حذرت الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا، خلال إحاطات أمام مجلس الأمن الدولي بشأن اليمن، من مخاطر اتساع رقعة المواجهات العسكرية وتفاقم الأزمة الإنسانية، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية والبنية التحتية والملاحة البحرية، واستمرار العمليات العسكرية على جبهات القتال داخل اليمن.
ودعت الدول الثلاث الأطراف اليمنية إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار السياسي، وسط تباين في مواقفها بشأن التعامل مع الحوثيين؛ إذ شددت واشنطن ولندن على ضرورة تشديد الضغط الدولي على الجماعة ووقف تدفق الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج إليها، فيما حذرت موسكو من أن استمرار المواجهات ومحاولات حسم النزاع عسكرياً قد يدفع اليمن والمنطقة إلى مزيد من الفوضى.
وقال الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة لشؤون الإدارة والإصلاح، السفير جيفري بارتوس، إن واشنطن تشعر بقلق بالغ إزاء ما وصفه بالتصعيد المستمر من جانب الحوثيين، مديناً هجماتهم على البنية التحتية المدنية والمطارات، والتي قال إنها أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، بما في ذلك الهجمات الصاروخية على مطار الملك خالد الدولي في الرياض.
وأضاف بارتوس أن الحوثيين كثفوا هجماتهم على البنية التحتية الحيوية للطاقة، بما في ذلك ضربات أعلنوا تنفيذها على منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية، معتبراً أن هذه الهجمات تهدد أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي خارج المنطقة.
وقال إن الولايات المتحدة تقف إلى جانب السعودية والحكومة اليمنية في مواجهة التهديد الحوثي، مطالباً الجماعة بوقف هجماتها على الطرفين، وإيران بوقف جميع أشكال دعمها للحوثيين.
ودعا بارتوس مجلس الأمن إلى اتخاذ خطوات لوقف تدفق المكونات ذات الاستخدام المزدوج والمواد الكيميائية الأولية إلى الحوثيين، مع اقتراب تجديد نظام العقوبات الخاص باليمن في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، كما طالب بالتنفيذ الكامل لقراري مجلس الأمن 2140 و2216 ومساءلة إيران.
وفي الشأن الإنساني، جدد المسؤول الأمريكي المطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة وموظفي السفارة الأمريكية المحتجزين لدى الحوثيين، مشيراً إلى أن احتجاز العاملين في المجال الإنساني ومضايقة وكالات الإغاثة أعاقا العمل الإنساني في البلاد.
•موسكو تحذر من الانزلاق إلى الفوضى
من جانبه، قال المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إن الوضع في اليمن ومحيطه شهد تدهوراً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، معتبراً أن الجولة الحالية من الأزمة العسكرية والسياسية تمثل أخطر تصعيد تشهده البلاد خلال السنوات الخمس الماضية.
وأضاف أن وقف إطلاق النار الذي التزمت به الأطراف اليمنية فعلياً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022 لم يعد قائماً، مشيراً إلى استمرار تبادل الضربات باستخدام المدفعية والمدرعات والطائرات المسيّرة، واندلاع مواجهات عنيفة على امتداد الساحل في محافظة تعز، بما في ذلك المناطق المحيطة بمدينة ذوباب.
وأشار نيبينزيا إلى أن الغارات الجوية على مواقع الحوثيين في شمال اليمن تتزامن مع هجمات الجماعة على منشآت داخل الأراضي السعودية، بما فيها مناطق بعيدة عن الحدود والعاصمة الرياض، محذراً من انعكاسات التصعيد على أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب والتجارة الدولية.
وقال إن حركة الملاحة التجارية عبر مضيق باب المندب لا تزال مستمرة، وإن كانت بوتيرة أقل، في ظل اضطراب مسارات النقل والخدمات اللوجستية.
ودعا المسؤول الروسي جميع الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس ووقف العنف، محذراً من استهداف البنية التحتية المدنية، بما فيها المطارات الدولية في عدن والرياض وصنعاء، لما تؤديه من دور إنساني وتجاري مهم.
وأكد أن حل الأزمة اليمنية بالقوة ينذر بانزلاق البلاد والمنطقة المحيطة بها إلى الفوضى، مشدداً على ضرورة منع اتساع المواجهة أو انضمام أطراف جديدة إليها.
