تقرير: أزمة مياه حادة في تعز مع تشديد جماعة الحوثيين حصارها على المدينة
يمن فيوتشر - أسوشيتد برس- NPR - ترجمة خاصة: السبت, 24 أكتوبر, 2026 - 11:14 مساءً
تقرير: أزمة مياه حادة في تعز مع تشديد جماعة الحوثيين حصارها على المدينة

تعاني مدينة تعز من شحّ مياه الشرب منذ أكثر من عقد، غير أن الأزمة بلغت مستويات حرجة خلال الأسابيع الأخيرة، مع فرض جماعة الحوثيين المدعومة من إيران حصارًا على ثالث أكبر مدن اليمن، في ظل تصاعد الصراع بينها وبين القوات الحكومية.
وتقول منظمات إنسانية إن احتياجات أكثر من مليون نسمة من سكان تعز باتت بالكاد تُلبّى، في ظل تقييد الوصول إلى الآبار، وتراجع مخزونات الوقود اللازمة لتشغيل محطات تحلية المياه، ومنع شاحنات نقل المياه إلى حدّ كبير من دخول المدينة.
وتضطر الأُسر إلى ترشيد استهلاك كل قطرة ماء. فقبل فرض الحصار على تعز، كانت (هديل الشهيد) وطفلاها الصغيران يستهلكون نحو 10 لترات (ما يعادل 2.6 غالون تقريبًا) من المياه المعبأة يوميًا للشرب والطهي، أما الآن، فيحاولون تدبير الكمية نفسها لتكفيهم نحو أربعة أيام.
وقالت الشهيد في مقابلة هاتفية: «توقفنا عن شرب القهوة والشاي، اللذين اعتدنا تناولهما يوميًا».
وتدفع أُسر مثل أسرة الشهيد مبالغ تزيد بنسبة تصل إلى 75% عمّا كانت تدفعه مقابل المياه المعبأة قبل بضعة أسابيع فقط، فيما بدأت بعض الأُسر شراء المياه بالدَّين.
ولا يقتصر تأثير الحصار المفروض على تعز، التي تمثل بوابة استراتيجية إلى جنوب اليمن، على تقييد إمدادات المياه فحسب، بل أدى نقص المواد الغذائية الأساسية إلى ارتفاع حاد في أسعارها. كما تشهد المدينة نقصًا في الوقود، ما يصعّب الحفاظ على الخدمات الأساسية، مثل المستشفيات وخدمات الصرف الصحي، ويزيد من المخاطر التي تهدد الصحة العامة.
ودعت منظمة العفو الدولية جماعة الحوثيين إلى فتح الطرق المؤدية إلى المدينة فورًا، محذرةً من أن تعز تُدفَع نحو «حافة كارثة إنسانية جسيمة».


•الحوثيون يُحكِمون قبضتهم على تعز ويحرمون السكان من الوصول إلى الآبار
انزلق اليمن إلى أتون الحرب الأهلية عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على مناطق واسعة من شمال البلاد، بما فيها العاصمة صنعاء، وأجبروا الحكومة المعترف بها دوليًا على مغادرة البلاد. ومنذ ذلك الحين، ظلت تعز إحدى أبرز بؤر القتال.
وقد فاقمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المتهالكة للمياه في تعز جراء الحرب الضغوط الناجمة عن النمو السكاني وموجات الجفاف المتكررة، والتي أدت إلى تراجع مخزونات المياه الجوفية. وبدأ السكان يعتمدون على المياه التي تنقلها الشاحنات مقابل مبالغ مالية، باعتبارها بديلًا موثوقًا به إلى حدٍّ كبير، إلى أن تفاقمت الأزمة مؤخرًا.
وبحلول أغسطس/ آب، اتسعت رقعة الحرب المرتبطة بإيران لتشمل اليمن جبهةً متنامية. وفي الشهر الماضي، كثّف الحوثيون تقدمهم نحو تعز، عقب سيطرتهم الخاطفة على مدينة المخا الساحلية، الواقعة على بُعد نحو 130 كيلومترًا (80 ميلًا)، والتي تمثل موقعًا حيويًا للتحكم في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر.
ومع بسط القوات الحوثية سيطرتها على مزيد من الأراضي والطرق المحيطة بتعز، حُرم السكان من الوصول إلى الآبار القريبة، وتراجعت إمدادات المياه الوافدة من خارج المدينة.
واضطر سائقو الشاحنات الذين تمكنوا من نقل المياه إلى تعز، في بعض الحالات، إلى مضاعفة أسعارهم ثلاث مرات مقابل خوض هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر.
ومع تراجع مخزونات الوقود في تعز، تواجه مؤسسة المياه صعوبات في مواصلة عملياتها المحدودة، فيما تعمل محطات تحلية المياه بمستويات تقل كثيرًا عن طاقتها التشغيلية.


