تحليل: هل هناك استراتيجية آسيوية أوسع وراء الحملة الأمريكية في إيران؟
يمن فيوتشر - “ توموروز أفيرز’ “شؤون الغد- حسام ردمان- ترجمة خاصة الاربعاء, 18 مارس, 2026 - 11:59 مساءً
تحليل: هل هناك استراتيجية آسيوية أوسع وراء الحملة الأمريكية في إيران؟

في الأسبوع الثاني من الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، طرح “توموروز أفيرز” سؤالاً استباقياً: هل ستظل آسيا الوسطى بمعزل عن تبعات هذه الحرب؟

ومع دخول الحملة أسبوعها الثالث، يصبح من المغري توسيع هذا السؤال، حتى وإن كان ذلك على حساب بعض الافتراضات النظرية: هل كانت دول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز ضمن الدوافع الكامنة وراء قرار الذهاب إلى الحرب مع إيران؟
أو، على نحو أكثر تحفّظاً، هل تشكل هذه المنطقة جزءاً من الأهداف الاستراتيجية غير المعلنة للحرب؟

وتستمد هذه التساؤلات مشروعيتها من غياب سرد رسمي مقنع يشرح الدوافع الاستراتيجية الأوسع لهذه الحرب.
فحتى الآن، دارت المناقشة العامة حول تفسيرين رئيسيين: الأول يرى أن الهدف هو إعادة تشكيل الشرق الأوسط ضمن نظام إقليمي جديد بقيادة إسرائيل، والثاني ينظر إلى داخل البيت الأبيض، مصوّراً ترامب على أنه تصرّف بتسرّع، مدفوعاً بنجاح سريع في فنزويلا، ومقتنعاً بإمكانية تكرار السيناريو ذاته في إيران.

وكلا السرديتين تقدّم جزءاً من الصورة، ولا تفسّر أيٌّ منهما بالكامل منطق القرار.
فالأولى تقتصر على تحليل الوضع داخل الشرق الأوسط، بينما تفترض الثانية أن السياسة الخارجية الأمريكية تُدار دون رؤية استراتيجية شاملة.

ومع ذلك، فإن تصعيداً بهذا الحجم يصعب فهمه دون وضعه ضمن إطار استراتيجي أوسع. ولإدراك هذا الإطار، يجب النظر إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط نفسه.

 

الاستراتيجية الكبرى

عادةً ما يشير الاستراتيجيون إلى هذا المنطق الشامل بمصطلح “الاستراتيجية الكبرى”، ويعني التنسيق طويل المدى للأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية لحماية المصالح الوطنية.

وبالنسبة للولايات المتحدة، مرّ هذا الإطار بعدة مراحل: الاحتواء بعد الحرب العالمية الثانية، والهيمنة الأحادية القطب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم تبني أساليب أكثر حذراً مع ارتفاع تكلفة الحروب الطويلة وتسارع صعود الصين.

وفي هذا السياق، برزت عقيدة “التوازن الخارجي” كمنهج واقعي يدعو إلى الحفاظ على الصدارة الأمريكية، ومنع هيمنة قوة منافسة في أوراسيا، وتقليص الالتزامات العسكرية غير الضرورية، والاعتماد على الشركاء الإقليميين كلما أمكن ذلك.
وقد ظهرت عناصر هذا النهج في سياسات أوباما، واستمرت بأشكال مختلفة في عهد بايدن.

 

الواقعية المكشوفة

لم تخرج الإدارة الثانية لترامب عن هذا المسار، بقدر ما اعتمدت نسخة أكثر وضوحاً وحدّة منه.

