلى تعيين شخصيات موالية لها كمشايخ في بعض المناطق لإظهار وجود تأييد قبلي.

وفي ما يتعلق بالدور الإيراني، أكدت الشغدري أنه عامل “مكمل لا محرك رئيسي”، موضحة أن تأثيره تضاعف نتيجة الفراغ السياسي الداخلي وتحالفات القوى المحلية، وليس باعتباره سببًا مستقلًا للصعود.

وخلصت الكاتبة إلى أن تفكك التحالفات الحوثية الراهن لا يمكن فهمه دون العودة إلى طبيعة الأسس التي بُنيت عليها، معتبرة أنها “تحالفات ظرفية وهشة نشأت في سياق صراعات النخب”، وليست امتدادًا لحاضنة قبلية متماسكة، كما تفترض بعض القراءات التحليلية.

------

نص الورقة: 

وهم الحاضنة القبلية: قراءة نقدية في ورقة مايكل هورتون حول تفكك التحالفات الحوثية

 

في مارس 2026، نشر مايكل هورتون، الباحث في مؤسسة جيمستاون ومؤسس مجموعة Red Sea Analytics International، ورقة تحليلية في مجلة CTC Sentinel الصادرة عن مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية ويست بوينت العسكرية الأمريكية، تناول فيها ما وصفه بـ"تفكك التحالفات القبلية للحوثيين" في ظل الضغوط الراهنة. الورقة تحمل قيمة تحليلية في توصيف المشهد الراهن، لكنها تقوم على افتراض غير دقيق ولم يحدث في الساحة اليمنية مفاده: أن الحوثيين بنوا منذ الثمانينيات حاضنة قبلية عضوية ومستدامة عبر المصاهرة والوساطة والرعاية، وأن هذه الحاضنة هي التي أتاحت لهم الصعود.

 

هذا الافتراض يتعارض تمامًا مع نشأة وتطور الحركة الحوثية. وحين يُفحص في ضوء وقائع المرحلة بين 1980 و2011 و2012 وصولًا إلى 2014، يكشف عن فجوة تحليلية كبيرة في الورقة المقدمة وعدم إلمام كافٍ بتاريخ الحركة الحوثية وتطورها، وأيضًا قصور منهجي واضح في فهم تركيبة المؤسسة القبلية في اليمن والطابع البراغماتي لتفكير القبيلة، وهو ما يجعل الاستنتاجات المتعلقة بالحاضنة القبلية للحوثيين بعيدة عن الدقة التحليلية المطلوبة. ولو أدرك الكاتب كل ذلك لما وصل إلى نتيجة تدّعي أن القبيلة دعمت الحوثيين؛ بل من قام بدعم الحركة الحوثية هم النخب السياسية والثقافية والإعلامية التي كانت تخوض حربًا بالوكالة ضد علي عبدالله صالح، وهي من فتحت الباب أمام مشروعهم التوسعي.

 

فالقبيلة لم تدعم الحوثي ولم تقف بجانبه طيلة الحروب الست عليهم بوصفهم متمردين على الدولة، بل ولم تنحز إليهم عند حصار صنعاء قبل السيطرة عليها وإسقاط الدولة والجمهورية، حيث بقيت صنعاء محاصرة قرابة 47 يومًا، بينما النخب السياسية ممثلة بأحزاب اللقاء المشترك هي من شجعت وتواطأت تارةً بسكوت، وتارةً أخرى بدعم ما تقوم به حركة الحوثي من تمرد على الدولة، وكل هذا نكاية بنظام صالح في ذلك الوقت.

 

ولإثبات هذه الحجة تنقسم هذه القراءة إلى أربعة محاور متكاملة: أولها دحض أطروحة الحاضنة القبلية بأدلة ميدانية محددة، وثانيها كشف آلية الشرعنة الإعلامية والسياسية التي مكّنت الحوثيين في مرحلة ضعفهم، وثالثها إثبات أن تحالف صالح لا البنية القبلية هو المحرك الفعلي للصعود، ورابعها تصحيح الموقع الحقيقي للدعم الإيراني في هذه المعادلة.

