قد لا تبدو بروناي والغابون دولتين تجمعهما قواسم مشتركة كثيرة، غير أنهما تنضويان ضمن مجموعة صغيرة من الدول المنتجة للطاقة التي تُعد من أبرز المستفيدين من الحرب ضد إيران.
وانصبّ التركيز، في الغالب، فيما يتعلق بالصراع مع إيران، على الكلفة المتزايدة التي بات العالم يتحملها نتيجة ارتفاع أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي، بفعل الإغلاق الفعلي لمضيق مضيق هرمز.
فارتفاع معدلات التضخم، واضطراب سلاسل الإمداد، وتنامي مخاطر نقص المنتجات المكررة والأسمدة والمواد اللازمة لمعالجة الخامات المعدنية، كلها عوامل تعني أن كل دولة، في نهاية المطاف، تدفع ثمناً لهذا الصراع.
ومع ذلك، هناك دول تحقق مكاسب كبيرة من ارتفاع أسعار النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة والغاز الطبيعي المسال (LNG)، بما يفوق — حتى الآن — كلفة التضخم المتصاعد.
وتُعد بروناي، السلطنة الواقعة على جزيرة بورنيو في جنوب شرق آسيا، والتي يقل عدد سكانها قليلاً عن 500 ألف نسمة، مثالاً بارزاً على ذلك.
فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، رفعت بروناي صادراتها من النفط الخام والمنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال، سعياً للاستفادة من الأسعار المرتفعة السائدة في آسيا، وهي المنطقة الأكثر تأثراً بإغلاق المضيق.
وبحسب بيانات جمعتها شركة كبلر المتخصصة في تحليل أسواق السلع، بلغت صادرات بروناي من النفط الخام 2.74 مليون برميل في أبريل/نيسان، وهو أعلى مستوى لها خلال ثلاثة أشهر، بزيادة قدرها 51% مقارنة بـ1.81 مليون برميل في أبريل/نيسان 2025.
وتقدّر شركة كبلر أن شحنات بروناي من المنتجات النفطية المكررة ستبلغ 4.16 مليون برميل في مايو/أيار، وهو أعلى مستوى لها منذ يوليو/تموز من العام الماضي، فيما تتصدر أستراليا — أكبر مستورد للديزل في العالم — قائمة الوجهات الرئيسية لهذه الشحنات.
ومن المتوقع أن تصل صادرات بروناي من الغاز الطبيعي المسال إلى 330 ألف طن متري في مايو/أيار، انخفاضاً من 370 ألف طن في أبريل/نيسان، لكنها تظل أعلى بكثير من مستوى 280 ألف طن المسجل في مايو/أيار 2025.
ولم تقتصر مكاسب بروناي على زيادة أحجام الصادرات فحسب، بل إنها تستفيد أيضاً من ارتفاع الأسعار بشكل كبير، لا سيما في المنتجات النفطية المكررة.
فقد أغلقت أسعار وقود الطائرات في سنغافورة عند 139.18 دولاراً للبرميل يوم الثلاثاء، قبيل عطلة الأربعاء الرسمية. ورغم تراجعها عن المستوى القياسي البالغ 242.06 دولاراً للبرميل والمسجل في 30 مارس/آذار، فإنها لا تزال أعلى بنسبة 49% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
كما أنهت أسعار زيت الغاز (Gasoil) في سنغافورة — وهو المكوّن الأساسي لإنتاج الديزل — تعاملات الثلاثاء عند 138.68 دولاراً للبرميل، بزيادة قدرها 52% منذ اندلاع الصراع.
وبذلك، تجاوز أداء هذين المنتجين النفطيين المتوسطَي التقطير الزيادة المسجلة في العقود الآجلة لخام برنت القياسي، التي ارتفعت بنسبة 30% لتغلق عند 94.29 دولاراً للبرميل يوم الأربعاء.
وهناك أيضاً دول مصدّرة أكبر حجماً تستفيد من فقدان ما لا يقل عن 10% من إمدادات النفط الخام العالمية، ونحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال، نتيجة تعطلها بسبب إغلاق مضيق هرمز.
وعلى الرغم من أن المضيق يمر عبر أراضي عُمان، فإن صادراتها تقع خارج هذا الممر المائي الضيق، وبالتالي ظلت إلى حد كبير بمنأى عن تأثيرات الصراع.
ومن المتوقع أن تبلغ شحنات عُمان من النفط الخام 31.58 مليون برميل في مايو/أيار، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر/تشرين الأول، فيما تتوقع شركة كبلر ارتفاع صادراتها من المنتجات النفطية المكررة إلى مستوى قياسي يبلغ 17.39 مليون برميل.
كما يُتوقع أن تصل صادرات عُمان من الغاز الطبيعي المسال إلى مليون طن في مايو/أيار، بانخفاض طفيف عن مستوى أبريل/نيسان البالغ 1.09 مليون طن، لكنها تظل أعلى من 830 ألف طن المسجلة في مايو/أيار من العام الماضي.
• أفريقيا وأمريكا اللاتينية
يحقق منتجو النفط في أفريقيا أيضاً مكاسب ملحوظة، لا سيما أن جزءاً كبيراً من نفطهم الخام يُصنّف ضمن الخامات متوسطة الكثافة وفق مقياس API، وهي خصائص مشابهة للنفط الذي خرج من السوق نتيجة الحرب.
ومن المتوقع أن تصدّر أنغولا 31.86 مليون برميل من النفط الخام في مايو/أيار، ارتفاعاً من 29.12 مليون برميل في أبريل/نيسان، وإن كان ذلك دون مستوى 37.56 مليون برميل المسجل في مايو/أيار، والذي شكّل أعلى مستوى خلال عام.
كما يُرتقب أن تشحن الدولة الواقعة في جنوب غرب أفريقيا 420 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال في مايو/أيار، محافظة بذلك على وتيرة مستقرة لصادرات هذا الوقود فائق التبريد.
أما صادرات الغابون من النفط الخام، فمن المتوقع أن تبلغ 7.28 مليون برميل في مايو/أيار، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر/أيلول، في حين شهدت تركيبة المشترين تحولاً واضحاً نحو آسيا منذ مارس/آذار.
وفي أمريكا اللاتينية، تجني الدول المصدّرة للنفط بدورها مكاسب كبيرة، إذ يُتوقع أن تبلغ صادرات الأرجنتين من النفط الخام مستوى قياسياً عند 9.89 مليون برميل في مايو/أيار، أي أكثر من ضعف حجم الصادرات المسجلة في فبراير/شباط.
وكانت الأرجنتين قد صدّرت 700 ألف برميل فقط من النفط الخام إلى آسيا خلال الربع الأخير من عام 2025، لكنها شحنت 7.21 مليون برميل خلال الأشهر الثلاثة الممتدة من مارس/آذار إلى مايو/أيار.
وتشمل قائمة الدول المستفيدة الأخرى غيانا، ونيجيريا، والجزائر، وماليزيا.
ويتمثل القاسم المشترك بين هذه الدول في أنها لا تكتفي بتصدير النفط الخام فحسب، بل تصدّر أيضاً منتجات نفطية مكررة، أو تتمتع على الأقل بالاكتفاء الذاتي من الوقود المكرر، فيما تحظى بعض هذه الدول بميزة إضافية تتمثل في إنتاج الغاز الطبيعي المسال.
إلى جانب ذلك، تمتلك عدة دول منها قطاعات زراعية محلية كبيرة، ما يساعدها على الحد من تأثيرات تضخم أسعار الغذاء الناجم عن ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، مثل الأسمدة والديزل.