ففي حين صاغت الإدارات السابقة القيادة الأمريكية بلغة الليبرالية الدولية، قدّم ترامب رؤية أكثر معاملاتية للسلطة، يمكن وصفها – إلى حدّ ما – بـ”الواقعية المكشوفة”: نهج يضع المصلحة الوطنية في المقام الأول، ويعطي الأولوية لأدوات الضغط والإكراه على حساب التوافق الدبلوماسي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تُرجمت هذه التوجهات إلى سياسات حمائية، ومحاولات لإعادة بناء القدرة الصناعية الأمريكية – لا سيما في قطاع الدفاع – وجهود لتأمين سلاسل الإمداد للموارد الاستراتيجية.

أما على الصعيد الجيوسياسي، فقد تجسدت في استراتيجية إقليمية متعددة المسارات تهدف إلى الحفاظ على الصدارة الأمريكية: من إعادة إحياء عقيدة مونرو في نصف الكرة الغربي، إلى الضغط على الحلفاء الأوروبيين لتحمّل أعباء أكبر، وصولاً إلى التركيز المتزايد على منع الصين من بلوغ مرتبة قوة عظمى مكافئة.

ومن النظرة الأولى، قد تبدو سياسة ترامب في الشرق الأوسط غير متسقة مع هذا الإطار.
فالمستندات الرسمية تتحدث عن تقليص الحروب المكلفة، والحفاظ على الاستقرار، وتأمين طرق التجارة، وحماية إسرائيل، والحفاظ على الشراكات مع الدول العربية.
ومع ذلك، وعلى أرض الواقع، توسعت حرب إقليمية جديدة تركز على إيران.

 

البلقان الأوراسيوي

لفهم هذا التناقض الظاهر، يجب التطلع شمالاً، إلى المساحة الممتدة من القوقاز مروراً بآسيا الوسطى وصولاً إلى أفغانستان.

وفي تسعينيات القرن الماضي، وصف زبيغنيو بريجنسكي هذه المنطقة بأنها “البلقان الأوراسيوي”. وكما كان حال البلقان الأوروبي في القرن التاسع عشر، تتميز هذه المنطقة بهشاشة الدول، وتعقيدات إثنية، وتنافس بين القوى الكبرى مثل روسيا والصين وتركيا وإيران.

وعلى مدى عقود طويلة، واجهت الولايات المتحدة صعوبة في تأسيس حضور دائم عند هذا المفترق الاستراتيجي.
فالجغرافيا تُبعدها عن مجال قوتها البحرية، كما أنها محاطة بدوائر نفوذ منافسة.

وحتى عندما حصلت واشنطن على موطئ قدم مؤقت عبر وجودها العسكري في أفغانستان، تراجعت هذه المكانة بشكل حاد بعد الانسحاب في عام 2021.

ومع ذلك، فقد ازدادت أهمية هذه المنطقة في السنوات الأخيرة، إذ تمتلك آسيا الوسطى والقوقاز احتياطيات كبيرة من الطاقة والمعادن النادرة، كما أن موقعها الجغرافي يجعلها حلقة وصل بين أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا.

والسيطرة على الشبكات السياسية والاقتصادية التي تربط هذه المناطق يمكن أن تؤثر في توازن القوى في كامل أوراسيا.
ولهذا السبب، أبدى دونالد ترامب – على عكس عدد من أسلافه – اهتماماً ملحوظاً بـ”البلقان الأوراسيوي”.

ففي عام 2025، دعا إلى إعادة تأسيس قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، ورعت واشنطن تفاهمات جديدة بين أذربيجان وأرمينيا أدت إلى اتفاق سلام تاريخي، وفتحت الطريق لما يُعرف بـ”ممر ترامب” بين البلدين، كما عقد الرئيس الأمريكي قمة رفيعة المستوى مع قادة آسيا الوسطى لتعزيز العلاقات ودعم مشاريع اقتصادية كبرى.

وعلى الرغم من أهمية الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والأمنية، فإن قدرتها تبقى محدودة على تجاوز العقبات الجيوسياسية. وهنا، قد يكتسب قرار شن الحرب على إيران بعداً جديداً.