 

أولاً: القبيلة لم تختر الحوثيين، النخب استخدمتهم

الخطأ التحليلي الأكثر خطورة في أطروحة هذه الورقة المقدمة والتي تتبنى موضوع الحاضنة القبلية هو معاملة القبيلة اليمنية كفاعل موحد ذي إرادة سياسية متجانسة. الواقع مختلف جذريًا. القبائل اليمنية لم تنحز للحوثيين بوصفهم مشروعًا سياسيًا تؤمن به، بل وجدت نفسها مجبرة على قبول الحوثيين تبعًا لموازين القوى المحلية والصراعات بين النخب. ما حدث فعليًا هو أن النخب القبلية والسياسية التي كانت تخوض صراعًا وجوديًا مع صالح وجدت في الحوثيين أداة ضغط مناسبة، لا حليفًا أيديولوجيًا، وانساقت معه بعيون عمياء غطّاها الانتقام فقط من نظام صالح. والأخطر من ذلك أن الحوثيين لجأوا إلى تفريخ المشايخ في كثير من المناطق؛ إذ رفض كثير من مشايخ القبائل سواء الكبيرة أو الصغيرة الظهور لدعم الحوثي، فقام الحوثي بتعيين خصومهم وتنصيبهم مشايخ لهذه المناطق واستضافتهم في القنوات والمناسبات لإيهام المجتمع أن القبيلة تدعمهم، وهو ما يعني أن الحاضنة القبلية التي يتحدث عنها هورتون كانت في جزء كبير منها هيكلاً مصطنعاً لا عضوياً.

الدليل الأوضح على هذا هو موقف حميد الأحمر، نجل الشيخ عبدالله الأحمر زعيم قبيلة حاشد وأحد أبرز وجوه اللقاء المشترك. في مقابلة تلفزيونية عام 2012، لم يكتفِ حميد بمجاملة الحوثيين، بل تجاوز كل الأعراف السياسية وأسبغ على عبدالملك الحوثي شرعية كاملة، وبارك بشكل فردي وخارج أي إطار مؤسسي تعيينَ عبدالملك الحوثي لفارس مناع محافظًا لصعدة، وهو أكبر تجار السلاح في اليمن، ووصف صعدة بأنها باتت آمنة. كان هذا الموقف في جوهره رهانًا انتقاميًا لا قناعة سياسية؛ فحميد الأحمر كان يخوض حربًا شخصية ضد أحمد علي صالح نجل الرئيس، ووجد في الحوثيين ورقة ضغط مناسبة، ظانًا أن الذئب سيكتفي بفريسة واحدة.

والأخطر أن حميد تحدث باسم قبيلة حاشد وكأن موقفه يمثلها، متكئًا على نفوذ عائلته بوصفها متزعمة القبيلة، لكن الحقيقة التي يتجاهلها هورتون في تحليله هي أن كبار مشايخ حاشد أنفسهم لم يُباركوا ما حدث ولم يُصرّحوا بأي دعم للمشروع الحوثي. الشيخ مجاهد أبو شوارب، أحد أعمدة قبيلة حاشد ومن أبرز كبار مشايخ اليمن، والشيخ سنان أبو لحوم، الرجل المحنك الذي يُضرب به المثل في الحنكة السياسية القبلية، لم يصدر عنهما أي موقف يبارك سيطرة الحوثيين على صعدة عام 2012، ولا سقوط عمران عام 2014. صمتهما لم يكن إجماعًا، بل كان رفضًا صامتًا في مواجهة معادلة قوة اختلت لصالح السلاح لا لصالح الشرعية القبلية. وهذا التمييز الجوهري بين موقف حميد الأحمر الفردي الانتقامي وموقف مشايخ حاشد الحقيقيين هو بالضبط ما يغيب عن أطروحة هورتون في الحاضنة القبلية ويجعلها مبنية على دليل منقوص.

