تحليل: لماذا ترتبط معركة تعز بمصير القوى اليمنية
يمن فيوتشر - عمار السوائي الجمعة, 16 أكتوبر, 2026 - 12:54 مساءً
تحليل: لماذا ترتبط معركة تعز بمصير القوى اليمنية

تتداخل في معركة تعز اليوم حسابات القوى اليمنية إلى حد يصعب معه على أي طرف أن يتصور مستقبل نفوذه بمعزل عما يجري فيها. فالمعركة تعيد اختبار قدرة الحوثيين على تحويل تقدمهم إلى سلطة مستقرة، وقدرة الحكومة المعترف بها دولياً على حماية المجتمع الذي تستند إليه، وفرص القوى العسكرية والسياسية المتنافسة في الاحتفاظ بموقع داخل الترتيبات المقبلة. وبين هذه الحسابات يقف سكان المحافظة أمام السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يحتفظون ببيوتهم وأعمالهم وحقهم في تقرير حياتهم، بينما تتحول منطقتهم إلى جغرافيا تتقاطع فيها مشاريع تتجاوز قدرتهم على التحكم بها؟

من هذه الزاوية، تكتسب المعركة معناها المصيري. تتفاوت المخاطر التي تواجه الأطراف، كما تتفاوت المكاسب الممكنة، لكن النتيجة ستؤثر في شروط بقائهم السياسي، وفي مقدار ما يستطيع كل منهم فرضه أو رفضه عندما تلوح إمكانية التفاوض مجدداً. وقد تستمر "قوةٌ ما" بعد خسارة مواقعها، لكنها تدخل المرحلة التالية أكثر اعتماداً على الآخرين وأقل قدرة على صياغة شروط مشاركتها. هنا تصبح الجغرافيا مورداً للسلطة، ويصبح فقدانها تغييراً في العلاقة بين الأطراف، يتجاوز حدود المكان الذي وقعت فيه الهزيمة.

بدأ التصعيد الحالي يتخذ مساراً معلناً في يوليو، حين أعلن الحوثيون في العشرين منه فرض حظر على الملاحة المرتبطة بالسعودية، تحت عنوان «الحصار بالحصار، والتصعيد الشامل بالتصعيد الشامل». وفي سبتمبر، توسع القتال البري وانتهى إلى خسارة القوات الحكومية، بشكل غير متوقع، مناطق رئيسية في الساحل، بينها المخا ومواقع بمحاذاة باب المندب. بذلك اجتمعت الجبهة اليمنية مع الضغط على السعودية وتهديد الملاحة ضمن سياق إقليمي واحد، مع بقاء دوافع كل طرف وحساباته الخاصة بحاجة إلى قراءة مستقلة.[1][2]

في المقابل، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي د/ رشاد العليمي في 4 أكتوبر بدء العمليات لاستعادة الأراضي الخاضعة للحوثيين، ثم أعلن في الخامس منه انطلاق «فجر اليمن»، محدداً هدفها في «استعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية». أهمية هذا الإعلان أنه رفع سقف الالتزام السياسي للحكومة؛ إذ أصبح عليها أن تبرهن أن التشكيلات التي تتحرك باسمها تستطيع العمل لتحقيق غاية مشتركة، وأن ما يُستعاد من أرض سيكتسب صلة فعلية بمؤسسات الدولة.[3]

غير أن تطورات الأيام الأولى تستدعي الحذر في قياس النتائج. ففي تقييمه الصادر في 7 أكتوبر، رأى معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة أن تقدم الحوثيين في تعز استمر رغم الهجمات الحكومية المضادة، وأن الضغط على خطوط الاتصال البرية لمدينة تعز ظل قائماً. وفي 8 أكتوبر نقلت التغطيات إعلان القوات الحكومية السيطرة على كهبوب، مع استمرار المواجهات في جبهات تعز. هذه صورة مؤرخة لمعركة متحركة، تتضمن إعلانات أطراف وتقديرات بحثية، ولا تتيح افتراض أن كل المواقع التي وردت في أخبار سبتمبر بقيت على حالها، أو أن التقدم في أحد المحاور حسم مصير المحافظة.[4][5]

