في مدينة اعتادت أن تروي نفسها عبر المقاهي والأرصفة وأحاديث المساء، عاد "كوب الشاهي" إلى الواجهة بوصفه أكثر من مجرد مشروب يومي. عاد حاملًا شيئًا من ذاكرة عدن القديمة، ومن صور اللمة التي جمعت الناس لعقود حول طاولات صغيرة صنعت حكايات كبيرة.
لم يكن المشهد في الساحة المقابلة لمنارة عدن مجرد احتفاء بمشروب ارتبط بالحياة اليومية لأبناء المدينة، بل بدا أقرب إلى استعادة جماعية لذاكرة اجتماعية وثقافية ظلت حاضرة في وجدان العدنيين رغم تحولات السنوات الأخيرة.
احتشد مئات الزوار حول أكواب الشاهي العدني في مهرجان أعاد إلى الواجهة واحدًا من أكثر الرموز ارتباطًا بالحياة العامة في عدن؛ ذلك المشروب الذي تجاوز وظيفته اليومية ليصبح جزءًا من طقوس اللقاء والحديث والرفقة، وركنًا ثابتًا في المقاهي التي شكلت لعقود فضاءات للحوار وتبادل الحكايات.
وجاء المهرجان، الذي أُقيم في 21 مايو/أيار 2026 تزامنًا مع اليوم العالمي للشاي، امتدادًا لمبادرة شبابية تسعى إلى الاحتفاء بالشاهي العدني بوصفه مكونًا من مكونات الهوية المحلية.
وبحسب تصريح خاص لـ"يمن فيوتشر"، أوضح شعيب العفيف، عضو اللجنة المنظمة للمهرجان، أن الفعالية جاءت ضمن خطة مؤسسة بلا حدود لتنظيم المهرجانات والفعاليات المجتمعية، مؤكدًا أن الهدف منها يتمثل في "إعادة روح المقهى العدني وإحياء اللمة والجمعة التي كانت في السنوات الماضية"
وقبل انطلاق الفعاليات، نُظمت جلسة تجريبية لتذوق الشاهي العدني بحضور السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين كورم-كامون وممثلين عن عدد من المنظمات الدولية، في مؤشر على اتساع الاهتمام بفعالية تستند إلى الموروث الشعبي بقدر ما تنفتح على الفضاء الثقافي الأوسع.
واحتضنت الساحة المقابلة لمنارة عدن التاريخية فعاليات المهرجان، في موقع جمع بين رمزية المكان وحيوية الحدث، حيث التقت ذاكرة المدينة بأحد أكثر تفاصيلها اليومية حضورًا؛ "كوب الشاهي" الذي ظل لعقود جزءًا من المشهد الاجتماعي العدني.
واستغرق الإعداد للمهرجان نحو أسبوعين من التخطيط والتنسيق الميداني مع المقاهي المشاركة، قبل استكمال التصاريح والترتيبات اللوجستية اللازمة.
ومن هذا المنطلق، جمع المهرجان عددًا من أشهر المقاهي العدنية في مكان واحد، بينها مقهى سكران، ومقهى عبيد، ومقهى مليط، ومقهى كشر، وشاهي وليد، لتقديم خلطاتها الخاصة أمام الجمهور في مشهد استعاد جانبًا من المنافسة الودية التي عُرفت بها المقاهي العدنية عبر سنوات طويلة.
كما شكل المهرجان مساحة مفتوحة لتذوق الشاهي العدني مجانًا، في محاولة لإعادة تقديم هذا الموروث الشعبي للأجيال الجديدة، وإحياء الأجواء التي ارتبطت بالمقاهي العدنية بوصفها ملتقى اجتماعيًا وثقافيًا لأبناء المدينة.
•الشاهي.. رمز للحنين وذاكرة للمكان