أما تصريح الرئيس عبدربه منصور هادي فيمثل الفضيحة السياسية الأكثر كشفًا لحجم الارتباك في إدارة الدولة. في الثالث والعشرين من يوليو 2014، توجّه هادي إلى عمران بعد خمسة عشر يومًا من سقوطها بيد الحوثيين، وبينما كان ذوو العميد حميد القشيبي قائد اللواء 310 يشيّعون جثمانه في صنعاء في اليوم ذاته، أطلق هادي من داخل المحافظة المحتلة تصريحه الذي وصفته الجزيرة نت لاحقًا بأنه "واحد من الأحداث غير المفهومة لطريقة إدارته البلاد": "عمران عادت إلى حضن الدولة". لم تعد عمران، لكن ذهبت الدولة بأكملها بعد أسابيع قليلة. هذا التصريح لم يكن خطأً في التقدير فحسب، بل كان غطاءً سياسيًا منح الحوثيين وقتًا ثمينًا وشرعية مؤقتة أتاحت لهم إكمال مسيرتهم نحو صنعاء.

وتُثبت الكثير من الأبحاث واللقاءات المسجلة أن أحزاب اللقاء المشترك وقعت في تخبط سياسي عميق بعد رحيل صالح؛ فهي لم تستوعب أنها فقدت صفة المعارضة بمجرد انتقالها من موقع الضغط إلى موقع الشراكة في إدارة المرحلة الانتقالية، وانشغلت بالتموضع في المشهد الجديد بدلاً من بناء استراتيجية سياسية واضحة. هذا التخبط خلّف فراغًا سياسيًا استغله الحوثيون فورًا لا لأنهم يملكون حاضنة شعبية، بل لأن الساحة أُفرغت لهم. والأكثر كشفًا أن هذا الإخفاق لم يكن خافيًا على المراقبين الدوليين أنفسهم؛ فوفق تسجيل صوتي مسرب لمكالمة جرت بين المبعوث الأممي جمال بن عمر والشيخ حميد الأحمر في أعقاب سقوط صنعاء، أبدى بن عمر استياءه الصريح من أداء قيادات المشترك داخل فندق موفمبيك، واصفًا إياهم بأنهم "منبطحون" أمام الحوثيين داخل قاعات التفاوض، بينما يوجهون شبابهم خارجها للهجوم على بن عمر والحوثيين في المواقع الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي. هذه الشهادة من مبعوث أممي لا من طرف يمني تكشف أن غياب النضج السياسي والدبلوماسي لدى قيادات المشترك لم يكن رأيًا يمنيًا داخليًا، بل كان تقييمًا دوليًا موثقًا.

 

ثانيًا: الشرعنة الإعلامية كانت سلاحًا في صراع النخب لا تعبيرًا عن إجماع

الظاهرة الأكثر خطورة في المرحلة الانتقالية لم تكن انحياز القبائل للحوثيين، بل كانت انحياز جزء من النخب الإعلامية والثقافية اليمنية لصالحهم. في تلك المرحلة، روّجت منابر وأقلام لتوصيف الحوثيين بوصفهم "قوة المهمشين" و"ثورة الفقراء في الشمال"، بل إن بعض الإعلاميين والمثقفين كانوا يطلقون على عبدالملك الحوثي "الرفيق"، وهو خطاب أسهم في بناء شرعية رمزية لحركة كانت في الوقت نفسه تتمدد عسكريًا في صعدة والجوف وعمران.

هذه الشرعنة لم تنبع من قناعة بالمشروع الحوثي، بل من حسابات سياسية في سياق الصراع ضد صالح ثم ضد حزب الإصلاح. النخب الإعلامية التي أسبغت على الحوثيين صفة الثوار كانت تخوض حربها الخاصة، والحوثيون كانوا يلتقطون هذه الشرعية ويوظفونها في مشروعهم التوسعي. معهد الشرق الأوسط يوثق في دراسة متخصصة أن الحوثيين هندسوا استراتيجية ممنهجة لاستغلال الشرعية المحلية والدولية لتعزيز سيطرتهم، وأن تحولهم من فاعل معزول في جبال صعدة إلى شريك سياسي مقبول لم يكن ممكنًا لولا هذا الغطاء الرمزي الذي منحته النخب المتناحرة.

 

ثالثًا: المحرك الحقيقي كان تحالف صالح لا البنية القبلية

إذا كان ثمة حدث واحد يفسر صعود الحوثيين من حركة محلية في صعدة إلى قوة تسيطر على صنعاء، فهو تحالف صالح معهم بعد 2011. هذا التحالف وفّر للحوثيين ما لا تستطيع أي حاضنة قبلية أن توفره: شبكات الجيش الجمهوري وولاءاته، وبنية الأجهزة الأمنية السابقة، وعلاقات المؤتمر الشعبي العام، ووضع كل إمكانياته القيادية تحت سيطرة الحوثي وتمكينه منها، والتسهيلات اللوجستية التي أتاحت دخول صنعاء في سبتمبر 2014.