تبدأ أهمية تعز من ضرورة النظر إلى المحافظة بكاملها، بما يربط المدينة بأريافها وطرقها ومجالها الساحلي. فالمدينة والمرتفعات الجنوبية والغربية والمخا وباب المندب تتصل عبر شبكة من المصالح وحركة الناس والسلع، كما تتصل بمناطق لحج وعدن. وقد أبرز تحليل نشره مركز صنعاء في 4 أكتوبر هذا الترابط بين الضغط على تعز وتثبيت المكاسب الحوثية في الساحل. ويعني ذلك، سياسياً، أن فصل أمن المدينة عن محيطها، أو فصل المحافظة عن الساحل، ينتج قراءة مجزأة للمشكلة التي يفترض أن تعالجها الحرب أو التسوية.[6]

كل انقطاع في هذه الروابط يعيد توزيع الكلفة. يتضرر السكان أولاً، ثم تتراجع قدرة السلطات على تقديم الخدمات، وتتسع حاجة القوى المحلية إلى التمويل والحماية من خارجها. ومع مرور الوقت، قد يتحول الطريق المغلق إلى أداة لتحديد من يملك التفاوض ومن يحتاج إليه. ولذلك فإن الدفاع عن اتصال تعز بمحيطها يتعلق أيضاً بالحفاظ على استقلال المجتمع النسبي، وعلى قدرته على العمل والإنتاج والمشاركة، وهي عناصر يصعب تعويضها بمجرد استعادة موقع عسكري.

بالنسبة إلى الحوثيين، تمنح تعز التوسع الساحلي عمقاً سياسياً واجتماعياً وجغرافياً أوسع. فإذا استطاعت الجماعة إخضاع مراكز المقاومة فيها، فإنها تقلص قدرة خصومها على الاحتفاظ بقاعدة كبيرة تنازعها تمثيل اليمن وتعارض مشروعها في الحكم. ويمكن أن تستخدم هذا التحول لإقناع الداخل والخارج بأن ميزان القوة يتجه لمصلحتها، وأن التعامل معها بوصفها السلطة الأقدر على فرض الوقائع بات أقل كلفة من استمرار الرهان على خصومها. هذا احتمال في توظيف النتيجة، يتوقف تحققه على قدرتها على الاحتفاظ بالمكاسب وإدارتها.

ترتبط هذه الحسابات بموقع الجماعة في العلاقة مع إيران. فالتقدم بالقرب من ممر دولي يمنح الحوثيين قيمة إضافية لحليفهم، لكنه يمنحهم أيضاً مورداً خاصاً للتفاوض وطلب الدعم وتوسيع الدور الإقليمي. وقد وثقت أسوشيتد برس، استناداً إلى مصادر قابلتها، دوراً لمستشارين إيرانيين في حملة الساحل. مع ذلك، فإن وجود الدعم والتنسيق لا يثبت أن كل قرار ميداني يصدر من طهران؛ والأقرب في قراءة المصالح أن طموح الجماعة المحلي وقدرات حليفها الإقليمي يلتقيان، وقد تختلف أولوياتهما حين تتغير الكلفة.[7]

لكن تعز تضع هذا المشروع أمام مشكلة الحكم. يمكن للضغط العسكري أن يفرض تراجعاً، بينما يحتاج تحويله إلى استقرار إلى علاقة مع مجتمع له مصالحه وذاكرته وشبكاته وفاعلوه. وكلما اعتمدت السيطرة على الإكراه، زادت الموارد المطلوبة لاستمرارها، وتراجعت فرص بناء قبول سياسي واسع. كما أن الرفض الاجتماعي وحده لا يضمن تعثر الجماعة؛ فقد يعيش المجتمع تحت سلطة يرفضها زمناً طويلاً إذا افتقد القدرة على حماية نفسه أو البديل القادر على تنظيم هذا الرفض. لذلك تبقى العلاقة بين المقاومة الشعبية والقيادة والمؤسسات عاملاً حاسماً في مآلات المعركة.