بعيدًا عن النكهات المختلفة التي قدمتها المقاهي المشاركة، بدا أن الزوار جاءوا بحثًا عن شيء آخر؛ عن صورة من عدن التي عرفوها، وعن لحظات الألفة التي كانت تجمع الناس حول طاولات المقاهي وأحاديث المساء.
وكان حضور كبار السن من أكثر المشاهد لفتًا للانتباه خلال المهرجان. بعضهم جاء ليستعيد تفاصيل مألوفة من زمن مضى، وآخرون وجدوا في المكان فرصة للقاء أصدقاء ووجوه ارتبطت بذاكرة المدينة.
ويصف العفيف هذا المشهد بأنه كان من أكثر اللحظات تأثيرًا بالنسبة لفريق التنظيم، مستعيدًا صورة زوار المهرجان من كبار السن والبسمة على وجوههم بوصفها من أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرته.
ويبدو أن هذا التفاعل الشعبي كان مؤشرًا واضحًا على نجاح الفكرة؛ إذ يؤكد العفيف أن الإقبال الجماهيري فاق التوقعات، إلى درجة مطالبة كثير من الزوار بتمديد المهرجان لعدة أيام إضافية، كما أبدت جهات وشركات داعمة اهتمامها بتكرار التجربة في محافظات أخرى.
ولأن الشاهي في عدن يرتبط بالمكان والناس والذاكرة، فقد وجدت الفنون التشكيلية طريقها إلى المهرجان بوصفها شريكاً في رواية الحكاية نفسها.

لوحة الفنانة التشكيلية سعاد الحداد
وشاركت الفنانة التشكيلية سعاد الحداد بلوحة بعنوان "دفء المساءات"، استلهمت فيها أجواء المدينة القديمة والمقاهي الشعبية، حيث تداخلت الأزقة والمباني التراثية في تكوين بصري نابض بالحياة، بينما حضر كوب الشاي بوصفه رمزًا للألفة والسكينة وسط صخب المدينة وتفاصيلها.
كما شاركت الفنانة سندس سمير بلوحة حملت عنوان "شباك وشاهي من عدن"، ربطت فيها بين النافذة العدنية التقليدية وكوب الشاهي العدني، في استحضار لعناصر معمارية وثقافية ما تزال تمثل جزءًا من هوية المدينة وخصوصيتها.
وفي كلا العملين، لم يظهر الشاهي باعتباره موضوعًا بصريًا فحسب، بل بوصفه رمزًا ثقافيًا قادرًا على حمل حكايات المكان والناس، وتحويل التفاصيل اليومية إلى سرد بصري يحفظ الذاكرة ويعيد إنتاجها.
•من فعالية شعبية إلى مشروع ثقافي
وراء المشهد الاحتفالي، برزت محاولة لتحويل عادة يومية متجذرة في حياة الناس إلى مناسبة ثقافية تستدعي الذاكرة وتحتفي بالمكان وتعيد تقديم أحد أبرز ملامح الهوية العدنية للأجيال الجديدة.

وجاء المهرجان ثمرة تعاون بين السلطة المحلية والقطاع الخاص وعدد من المقاهي المشاركة. وبحسب شعيب العفيف، فقد أسهمت السلطة المحلية في مديرية صيرة، ممثلة بمحمود بن جرادي، في تسهيل الإجراءات والحصول على التصاريح اللازمة لإقامة الفعالية، فيما حضرت مؤسسة الشهاري كشريك داعم للمهرجان.
وأوضح أن التنسيق مع أصحاب المقاهي المشاركة كان سلسًا، حيث رحب الجميع بالفكرة وأبدوا استعدادهم للمشاركة وتقديم خلطاتهم الخاصة أمام الجمهور.
وفيما يتعلق بمستقبل المهرجان، أشار العفيف إلى أنه سيُقام سنويًا، مع العمل على تنظيم نسخ منه في محافظات مختلفة، بما يوسع من دائرة حضوره ويعزز من إبراز الشاهي كمكون ثقافي واجتماعي.
وبين أكواب الشاهي وأحاديث الزوار ولوحات الفنانين، بدا أن المهرجان نجح في استحضار جانب من عدن التي ما زالت تسكن ذاكرة أبنائها؛ عدن التي تحتفظ بحكاياتها في المقاهي كما تحتفظ بها في الأزقة والوجوه واللقاءات اليومية.