ودعا نيبينزيا إلى إطلاق حوار يمني بناء على أساس خارطة الطريق للتسوية، معتبراً أنها يمكن أن تشكل، بعد إدخال تعديلات عليها، أساساً لعملية سياسية تقودها الأمم المتحدة. كما أكد استعداد موسكو لمواصلة العمل الدبلوماسي مع الأطراف المعنية في المنطقة، والتعاون مع الحكومة اليمنية والقوى السياسية الأخرى، بما فيها الحوثيون.
•479 مدنياً بين قتيل وجريح ونزوح أكثر من 200 ألف
بدورها، أدانت نائبة المندوب الدائم للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة، السفيرة كيت فوستر، ما وصفته بالتصعيد الخطير للحوثيين في اليمن، قائلة إن هجماتهم الأخيرة أدت إلى احتدام النزاع وزيادة معاناة المدنيين وتقويض فرص السلام.
وقالت فوستر إن قوات الحوثيين تواصل حصار المدنيين في مدينة تعز وتهديد طرق الإمداد الحيوية، الأمر الذي يزيد الضغط على النظام الصحي الذي يعاني أصلاً من الهشاشة.
وأضافت أن الهجمات الحوثية على السفن والمدنيين والبنية التحتية الحيوية تمثل تهديداً للأمن الإقليمي وحركة الشحن البحري وأمن الطاقة العالمي، معربة عن تعازي بلادها للسعودية في ضحايا الهجمات على مطاري أبها والملك خالد الدوليين.
وأكدت أن لندن تقف إلى جانب الحكومة اليمنية والسعودية في مواجهة تلك الهجمات، مشددة على حقهما في الدفاع عن أمنهما وسيادتهما وفقاً للقانون الدولي، وداعية الحوثيين إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي.
وفيما يتعلق بالتداعيات الإنسانية، قالت فوستر إن التصعيد الأخير فاقم الأزمة التي كانت متدهورة بالفعل منذ اشتداد القتال في سبتمبر/أيلول.
وأضافت أن 479 مدنياً قُتلوا أو أُصيبوا، وأن أكثر من 200 ألف شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم، وفق الأرقام التي عرضتها في إحاطتها أمام المجلس.
وأشارت إلى أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أفادت بتأثر 300 عيادة للرعاية الصحية الأولية، ما يحد من الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة، بما في ذلك التغذية والتطعيم. كما لفتت إلى تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان عن اضطرار نساء حوامل إلى الولادة على جوانب الطرق نتيجة الظروف التي فرضها النزاع.
وقالت إن المملكة المتحدة تواصل دعم الاستجابة الإنسانية في اليمن، عبر التزام بتقديم 137 مليون دولار خلال العام الجاري، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع العاملين المحتجزين لدى الحوثيين من الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة كاملة وآمنة ودون عوائق.
•دعوات لتشديد العقوبات واستئناف العملية السياسية
وربطت بريطانيا استمرار الهجمات بتدفق الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، داعية الدول الأعضاء إلى الالتزام الكامل بنظام العقوبات الذي أنشأه مجلس الأمن بموجب القرار 2140، وضمان أن يظل النظام فعالاً ومواكباً للتهديدات المتغيرة عند تجديد ولايته الشهر المقبل.
وأكدت فوستر أن النزاع لا يمكن حله عسكرياً، وأن بلادها ستواصل دعم جهود المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ لخفض التصعيد ودفع عملية سياسية شاملة.
وتعكس المواقف الثلاثة مخاوف دولية متزايدة من تحول المواجهات داخل اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، في ظل امتداد الهجمات إلى الأراضي السعودية وتهديد الممرات البحرية الحيوية، بالتزامن مع تدهور الأوضاع الإنسانية واستمرار احتجاز موظفين أمميين وعاملين في المجال الإنساني.
وبينما تدفع واشنطن ولندن نحو زيادة الضغط على الحوثيين وإيران وتشديد الرقابة على تدفق الأسلحة، تركز موسكو على وقف العمليات العسكرية ومنع اتساع رقعة الحرب والعودة إلى المفاوضات، في تأكيد على استمرار الخلافات الدولية بشأن سبل احتواء التصعيد، رغم الدعوات المشتركة إلى تجنب استهداف المدنيين واستئناف المسار السياسي.