ويكشف خطاب الحوثيين إدراكهم لهذه المسألة. ففي كلمته في 7 أكتوبر، شكر عبد الملك الحوثي من قال إنهم ساندوا قواته من أبناء تعز في «طرد التحشيدات التابعة للعدو السعودي». يُقرأ هذا القول بوصفه رواية الجماعة عن المعركة؛ فهو يحاول منح تقدمها تمثيلاً محلياً، وإعادة تعريف خصومها من خلال علاقتهم بالرياض. ومن ثم، فإن التنافس يجري أيضاً على صفة المدافع عن المجتمع، وعلى من يملك حق التحدث باسمه، وهو تنافس لا تستطيع الحكومة كسبه بالبيانات وحدها.[8]

بالنسبة إلى مجلس القيادة الرئاسي، تمتحن تعز الفارق بين الاعتراف الدولي والقدرة على أداء وظائف الدولة. فالاعتراف يمنحه موقعاً قانونياً ودبلوماسياً، لكن ثقة السكان تتكون من قدرتهم على الوصول إلى الحماية والخدمات والإنصاف. وكلما اتسعت المسافة بين الهدف المعلن باستعادة البلاد والعجز عن حماية مناطق قائمة تحت سلطته، تراجعت مصداقية الوعد السياسي، واتسع استعداد المجتمع للبحث عن ضمانات محلية أو خارجية بديلة.

لهذا تضع «فجر اليمن» المجلس الرئاسي أمام مسؤولية تتعلق ببنية سلطته. فإذا استطاعت العملية تحسين التنسيق وإخضاع القرارات العامة للمساءلة، فقد تصبح مناسبة لإعادة بناء الثقة بين القوى المنضوية فيه. أما إذا بقي لكل تشكيل تقديره المنفصل للأولويات، فإن التقدم قد يعيد إنتاج التنافس على المواقع والموارد بعد كل جولة. وقد أشار نيد والي، في تحليل سابق للعملية، إلى أن القوات التي أصبح تمويلها يأتي من جهة واحدة «لا تزال تحتفظ بولاءات سياسية محلية ضيقة». فالتقارب في مصادر الدعم يحتاج إلى اتفاق سياسي حتى ينتج قيادة أكثر فاعلية.[9]

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة للمقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، التي أصابت خسارة المخا مركزاً أساسياً لنفوذها. وقد ربطت تغطيات حملة سبتمبر بين التراجع وبين الانقسامات وضعف القيادة المشتركة، إلى جانب الدعم الإيراني للحوثيين. وفي هذا السياق، تناول ماجد المذحجي في «اليمن بودكاست» ضعف التنسيق بين غرف العمليات، وانكشاف الاتصالات، وغياب الدعم العملياتي الفعال، بوصفها محاور لتفسير انهيار الساحل. الاستنتاج السياسي من ذلك أن خسارة طارق لا يمكن فصلها عن بيئة القرار والإسناد التي عملت فيها قواته.[7][10]

وتحتاج المحاسبة هنا إلى دقة تمنع تحويلها إلى وسيلة لإغلاق النقاش. فقد حذرت ميساء شجاع الدين من اختزال الإخفاق في طرف واحد، ووصفت ذلك بأنه «اختزال مريح يصرف الانتباه عن مواطن الخلل البنيوي». هذه الملاحظة لا تعفي قيادة المقاومة الوطنية من مسؤوليتها عن قراراتها، لكنها توسع نطاق الأسئلة ليشمل توزيع الصلاحيات والمعلومات والدعم، ومسؤولية القيادة السياسية والشريك الإقليمي. فتحديد المسؤولية على أساس الوقائع شرط للإصلاح، بينما قد يمنح التشهير الانتقائي خصوم الطرف المتضرر مكسباً مؤقتاً ويبقي أسباب الانهيار قائمة.[11]

