تقرير: يمنيات معيلات لأسرهن في زمن الحرب ... تمكين أم ضرورة؟
يمن فيوتشر - DW- منى تركي: الأحد, 08 مارس, 2026 - 10:29 مساءً
تقرير: يمنيات معيلات لأسرهن في زمن الحرب ... تمكين أم ضرورة؟

من مطبخها الصغير، تفوح روائح العود والبخور لتملأ المبنى كله. ابتهال شمسان (61 عاماً)، هي معلمة رياضيات بالأساس. لكنها منذ سبعة سنوات، أطلقت مشروعاً تجارياً صغيراً لبيع منتوجها المنزلي من العطور والبخور ونوع من الحلويات المحلية يسمى "الفوفل الملبس". تقول ابتهال لـ DW عربية إن العيش بمستوى يلبي الاحتياجات الأساسية لأسرتها من دخلها كمعلمة بات منذ سنوات مستحيلاً.
"الغلاء الفاحش" يتهدد الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. انهارت العملة اليمنية إثر انقسام السياسة النقدية بين الحكومتين، في عدن وفي صنعاء، إلا أن الرواتب لم تتغير. تضع مبادرة تتبع الاقتصاد اليمني متوسط راتب المعلم عند 60 ألف ريال يمني شهرياً وهو ما لا يتجاوز الـ .533 يورو في 2026. تقول ابتهال إنها ما كنت لتتمكن من توفير احتياجات بناتها الثلاث لو أنها لم تبادر إلى تعلم حرفة.

 

الأم "مديرة أزمة الأسرة"
تشير تقارير ميدانية في السنوات الأخيرة أن النساء تعاملن مع الواقع الاقتصادي الجديد للبلاد بشكل أكثر فعالية من الرجال. في أحد هذه المسوحات الميدانية التي أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة بالشراكة مع جامعة عدن غطت قرابة الألف أسرة عبر البلاد، وُجد أن عدد النساء كمعيل رئيس للأسرة قد تضاعف منذ بدء النزاع. هذا بينما تخلى أكثر من 13% من الرجال عن هذا الدور.
تقول د. إلهام مانع، الأستاذ المشارك للعلوم السياسية في جامعة زيورخ، إن الأم تصبح مديرة أزمة الأسرة. وتضيف في تصريح لـ DW عربية: "أنماط التكيف لدى المرأة في وجه الأزمات تتجسد في سعيها لرعاية وإنقاذ شبكتها الاجتماعية. المثال على هذا من اليمن هو أن 42% من الأمهات يقلن بإنهنّ يأكلن أقل من حاجتهنّ ليتوافر لبقية الأسرة ما يكفي من الطعام".
المساهمة الكبرى للنساء اليمنيات في الاقتصاد اليمني كانت تاريخياً في الأنشطة الزراعية والقطاعات غير الرسمية. في السنوات القليلة الأخيرة، احتفت تقارير من البنك الدولي وتقارير إعلامية بنماذج لمشاريع تجارية صغيرة تقودها نساء من أجزاء مختلفة من البلاد. هذه المشاريع ترفد السوق اليمنية بمنتجات محلية الصنع بينما تنتشل صاحباتها من الفقر.
د. إلهام مانع تقول بأن انتشار دور المعيل وقائد الأسرة بين النساء دفعت به ضرورات الانهيار الاقتصادي ومغادرة الرجال إلى الجبهات: "هذه الظاهرة ليست تمكيناً فعلياً لأنها لا تترجم في الواقع إلى حياة مستقرة وآمنة للنساء. إنها آلية نجاة، ينتج عنها تمكين اجتماعي واقتصادي جزئي بدافع الضرورة. ذلك لأن أدوار الإعالة والقيادة هذه تأتي في سياق هش، حيث لا حماية من الفقر، والنزوح والعنف القائم على النوع الاجتماعي".  

 

حياة النازحات "هشة"
يعيش 4.5 مليون شخص في حالة نزوح في اليمن، جلهم من الأطفال والنساء. بحسب هيئة الأمم المتحدة للمرأة، واحدة من كل أربع أسر نازحة تقودها امرأة، ما يمثل ثلاثة أضعاف النسبة ما قبل الحرب.
منيرة الصغير (43 عاماً)، ربة أسرة نازحة تعول طفلين من عملها على ماكينة خياطة صغيرة في أحد أحياء الصفيح في عدن. قبل ثمان سنوات، تركت منيرة مدينة الراهدة في محافظة تعز وسط البلاد. يسيطر على تعز الحوثيون، ما جعلها هدفاً لضربات خصومهم الكثر.
 تقص منيرة لـ DW عربية كيف أنها كانت تفرّ من بيتها ساعات القصف ممسكة بأحد طفليها في يد والآخر في اليد أخرى، بينما هي في أشهرها الأخيرة من الحمل. يوم الولادة عاودت طائرات التحالف المناوئ للحوثيين قصف المنطقة مما أدى بالأطباء لتعجيل الولادة لإخلاء المستشفى. منيرة تقول إن "الولادة المستعجلة كانت سبباً في علة وليدها الذي توفى بعد بضعة أشهر. كما أدت الحادثة إلى إصابة لازالت تعاني منها في العمود الفقري".

منيرة مجهدة جسدياً ونفسياً. كانت قد انفصلت عن زوجها بسبب تقاعسه عن الإنفاق على الأسرة. بعد تضرر منزلهم بالقصف، نزحت هي وطفليها إلى عدن أملاً في الأمان وفرص رعاية صحية أفضل. وفي عدن سكنت في غرفة داخل مبنى مهجور في ضواحي المدينة لبضع سنوات. تصف منيرة حياتها في تلك الغرفة "بالغير آدمية". وتوضح: "كنا نعيش بين الفئران والأفاعي". منذ يوم نزوحها وحتى اليوم، تعمل المرأة على ماكينة الخياطة رغم آلام ظهرها لتوفر الطعام لطفليها، وترسلهم إلى المدرسة.

 

هل غيرت الحرب الأدوار الاجتماعية إلى غير رجعة؟
تقول منيرة أن المجتمع من حولها يشاركها ظروفها. الفقر وتقطع الرواتب يجعل من الصعب عليها العثور على زبائن بشكل ثابت. "ليس لي راتب ولا أتلقى مساعدات نقدية لكنني أفرح عندما تصرف الحكومة الرواتب بعد انقطاعها لأشهر، لأن هذا يعني أن زبائني يجدون المال ليطلبوا خدمتي"، تقول منيرة.
يعاني اليمن تاريخياً من فجوة هي الأكبر بين الجنسين في الشرق الأوسط. د. إلهام مانع، الأستاذ المشارك للعلوم السياسية في جامعة زيورخ، تشير إلى أن التغيير الملحوظ في أدوار المرأة يلقى مقاومة من خلال حملات وأعمال عنف تستهدف نساء ينشطن في الفضاء العام. لكنها تستطرد: "الأعراف التقليدية التي تعارض عمل المرأة ومشاركتها في الفضاء العام ستحاول إعادة فرض نفسها على النساء بعد الحرب. لكن ما تغير هو نظرة المرأة لنفسها كطرف فعال في قيادة الأسرة والمجتمع. هذا الوعي سيحمل، كما فعل في بلدان أخرى، بذور تغيير طويل الأمد".


التعليقات