تحليل: إيران تحت ضغط غير مسبوق.. لماذا تبدو واشنطن أقرب من أي وقت إلى مواجهة حاسمة؟
تحليل: إيران تحت ضغط غير مسبوق.. لماذا تبدو واشنطن أقرب من أي وقت إلى مواجهة حاسمة؟

بعد ثمانية أشهر فقط من الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً، والتي شهدت تعاون الولايات المتحدة وإسرائيل لضرب البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، تجد واشنطن نفسها مرة أخرى على شفير مواجهة مع طهران. وفي مؤشر على قلق النظام الإيراني إزاء التحرك العسكري، أفيد أن وزير الخارجية عباس عراقجي وافق على لقاء المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في السادس من فبراير/شباط، وربما بحضور وزراء خارجية دول إقليمية أخرى. ورغم التساؤلات حول ما إذا كان اللقاء سيُعقد وأين، فإن الأطراف تبدو واضحة في نقطة تحول، حيث تعيد إيران عرض المحادثات، والإدارة الأمريكية على استعداد للنظر فيها.

والسبب المباشر للتوترات الحالية هو القمع الذي شنّه النظام الشهر الماضي ضد الاحتجاجات الواسعة، والذي أسفر عن مقتل آلاف الإيرانيين. وخلال تلك الاضطرابات، اتخذ الرئيس ترامب خطوة استثنائية بوعده بالتدخل نيابة عن المتظاهرين. ومع تصاعد الاحتجاجات، حثّهم على “مواصلة الاحتجاج – استحوذوا على مؤسساتكم”، ووعد بأن “المساعدة في الطريق”. ورغم أنه أرسل قوات عسكرية إلى المنطقة، بما في ذلك مجموعة حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لنكولن، اختار ترامب في النهاية عدم التدخل مباشرة خلال الاحتجاجات نفسها، مؤكداً أن تهديداته دفعت النظام إلى إلغاء تنفيذ مئات الإعدامات المخطط لها للمتظاهرين.

ومع ذلك، فإن المخاوف الأمريكية بشأن قمع النظام لم تتضاءل، بل تفاقمت لتضاف إلى المخاوف الأمنية الأخرى. فقد أدت الضربات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 2025 إلى تأخير كبير في البرنامج النووي الإيراني لكنها لم تلغِه. ونتيجة الغياب الطويل للمفتشين الدوليين أو عدم وجود تقارير موثوقة حول وضع المواد النووية والأنشطة المرتبطة بها، أصبح وضع البرنامج أكثر غموضاً مما كان عليه خلال العقود الماضية. وبالمثل، تعرضت منصات الصواريخ ومستودعات الأسلحة الإيرانية لأضرار، لكنها لم تُدمَّر بالكامل، وقد دفع الأداء المفاجئ الفعّال لتلك الصواريخ السلطات الإسرائيلية إلى اعتبارها تهديداً وجودياً، وليس مجرد خطر. كما اتخذت طهران خطوات لإعادة بناء شبكة شركائها ووكلائها، بما في ذلك استئناف تمويل حزب الله اللبناني إلى مستويات ما قبل أكتوبر 2023.

وقبل احتجاجات يناير/كانون الثاني، كانت هناك توقعات واسعة في الشرق الأوسط بأن الأشهر القادمة ستشهد جولة جديدة من الضربات الإسرائيلية ضد إيران، من المرجح أن تركز على مزيد من إضعاف قدراتها الصاروخية. ومن المتوقع الآن أن تُنفَّذ أي ضربات بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن تشمل أهدافاً أوسع لم تُحدد بعد، وربما تشمل تغيير النظام. ومع ذلك، كما حدث في يونيو/حزيران 2025، عرض الرئيس ترامب أيضاً مخرجاً دبلوماسياً، مشيراً إلى أن طهران يمكنها تفادي الضربات من خلال الالتزام بتحذيرين: “لا نووي” و”توقفوا عن قتل المتظاهرين”.

 

خياران أمريكيان، وتحديات متعددة

تُعد الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران دائماً محفوفة بالصعوبات. إذ من المرجح أن تتركز المحادثات القادمة حول أربعة ملفات رئيسية: البرنامج النووي، والبرنامج الصاروخي، ودعم إيران للوكلاء الإقليميين والجماعات الإرهابية، وقضايا حقوق الإنسان، وهي ملفات كانت حاضرة على جدول الأعمال لعقود مع مستويات متفاوتة من التركيز.