تمثل معركة تعز، من هذا المنظور، فرصة للمقاومة الوطنية لإعادة تعريف موقعها داخل المعسكر المناهض للحوثيين. فالمشاركة في حماية المحافظة واستعادة الصلة بين ساحلها وداخلها قد تعيد بناء الثقة بقدرتها وبوظيفتها الوطنية إذا تمكنت من ترتيب صفوفها للقيام بهذه الوظيفة. ويتوقف وزنها المقبل على مساهمتها الفعلية، وعلى قدرتها على إقامة علاقة مع السلطات والمجتمعات المحلية تتسع للمشاركة والمساءلة. وحتى إن استعادت مواقع خسرتها، فإن استعادة النفوذ السياسي سيحتاج إلى معالجة ما كشفته الهزيمة من ضعف في الثقة والتنسيق.

وينطبق اختبار مختلف على حزب الإصلاح والقوى العسكرية والاجتماعية القريبة منه. فحماية تعز تعني الحفاظ على مجال للمشاركة السياسية والتنظيم المجتمعي، وعلى موقع داخل أي تسوية وطنية. غير أن تحويل المعركة إلى إثبات لأحقية حزب واحد بتمثيل المحافظة سيضعف القدرة على جمع القوى اللازمة لحمايتها. يمكن للإصلاح أن يوسع مشروعيته من خلال الشراكة وقبول المحاسبة، كما يمكن أن يخسر جانباً منها إذا فُهمت مساهمته بوصفها سعياً إلى احتكار نتائج الدفاع المشترك.

ويواجه خصوم الإصلاح في المعسكر نفسه اختباراً موازياً. فقد يغريهم تراجع نفوذه بتوقع حصة أكبر لهم، لكن هذا الحساب يحتاج إلى النظر في الجهة التي تستفيد من إضعافه، وفي المؤسسات التي ستبقى متاحة للمنافسة بعد ذلك. إذا انتقلت المساحة إلى سلطة مسلحة تقلص التعددية، فإن مكسب الخصومة يتحول إلى خسارة مشتركة. ولهذا تحتاج تعز إلى ضمانات تجعل مشاركة الأطراف في حمايتها متوافقة مع حقها في الاختلاف، وتمنع أي قوة من تحويل أعباء الآخرين إلى أساس لاحتكار القرار.

أما الاشتراكي والناصري والمؤتمر الشعبي العام وسائر القوى السياسية والمدنية، فتتعلق مصلحتها بمستقبل السياسة ذاتها داخل المحافظة. فبقاء الأحزاب قادرة على التنظيم والنقد والتفاوض يتطلب فضاءً عاماً لا يحدد السلاح حدوده، بشكل كلي. وتحتاج هذه القوى، في الوقت نفسه، إلى دور يتجاوز إسناد التعبئة؛ إذ ينبغي أن تشارك في تحديد الالتزامات تجاه السكان، وفي مراقبة الإدارة والموارد، وصياغة التصور السياسي لما بعد المعركة. ومن دون ذلك، قد تبقى حاضرة في خطاب التحالف وغائبة عن صناعة قراره.

وتتوزع حسابات المؤتمر على أكثر من موقع وشبكة، ما يجعل اختزاله في قيادة عسكرية أو طرف واحد مضللاً. وقد تتيح المعركة لشخصياته وقواعده المشاركة في بناء توازن وطني أوسع، كما قد تدفع بعض أطرافه إلى التنافس على وراثة النفوذ المتضرر. والأمر نفسه ينطبق على القوى الأخرى بدرجات مختلفة: تتحدد قيمة الفرصة بقدرتها على توسيع المشاركة، وعلى تقديم علاقة مع المجتمع أكثر قابلية للمساءلة من العلاقات التي أنتجتها الحرب.