فجغرافياً، تقع إيران بين الشرق الأوسط – حيث لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري كبير – وقلب أوراسيا، حيث يظل النفوذ الأمريكي محدوداً.
ومن منظور استراتيجي بحت، تعمل إيران كحاجز جيوسياسي يقيّد قدرة الولايات المتحدة على توسيع نفوذها شمالاً نحو آسيا الوسطى والقوقاز.

وإذا نُظر إلى الجغرافيا السياسية بعين مطوّر عقاري – يربط الأسواق، ويزيل العقبات، ويشيّد الممرات – يصبح المنطق أوضح.
فدمج الشرق الأوسط مع البلقان الأوراسيوي قد يتيح للولايات المتحدة توجيه نفوذها الإقليمي نحو مسرح استراتيجي كان حضورها فيه تاريخياً ضعيفاً.

وقد ألمح ترامب إلى هذا الاتجاه في أواخر 2025، عندما أعلن توسيع اتفاقيات السلام لتشمل كازاخستان وإسرائيل، واصفاً اتفاقيات أبراهام بأنها “نادي القوة” الذي ستنضم إليه قريباً دول آسيا الوسطى الأخرى، إلى جانب دول الشرق الأوسط.

 

تقسيم آسيا إلى مسارح استراتيجية شرقية وغربية

من هذا المنظور، قد لا تكون الحرب على إيران مجرد قضية تتعلق بالبرنامج النووي أو التنافسات الإقليمية المباشرة، بل قد تعكس محاولة أوسع لإعادة تشكيل الهيكل الجيوسياسي لما يمكن تسميته بـ”الجنوب الأوراسي” — القوس الممتد من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى.

وبهذا المعنى، تكمن المماثلة بين فنزويلا وإيران ليس في النتائج نفسها، بل في الدوافع الاستراتيجية الكامنة: فكما كانت الأولى بوابة لتوطيد الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، يمكن أن تصبح الثانية مدخلاً لإعادة هندسة توازن القوى في كامل أوراسيا.

وإذا نجح ترامب في تحقيق أهدافه – سواء عبر إخضاع النظام الإيراني استراتيجياً أو الإطاحة به عسكرياً – فقد تكون العواقب طويلة المدى عميقة ومؤثرة.

وقد تشمل هذه العواقب إضعاف التحالف المناهض للغرب بين الصين وروسيا وإيران، وفتح ممرات جديدة للنفوذ الاقتصادي والسياسي والأمني تربط بين الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى، وتقسيم آسيا إلى مسارح استراتيجية شرقية وغربية، بما يصعّب على أي قوة واحدة الهيمنة على القارة بأكملها.

ومع ذلك، يظل هذا النهج محفوفاً بالمخاطر. فالتصعيد العسكري قد يُسفر بسهولة عن نتائج عكسية، مسبباً فوضى أكبر في الشرق الأوسط واستنزافاً للموارد الأمريكية.

كما أنه من الصعب تصور بقاء روسيا والصين على الحياد إذا حاولت واشنطن إعادة تشكيل توازن القوى الأوراسي على هذا النطاق.

ويقدّم التاريخ تحذيراً مهماً: ففي خمسينيات القرن الماضي، عبّر جورج كينان، مهندس سياسة الاحتواء، لاحقاً عن أسفه لأن أفكاره فُسّرت كتبرير للعسكرة العالمية.

فغالباً ما تنتهي النظريات الاستراتيجية بخدمة سياسات لم يقصدها أصحابها أصلاً.
وقد يواجه الآن هذا التناقض كلٌّ من ستيفن والت وجون ميرشايمر، إذ إن الأفكار التي صيغت أصلاً لكبح النفوذ الأمريكي وتشجيع التفاهم مع إيران، قد تتحول – في يد ترامب – إلى غطاء نظري لحرب تهدف إلى إخضاع النظام الإيراني أو الإطاحة به.


التعليقات