•المدينة تعاني أيضًا من نقص الوقود والمواد الغذائية
منذ أغسطس/ آب، استقبلت محافظة تعز، التي تضم المدينة والمناطق المحيطة بها، نحو نصف إجمالي النازحين من مناطق يمنية أخرى جراء القتال، والبالغ عددهم نحو 124 ألف شخص، وفقًا لخبراء الهجرة التابعين للأمم المتحدة. ولا يؤدي ذلك إلا إلى زيادة الضغوط على إمدادات المياه المحدودة وغيرها من الاحتياجات الأساسية في تعز.
وقال (ينس لايركه)، المتحدث باسم إحدى إدارات الأمم المتحدة المعنية بتقديم المساعدات الطارئة، إن بعض الأُسر النازحة باتت تعيش في ملاجئ بدائية أو خيام، وتعتمد على وجبة واحدة يوميًا للبقاء على قيد الحياة.
كما أصبح الوقود اللازم للطهي والتنقل شحيحًا وأكثر تكلفة. و وفقًا لـ (هاني بافقيه)، خبير المياه والصرف الصحي والنظافة في منظمة «كير» الإغاثية في اليمن، ارتفع سعر غاز الطهي إلى أكثر من أربعة أضعاف مستواه السابق. ولمواجهة هذه الظروف، اضطرت بعض الأسر إلى الطهي على نيران تشعلها باستخدام الحطب أو الفحم أو الورق المقوّى.
وقد أدّى نقص الوقود أيضًا إلى زيادة صعوبة توفير المطابخ المجتمعية وجبات ساخنة مجانية للأسر، كما أجبر خدمات جمع النفايات على التوقف عن العمل.
وقال لايركه: «إن أوجه النقص هذه تؤثر بعضها في بعض وتفاقم بعضها بعضًا. فبدون الوقود، تتوقف مضخات المياه ومولدات المستشفيات وخدمات جمع النفايات الصلبة عن العمل. ومع تراجع إمدادات المياه النظيفة وتراكم النفايات، ترتفع مخاطر انتشار الأمراض، بما فيها الكوليرا». وأضاف أن المخاطر الصحية تتفاقم مع لجوء الأُسر التي تعاني من العطش إلى استخدام آبار غير محمية، قد تكون مياهها ملوثة بمُسببات الأمراض المنقولة عبر المياه.
كما تشهد أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا حادًا. فبحسب منظمات إغاثية، أصبحت أسعار الدقيق والأرز أعلى بنحو 50% مقارنة بمستوياتها خلال فصل الصيف، فيما بات العثور على الفواكه والخضراوات أمرًا صعبًا.
ويعيش (أحمد عبد الجابر) مع تسعة أفراد آخرين من أسرته في أنقاض مبنى آخر، بعدما اضطروا إلى النزوح من منزلهم جراء القتال. وكان عبد الجابر يكسب رزقه من نقل مواد البناء، إلا أن هذا الدخل لم يعد منتظمًا، وأصبحت أسرته بالكاد قادرة على تدبير احتياجاتها الأساسية.
وقال في مقابلة هاتفية: «نعتمد اعتمادًا كبيرًا على المساعدات والتبرعات التي يقدمها الناس لتوفير الطعام».
و من جانبها، قالت الشهيد، وهي صاحبة صالون لتصفيف الشعر، إن دخلها انقطع أيضًا قبل بضعة أسابيع. واضطر الصالون إلى الإغلاق بعدما بدأ زبائنها السابقون يعطون الأولوية لإنفاق أموالهم على الطعام والمياه. وأضافت أن ابنتها البالغة من العمر عشر سنوات وابنها البالغ خمس سنوات أصبحا يعتمدان في غذائهما بشكل أساسي على الأرز والخبز والجبن.


•لماذا تمثّل تعز أهمية للحوثيين؟
في حين لا تزال الحكومة اليمنية تسيطر على مركز مدينة تعز، يجعل الحصار إيصال الإمدادات إلى قواتها المتمركزة هناك أمرًا صعبًا. وفي التلال المحيطة بتعز، تحاول القوات الحكومية صدّ تقدم الحوثيين، لكنها تواجه مقاومة شرسة، ولا سيما شرق المدينة.
ويرى محللون أن السيطرة على مدينة تعز تمثّل أهمية حيوية للحوثيين إذا كانوا يسعون إلى التقدم جنوبًا باتجاه عدن ولحج، غير أن تحقيق ذلك لن يكون سهلًا.
وقال (أحمد ناجي)، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية: «من المرجح أن تتطلب أي محاولة حوثية للسيطرة على أجزاء من المدينة، فضلًا عن الاستيلاء عليها بالكامل، معركة طويلة ومكلفة، ستتكبد خلالها القوات الحوثية خسائر بشرية كبيرة».
وقال ثلاثة مسؤولين حوثيين إن الجماعة تسيطر على نحو 80% من المناطق الريفية المحيطة بتعز، فضلًا عن عدة أحياء رئيسية داخل المدينة. ولم تتمكن وكالة أسوشيتد برس من التحقق بصورة مستقلة من صحة تصريحات هؤلاء المسؤولين، الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، لعدم حصولهم على إذن للإدلاء بتصريحات لوسائل الإعلام. غير أن وزير الخارجية اليمني، أفرح الزوبة، أقرت بتزايد إحكام الجماعة قبضتها على المدينة.
وقال المسؤولون إن مساعي الحوثيين للسيطرة على المدينة تزداد صعوبة إلى حدٍّ كبير بسبب الكثافة السكانية المدنية المرتفعة فيها.
وفي وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، أصابت صواريخ أطلقها الحوثيون منطقة سكنية في تعز، ما أسفر عن مقتل فتاتين مراهقتين، وأعاد تسليط الضوء على المخاطر التي يواجهها المدنيون.
وقال عبد الجابر إنه يسمع يوميًا دوي انفجارات قوية ناجمة عن اشتباكات تدور على بُعد نحو خمسة كيلومترات (ثلاثة أميال) من مكان إقامته. وأضاف أن أسرته لن تعود إلى منزلها في إحدى القرى الجبلية، خشيةً على سلامتها.
أما الشهيد، فلا يُعدّ مغادرة تعز خيارًا متاحًا أمامها، إذ تفوق تكاليف السفر واستئجار منزل في محافظة أخرى قدرتها على تحمّل النفقات.
وقالت الشهيد: «لا مفرّ من البقاء في منزلنا، سواء كان ذلك مسألة حياة أو موت».


التعليقات