تمتد هذه الحسابات جنوباً، إلى القوى التي تختلف حول شكل الدولة ومستقبل القضية الجنوبية. فالتقدم الحوثي في تعز يغير البيئة الأمنية والسياسية التي ستُناقش فيها تلك القضية، ويرفع كلفة حماية لحج وعدن ومؤسساتهما. وأياً تكن الصيغة التي تتبناها هذه القوى لمستقبل الجنوب، فإن القدرة على التفاوض بشأنها تحتاج إلى مساحة آمنة نسبياً وإلى مؤسسات تستطيع العمل. وكلما اتسعت قدرة الحوثيين على الضغط، ضاقت مساحة الخيارات المستقلة لدى خصومهم الجنوبيين.

ويجب قراءة هذا الارتباط في ضوء التحولات التي شهدها الجنوب خلال العام الحالي. فقد وثق تقرير مركز صنعاء عن الربع الأول من 2026 تراجع بنية المجلس الانتقالي وإعادة ترتيب تشكيلات كانت مرتبطة به، مع استمرار حضور قواعده الاجتماعية واعتراضاتها. وبالتالي، فإن القوى الجنوبية والقواعد المرتبطة بالانتقالي لا تختفي بتغير الترتيبات الرسمية. ويتيح لها الموقف من تعز اختبار قدرتها على الجمع بين مطالبها الخاصة والمصلحة المشتركة في منع توسع سلطة الحوثيين، من دون تعليق حقوق السكان على الانتماء السياسي أو المناطقي.[12]

وتبرز ألوية العمالقة وقوات درع الوطن ضمن القوى التي قد يتسع نفوذها بفعل دورها في العملية. فقد ورد اسماهما في الإعلان الحكومي عن تقدم ذوباب ومحيط باب المندب في 5 أكتوبر. لكن الانتقال من الدور القتالي إلى نفوذ سياسي دائم يظل احتمالاً مشروطاً بالأداء والاستمرار وبطبيعة العلاقة مع السكان والسلطة المدنية. فإذا جرى تحويل نجاح هذه القوات إلى مورد مؤسسي مشترك، أمكن أن يعزز الدولة؛ وإذا تحول إلى تأسيس مناطق نفوذ متنافسة، فقد يعيد إنتاج المشكلة التي كشفتها خسارة الساحل.[13]

بالنسبة إلى مأرب والقوى القبلية والسياسية والعسكرية فيها، تتصل تعز بميزان الضغط العام وبفرص التفاوض المقبلة. فكلما تقلصت مراكز القوة المناهضة للحوثيين، ازدادت كلفة بقاء المراكز الأخرى وقدرتها على حماية استقلالها. ومن ثم، يمكن قراءة صمود تعز باعتباره حفاظاً على تعدد المواقع التي تمنع الجماعة من اختزال اليمن في سلطتها. كما أن العلاقة بين المحافظتين تحتاج إلى تعاون يحترم خصوصية كل منهما، ويمنح المجتمع المحلي دوراً في القرار الذي يتحمل نتائجه.

ولا تعني المسافة أن حضرموت وشبوة والمهرة خارج هذه المعادلة. تتصل مصالحها باستقرار موارد الدولة، وطرق التجارة، وحركة النزوح، وحجم الاعتماد على التمويل الخارجي. وإذا تآكل حضور الحكومة في الغرب، فقد تتزايد الضغوط على موارد الشرق لتغطية كلفة الحرب والإدارة معاً، وهو احتمال يجعل التمثيل العادل والشفافية أكثر إلحاحاً. ومن مصلحة القوى المحلية أن تربط مساهمتها في الاستقرار بضمانات مؤسسية، حتى لا تتحول المحافظات الأبعد عن القتال إلى مصادر تمويل تُستدعى عند الحاجة ويُهمش صوتها عند القرار.

وعلى الساحل نفسه، يحتاج سكان تهامة والمخا والفاعلون المحليون إلى حضور يتناسب مع ما يتحملونه من خسائر. فحين تصبح قيمة المنطقة مرتبطة بالملاحة الدولية، يزداد احتمال أن تتقدم أولويات الحماية الخارجية على حاجات أهلها. ويمكن أن ينشأ من ذلك أمن للممر يقابله ضعف في الخدمات والتمثيل على الشاطئ. لذلك يتعين أن تشمل أي ترتيبات مقبلة السلطة المحلية والحقوق الاقتصادية وحماية الممتلكات، وأن تمنح السكان دوراً في إدارة المناطق التي يراد تثبيت الاستقرار فيها.