في عام 2015، أثناء التفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، تعرّضت إدارة أوباما لانتقادات بسبب تركيزها الضيق على الملف النووي وإغفالها تقريباً لجميع القضايا الأخرى. وقد دافع المسؤولون الأمريكيون آنذاك عن هذا القرار باعتباره عملياً واستراتيجياً في الوقت ذاته، إذ كانوا يسعون لمعالجة القضية الأكثر خطورة وخلق مساحة لإبرام اتفاقات مستقبلية حول ملفات أخرى مثيرة للقلق.

ولا توجد فرصة كبيرة لأن تقوم واشنطن بحساب مماثل هذه المرة. فإلى جانب أن الرئيس ترامب كان ناقداً صريحاً لخطة العمل الشاملة المشتركة وانسحب منها في 2018، فإن أي محاولة حالية لإبرام اتفاق نووي فقط مع إيران لن يُنظر إليها على أنها مبدئية أو عملية. بل على العكس، فتقديم تنازلات لإيران أو إعفائها من الضربات مقابل خطوات نووية فقط سيُعتبر تخلياً عن التزام ترامب تجاه المتظاهرين الإيرانيين، في سياق مماثل لقرار أوباما الشهير بعدم فرض “الخط الأحمر” ضد استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية في 2013. وقد لا يحقق اتفاق نووي فقط حتى الهدف الأدنى المتمثل في منع تصعيد النزاع الإقليمي، فإسرائيل لا تزال مصممة على إضعاف البرنامج الصاروخي الإيراني، وهو ما يستدعي على الأرجح تنفيذ ضربات جوية خلال الأشهر المقبلة في حال غياب حل تفاوضي.

 

يبدو أن هذه العوامل تترك الإدارة الأمريكية مع خيارين فقط: تنفيذ ضربات عسكرية، أو الوصول إلى “صفقة كبرى” تشمل جميع القضايا التي تهم واشنطن. ومع ذلك، لا يبدو أي منهما مرضياً. فالإدارة لا يمكن أن تثق بأن الضربات الجوية والصاروخية وحدها ستنجح في تحقيق أهدافها بالنسبة للبرنامج النووي.

فعلى سبيل المثال، من المرجح أن يكون الجزء الأكبر من اليورانيوم المخصب بدرجة عالية لدى إيران مدفوناً تحت الأنقاض في المواقع التي تم ضربها في يونيو/حزيران الماضي، أو مخزوناً بأمان داخل أنفاق محصنة. وبناءً عليه، فإن التعامل معه يتطلب تدخلاً مباشراً، سواء عبر قوات برية أو مفتشين أو طرف آخر لدخول تلك المواقع. كما لا يمكن للإدارة أن تثق بأن ضربات جديدة – حتى لو كانت عمليات مستهدفة ضد القيادة الإيرانية – ستؤدي إلى تغيير النظام أو قيام حكومة جديدة أكثر توافقاً مع مصالح الولايات المتحدة.

وقد يكون تحقيق صفقة كبرى أصعب بكثير. فمطالبة النظام بالتخلي عن قمع المعارضة، والقدرات الصاروخية، وشبكات الوكلاء الإقليميين، وبرنامجه النووي، يعادل مطالبة بتغيير شامل في استراتيجية الأمن القومي للجمهورية الإسلامية. ورغم أن النظام أضعف بشكل ملحوظ، إلا أنه لا يبدو مستعداً لمثل هذا التحول. ويصف المعلقون الإيرانيون نتائج حرب العام الماضي غالباً بأنها حالة جمود، ويعزون قرار الرئيس ترامب بإعلان وقف إطلاق النار بشكل أحادي بعد يوم واحد فقط من الضربات الأمريكية إلى قدرة الردع الإيرانية. وقد يعتقد مسؤولو النظام أن تهديد الصواريخ والقوة غير المتكافئة يكفي لردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن شن حملات عسكرية إضافية، ويزداد تأكيدهم على موقفهم نتيجة التدخل العاجل للدول الإقليمية لإقناع إدارة ترامب بعدم تنفيذ ضربات جديدة.