غير أن فهم هذا التحالف يستلزم فهم ما دفع إليه. فحزب الإصلاح لم يكتفِ بإزاحة صالح، بل سارع إلى السيطرة على مفاصل الدولة عبر حصص الوزارات وتغلغل أذرعه في مؤسسات الحكومة، ثم رفع شعار العدالة الانتقالية مطالبًا بمحاكمة صالح وحده، متجاهلًا أن حزبه كان شريكًا في الحكم منذ 1994، وبالتالي شريكًا في كل ما رافق تلك الحقبة من فساد وحروب. يُضاف إلى ذلك أن الحزب الاشتراكي، الشريك الآخر في منظومة اللقاء المشترك، لم يكن بمنأى عن صفحات مؤلمة في التاريخ اليمني؛ إذ تُوثّق أحداث يناير 1986 الدامية في عدن سقوط آلاف الضحايا في صراع داخلي كان الحزب طرفًا رئيسيًا فيه. فمن طالبوا بالعدالة الانتقالية كانوا أنفسهم موضع اتهام بجرائم لم تُحسم.

وهنا يكمن التناقض القاتل في مشروع العدالة الانتقالية كما طُرح في تلك المرحلة: أن المطالبين بالمحاسبة لم يكونوا يقفون خارج دائرة الاتهام، بل كانوا في قلبها. فالعدالة الانتقالية الحقيقية لا تنتقي ضحاياها ولا تختار متهميها، وحين تفعل ذلك تتحول من أداة مصالحة إلى سلاح انتقام سياسي. وهذا بالضبط ما قرأه صالح في المشهد، فقرر ألا يكون الضحية الوحيدة في محكمة يجلس فيها المدعون في موقع القضاة. هذا الاستفزاز المركب — السيطرة على الدولة من جهة، والانتقاء في المحاسبة من جهة أخرى — هو ما دفع صالح إلى قلب الطاولة على الجميع، فوجد في الحوثيين الأداة الأمضى لتصفية حساباته مع خصومه، غير مبالٍ بما ستؤول إليه الجمهورية والدولة.

ولم يكن الحوثيون بعيدين عن هذه الحسابات؛ فقد وجدوا في عداوات صالح المتراكمة وقودًا جاهزًا لمشروعهم، فالتقى الطرفان لا على قناعة مشتركة بل على خصم مشترك. هذا التحالف قام على عداء مشترك تجاه حزب الإصلاح لا على قناعة سياسية: صالح كان يعتقد أن الإصلاح هو من دبّر محاولة اغتياله عام 2011، والحوثيون كانوا يرون في الإصلاح المنافس الأخطر في معقلهم الزيدي الشمالي. هذا التقاطع في العداء هو ما صنع التحالف، وهذا التحالف هو ما صنع الانقلاب. معهد الشرق الأوسط يوثق في دراسة متخصصة أن الحوثيين هندسوا استراتيجية ممنهجة لاستغلال الشرعية المحلية والدولية لتعزيز سيطرتهم، وأن التعامل معهم بدون محاسبة عزز سلوكهم التوسعي بدلاً من تلطيفه، وأنه لولا تسهيلات صالح وتغاضي هادي في آنٍ واحد ما كان للحوثيين أن يخترقوا المحافظات ويصلوا إلى صنعاء.

 

رابعًا: الدعم الإيراني — عامل مكمل لا محرك رئيسي

لا يمكن تجاهل الدعم الإيراني في أي تحليل جاد لصعود الحوثيين، لكن الخطأ التحليلي الشائع هو رفعه إلى مرتبة العامل المحرك الأول. الدعم الإيراني كان موجودًا قبل 2011 لكنه ظل محدودًا ولم يُترجم إلى تمدد ميداني. ما أتاح للدعم الإيراني أن يتحول إلى رافعة فعلية هو بالضبط ما سبق ذكره: الفراغ الذي تركته النخب المتناحرة، وتحالف صالح الذي فتح الأبواب. إيران وفّرت الوقود، لكن المحرك كان يمنيًا خالصًا. وهذا يعني أن تفكك التحالفات الحوثية الذي يرصده هورتون اليوم لا يمكن فهمه بمعزل عن انتفاء الشروط السياسية الداخلية التي صنعت الصعود أصلًا، وليس فقط بتراجع الدعم الإيراني.