من هذه الزاوية أيضاً، يتضح أن القوى المستفيدة مستقبلاً لن تُعرف من نتائج الاشتباكات وحدها. قد يزداد نفوذ التشكيلات الأكثر حضوراً، أو الشخصيات الأقدر على التوسط بين الداعمين والقوى المحلية، أو الشبكات التي تدير الموارد والإغاثة. وكل ذلك يظل احتمالات ينبغي اختبارها. أما السؤال السياسي الذي يمكن طرحه الآن فهو: هل تتسع سلطة المؤسسات مع استعادة الأرض، أم تتسع قدرة الوسطاء على التحكم في الوصول إلى الحماية والمال والخدمة العامة؟

يرتبط الجواب بمصالح الشركاء الإقليميين. ففي تقييم 5 أكتوبر، رجح معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة أن تكون أولوية السعودية تأمين باب المندب وعكس المكاسب الحوثية فيه، وهي غاية أضيق من الهدف الحكومي المعلن باستعادة جميع مناطق سيطرة الجماعة. يبقى ذلك تقديراً بحثياً للنية، لكنه يطرح سؤالاً ضرورياً: إلى أي مدى يتوافق معنى النجاح لدى الحكومة اليمنية مع معناه لدى الداعم الذي يوفر الإسناد؟[14]

تتضح أهمية تعز عند هذه النقطة. فإذا استقرت حركة الملاحة بينما بقي سكان المحافظة تحت ضغط دائم وانقطعت صلاتها بمحيطها، فقد يتحقق قدر من الاطمئنان الخارجي مع بقاء الأزمة اليمنية مفتوحة. ولهذا تقع على القوى اليمنية مسؤولية صياغة موقف مشترك يربط أمن البحر الأحمر بحماية السكان واستعادة وظائف الدولة، ويحدد الالتزامات التي تمنع انتهاء الاهتمام الدولي عند حدود السفن. فالشراكة تكون أكثر استقراراً حين تتضح المصالح المشتركة وحدود الاختلاف منذ البداية.

وفي المقابل، تتصل قيمة الحوثيين الإقليمية بقدرتهم على المحافظة على أدوات الضغط. وقد ناقش إبراهيم جلال، في تحليله لحملة الساحل، مفارقة أن التوسع الحوثي يرفع كلفة التدخل السعودي، لكنه يوسع أيضاً أسباب هذا التدخل. هذه المفارقة تحد من افتراض أن كل مكسب جغرافي يضيف أمناً صافياً للجماعة؛ إذ قد يفتح عليها التزامات ومواجهات أكبر. ولذلك تمثل تعز اختباراً لقدرتها على الموازنة بين رغبتها في توسيع النفوذ والكلفة التي يستدعيها توسعها.[15]

مع ذلك، يحتاج وصف المعركة بالمصيرية إلى الحذر من تحويله إلى تفويض بحرب مفتوحة. فقد دعت مجموعة الأزمات الدولية في 18 سبتمبر إلى أولوية التوصل إلى هدنة تمنع اتساع المواجهة. وتستحق هذه الدعوة النظر من زاوية ما يمكن أن توقفه من قتل ونزوح، مع مساءلة الشروط التي تجعل وقف القتال قابلاً للاستمرار: حماية الطرق والمدنيين، ووجود رقابة فعالة، وترتيبات سياسية تمنع إعادة استخدام الضغط على السكان عند كل خلاف. فجدية التسوية تُقاس أيضاً بقدرتها على معالجة مصادر تجدد الحرب.[16]