وقد دفعت هذه العقبات بعض المحللين إلى الاقتراح بأن سياسة تغيير النظام وحدها يمكن أن تلبي المصالح الأمريكية، لكن من دون خطة قابلة للتنفيذ لتحقيق ذلك، يظل تغيير النظام طموحاً لا سياسة. والأساليب المختلفة لمحاولة تحقيقه إما غير واقعية في سياق السياسة الأمريكية الحالية، أو من المرجح أن تستغرق وقتاً طويلاً. وإذا شرعت الولايات المتحدة بهدف معلن هو تغيير النظام، فقد تكون النتائج عكسية على نواياها: فقد يزيد النظام من قمع المتظاهرين، ويعزز صواريخه ووكلاءه، وربما يلجأ إلى تطوير سلاح نووي لدرء انهياره.

 

مخرج محتمل

رغم هذه الصعوبات، تمتلك إدارة ترامب مزايا كبيرة في أي مواجهة مع إيران: فالنظام على الأرجح لا يقوم حالياً بتخصيب اليورانيوم، وقد يتم ردعه عن محاولة الانفجار النووي باستخدام مخزونه الحالي خوفاً من هجوم أمريكي أو إسرائيلي؛ كما أظهرت حرب يونيو/حزيران، فإن إيران شديدة الهشاشة أمام الهجمات، وقد تخلت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل عن ترددها في ضرب البلاد مباشرة، ما يجعل التهديدات العسكرية جدية وموثوقة؛ كما أن وكلاء طهران الإقليميين غير قادرين حالياً على تقديم دفاع حاسم عنها، ولم يظهر شركاء مثل روسيا والصين أي استعداد لذلك؛ وأخيراً، تواجه إيران تحديات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة على الصعيد الداخلي.

 

مع وضع هذه المزايا في الاعتبار، ينبغي على إدارة ترامب أن تفكر أقل في “اتفاق” مع طهران، وأكثر في كيفية استخدام تهديد الضربات الوشيكة للضغط على إيران لتحقيق مطالبها بشأن مجموعة من القضايا، بما في ذلك:
    •    البرنامج النووي: يجب التأكيد على التزام إيران بالاتفاقيات الدولية عبر التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والسماح باستئناف كامل لأنشطة التفتيش والمراقبة والتحقق على الأراضي الإيرانية، وتقديم حساب شامل عن المواد والأنشطة النووية المتبقية، وكذلك عن مواقع أي أنقاض من المواقع النووية التي تم استهدافها.
    •    حقوق الإنسان: حتى إذا تمكنت إدارة ترامب من انتزاع تنازلات نووية كبيرة من إيران، فإن المحادثات بين ويتكوف وعراقجي قد تُعتبر فاشلة إذا لم تحصل الولايات المتحدة على تنازلات بشأن معاملة النظام لشعبه، بما في ذلك:
    •    إلغاء الحجب في وسائل الاتصال وغيرها من الإجراءات التي اتخذت ضدهم خلال الاحتجاجات الأخيرة،
    •    إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، و
    •    الامتناع بشكل موثق عن تنفيذ الإعدامات السياسية أو إساءة المعاملة أو الاضطهاد.
    •    الصواريخ والوكلاء الإقليميون: ينبغي أن تطلب واشنطن من الشركاء الإقليميين التفاوض مع طهران على حدود متفق عليها بشأن حجم ومدى وتركيب ترسانات الصواريخ ودعم الجهات غير الحكومية الفاعلة، مع التأكيد على حرية إسرائيل في التحرك إذا اختارت الولايات المتحدة عدم الضرب، وتذكير الشركاء الإقليميين بأن فشلهم في تطبيع العلاقات مع إسرائيل يقلل من قدرتهم على التأثير والتوسط لتحقيق السلام الإقليمي.

ما يجب ألا تفعله إدارة ترامب هو تقديم تخفيف للعقوبات مقابل تنازلات إيرانية على غرار نموذج خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، ويجب التأكيد أن العبء يقع على النظام الإيراني لتفادي الصراع، وليس على الولايات المتحدة أي التزام لإنقاذه من خياراته الخاصة.

للاطلاع على المادة من موقعها الأصلي عبر الرابط التالي: 

 


التعليقات