 

ما يجب أن يُضاف لتحليل هورتون

الإنصاف الأكاديمي يقتضي الإقرار بأن ورقة هورتون تحمل قيمة تحليلية حقيقية في توصيف نقاط الضغط الراهنة على التحالفات الحوثية. لكن قيمتها التفسيرية والنابعة من فهم أعمق لتطور الحركة وعوامل التأثير تبقى منقوصة وغير دقيقة في المعلومات، وهنا ستكون الورقة لا تؤدي غرضها ما لم تُدمج مع ثلاثة متغيرات غائبة:

الأول: ضرورة فهم تركيبة وتفكير المؤسسة القبلية في اليمن، والاعتراف بالتحالف النخبوي الظرفي. كثير مما يوصف بالحاضنة القبلية الحوثية هو في حقيقته تحالفات انتهازية بين نخب متناحرة، وقد قام الحوثيون بتفريخ المشايخ لكثير من المناطق، بمعنى أن كثيرًا من مشايخ القبائل سواء الكبيرة أو الصغيرة رفضت الظهور لدعم الحوثي، فقام الحوثي بتعيين خصومهم وتنصيبهم مشايخ لهذه المناطق واستضافتهم بالقنوات أو المناسبات لإيهام المجتمع أن القبيلة تدعمهم. وهذه التحالفات بطبيعتها أكثر هشاشة وأسرع تفككًا من الروابط القبلية الحقيقية، وهو ما يفسر جزءًا مما يرصده هورتون اليوم.

الثاني: دور الشرعنة الإعلامية والسياسية في منح الحوثيين غطاءً رمزيًا أتاح لهم التمدد في مرحلة كانوا فيها أضعف مما يبدون. تفكك هذا الغطاء يفسر جزءًا من الضغوط الراهنة.

الثالث: أن تحالف صالح كان المحرك الأكثر أهمية من أي بنية قبلية، وأن انهياره عام 2017 بمقتل صالح على أيديهم يمثل النقطة التي بدأ عندها فعليًا تفكك شبكة الدعم الواسعة، لا الضغوط الإقليمية الراهنة وحدها.

 

* * *

الحوثيون لم يصعدوا لأن القبيلة اليمنية اختارتهم. صعدوا لأن النخب المتناحرة دعمتهم وتضامنت مع مشروعهم ووظّفتهم، ولأن دولة منهارة أتاحت لمشروع توسعي أن يملأ الفراغ بأدوات صالح نفسه. وحين تنتفي هذه الشروط، ينكشف هشاشة ما بُني على الانتهازية لا على الاختيار. والسؤال الذي يجب أن يطرحه أي تحليل جاد اليوم ليس فقط لماذا تتفكك تحالفات الحوثيين، بل لماذا بُنيت أصلًا على هذه الهشاشة، والإجابة لا تكمن في البنية القبلية، بل في حسابات النخب التي صنعت هذا المشروع ثم تركته يواجه مصيره وحيدًا.

 

───────────────

 

سماح الشغدري صحفية يمنية مقيمة في ألمانيا، تعمل في Amal News. معدّة ومخرجة أفلام وثائقية وصانعة بودكاست "أنت مش لوحدك"، المتخصص في قضايا ذوي الإعاقة من المهاجرين واللاجئين في ألمانيا. تتخصص في الشأن اليمني والسياسات الإقليمية، وتتابع مسار الصراع في اليمن وتداعياته السياسية والقبلية والإنسانية عن قرب من موقعها في أوروبا.

 

وهنا رابط ورقة مايكل هورتون :

https://ctc.westpoint.edu/will-the-center-hold-the-houthis-fraying-tribal-alliances/?fbclid=IwZnRzaARkHadleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEeoaiP81wlZYOEiaOEGIPPfJVYq0Cdpw8lcciubVZy26d8pwzxuFjGEwf1eu8_aem_AeR5gdq49u5ik39bcY6t9w

 

 


التعليقات