تفرض الكلفة الإنسانية هذا السؤال بإلحاح. أعلنت المنظمة الدولية للهجرة في 7 أكتوبر أن النزوح المرتبط بتجدد القتال بلغ 201,217 شخصاً، وهو رقم يخص موجة النزوح في اليمن ولا يمثل حصيلة تعز وحدها. وفي اليوم التالي وصفت أطباء بلا حدود رحلات نزوح طويلة ونقصاً في المأوى والغذاء وضغطاً على الرعاية الصحية. خلف هذه الأرقام أسر تفقد وسائل العيش وشبكات المساندة والقدرة على العودة، وهي خسائر ستؤثر في المجتمع وفي فرص الاستقرار بعد توقف المعارك.[17][18]

لهذا ينبغي أن تكون حماية السكان جزءاً من معيار النجاح منذ البداية. فالسلطة التي تطلب من الناس الثقة بها تُختبر في معاملة النازحين والجرحى، وفي حفظ الملكيات ومنع الانتقام واحترام النقد، وفي إبقاء الخدمات والمساعدات متاحة على أساس الحاجة. ويحتاج ذلك إلى مشاركة السلطات المحلية والمجتمع المدني والنساء والفاعلين الاقتصاديين، ممن تستمر مسؤولياتهم اليومية قبل القتال وبعده. إن إقصاء هذه الأصوات يحرم القرار من معرفة يحتاج إليها، ويجعل المجتمع متلقياً لنتائج خيارات لم يشارك في صياغتها.

تسمح هذه المعطيات بتصور مسارات مختلفة، من دون الجزم بأي منها. قد يفضي تحسن التنسيق إلى وقف التوسع الحوثي واستعادة مساحات مع بناء إدارة أكثر تماسكاً، فتتحسن شروط تسوية شاملة. وقد تنتهي الجولة إلى ترتيب محدود يخفف تهديد الملاحة ويترك تعز في حالة انكشاف، فتتجدد الأزمة عند تغير الحسابات. كما قد يستمر الاستنزاف، بما يعمق اعتماد الأطراف على الخارج ويضعف قدرة المؤسسات والمجتمعات المحلية على حماية مصالحها. ويتحدد الانتقال بين هذه المسارات بالقرارات السياسية بقدر ما تحدده نتائج الميدان.

في جميعها، ستظهر آثار المعركة داخل المعسكرات نفسها. فالطرف الذي يثبت قدرة على حماية المجتمع والعمل مع الآخرين قد يكتسب وزناً يتجاوز حجمه السابق، بينما قد يفقد طرف أكبر نفوذاً راكمه لسنوات إذا أخفق في مسؤولياته. لكن تحويل هذا التحول إلى فرصة وطنية يتطلب أن تتسع معه قواعد المشاركة والمساءلة. ومن دون ذلك، قد تستبدل الحرب مراكز القوة وتبقي العلاقة بين السلاح والدولة والمجتمع على حالها.

ترتبط معركة تعز، في نهاية المطاف، بمستقبل القوى اليمنية لأنها تختبر ما يستطيع كل مشروع أن يقدمه للبلد، وما يستطيع أن يحميه، والثمن الذي يطلب من الناس دفعه. الحوثيون يختبرون حدود تحويل التوسع إلى حكم؛ والحكومة تختبر قدرتها على إعطاء استعادة الدولة مضموناً ملموساً؛ وشركاؤها يختبرون إمكان بناء مصالح مشتركة تحت سقف يسمح بالاختلاف. أما أهل تعز، فإن حقهم في الحياة والمشاركة ينبغي أن يظل أساس هذه الحسابات. وبقدر ما تترجم القوى ذلك إلى التزامات وأفعال، ستتحدد قدرتها على أن تكون جزءاً من مستقبل يختاره اليمنيون.

 

 

المراجع والإحالات

[1] أحمد الأغبري، «الحوثيون يعلنون حظر الملاحة البحرية على السعودية وفق معادلة الحصار بالحصار»، القدس العربي، 20 يوليو 2026. مصدر لتوثيق إعلان الجماعة وصياغته، وليس لإقرار صحة مبرراته. رابط المصدر

[2] Ahmed Al-Haj and Fatma Khaled, “Iran-backed Houthi rebels take strategic port city in Yemen, raising threat to Red Sea shipping,” Associated Press, updated September 11, 2026. Source

[3] رئاسة مجلس الوزراء اليمني نقلاً عن سبأ، «رئيس مجلس القيادة يعلن انطلاق عملية فجر اليمن لاستعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء»، 5 أكتوبر 2026. يميز الخبر بين إعلان بدء العمليات في 4 أكتوبر وإعلان اسم العملية في اليوم التالي. رابط المصدر

[4] Parker Hempel, Carolyn Moorman, Ben Rezaei, and Annika Ganzeveld, “Iran Update: October 07, 2026,” Critical Threats Project and Institute for the Study of War, October 7, 2026. Source

[5] الجزيرة نت، «غارات وسيطرة حكومية على كهبوب.. ما جديد تطورات فجر اليمن في يومها الرابع؟»، 8 أكتوبر 2026. أخبار السيطرة منسوبة إلى القوات المعلنة عنها. رابط المصدر

[6] عيسى عبدالجليل وتوفيق الجند وماجد المذحجي وماهر أبو المجد، «معركة تعز والصراع على اليمن»، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 4 أكتوبر 2026. رابط المصدر

[7] Samy Magdy, “Iranian advisers helped Houthis seize Yemen’s Red Sea coast in less than 48 hours, sources tell AP,” Associated Press, updated September 23, 2026. Source

[8] وكالة الصحافة اليمنية، «السيد عبدالملك الحوثي يوجه رسالة شكر لأبناء تعز»، 7 أكتوبر 2026. استُخدم النص لتوثيق خطاب الحوثي وتحليله، لا لإثبات ادعاءاته الميدانية والسياسية. رابط المصدر

[9] نيد والي، «مشكلة الحوثيين الأزلية»، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 25 سبتمبر 2026. رابط المصدر

[10] اليمن بودكاست، «لماذا لا تتدخل أمريكا؟ وهل تستطيع السعودية ردع الحوثيين؟»، حوار مع ماجد المذحجي. رابط المصدر

[11] ميساء شجاع الدين، «البحث عن كبش فداء لن يعالج سوء إدارة الحرب في اليمن»، مركز صنعاء، 22 سبتمبر 2026؛ النص المعاد نشره في اليمني الجديد، 23 سبتمبر 2026. رابط المصدر

[12] مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، «تقرير اليمن الفصلي يناير إلى مارس 2026»، قسما التطورات السياسية والدبلوماسية والتطورات العسكرية والأمنية، ولا سيما الصفحات المطبوعة 10 و26 و27. رابط المصدر

[13] راضي صبيح، «إسناد جوي وتقدم سريع.. ماذا جرى في اليوم الأول لعملية فجر اليمن؟»، الجزيرة نت، 5 أكتوبر 2026. يوثق إعلان الحكومة مشاركة درع الوطن والعمالقة والمقاومة الشعبية. رابط المصدر

[14] Katherine Wells, Parker Hempel, Ben Rezaei, and Brian Carter, “Iran Update, October 5, 2026,” Critical Threats Project and Institute for the Study of War, October 5, 2026. Source

[15] Ibrahim Jalal, “After Bab al-Mandab,” The Horizon Brief, September 21, 2026. Source

[16] مجموعة الأزمات الدولية، «إغلاق جبهة الحرب الجديدة في اليمن» [عنوان النسخة العربية]، بيان، 18 سبتمبر 2026. الإحالة إلى توصيتها بأولوية التوصل إلى هدنة ومنع اتساع المواجهة. رابط المصدر

[17] International Organization for Migration, “Yemen Displacement Tops 200,000, Needs Soar and Funding Alarmingly Dries Up,” October 7, 2026. Source

[18] Médecins Sans Frontières, “Five things to know about the situation in the south of Yemen today,” Project Update, October 8, 2026. Source


التعليقات