تحليل: لماذا لا تستطيع واشنطن تجاهل الحوثيين في ظل تهديدهم للملاحة وأمن الطاقة؟
يمن فيوتشر - فوكس نيوز - علي شهابي- ترجمة خاصة: الجمعة, 09 أكتوبر, 2026 - 11:08 مساءً
تحليل: لماذا لا تستطيع واشنطن تجاهل الحوثيين في ظل تهديدهم للملاحة وأمن الطاقة؟

يرغب بعض المسؤولين في واشنطن في الاعتقاد بأن الحوثيين مشكلة تخص أطرافًا أخرى ولا تعني الولايات المتحدة مباشرةً. ومن السهل فهم أسباب هذا التوجه؛ فالولايات المتحدة منخرطة بالفعل، وبعمق، في الحرب مع إيران، ولا توجد رغبة تُذكر في توسيع رقعة المواجهة، في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. كما أن الحوثيين استغلوا هذا الوضع بقدرٍ كبير من الانتهازية، إذ أشاروا إلى أنهم لن يستهدفوا السفن الأمريكية، ما منح واشنطن ذريعة للحد من انخراطها في الصراع.
لكن اليمن ليس ساحة صراع منفصلة عن بقية المواجهة الإقليمية. فالحوثيون، الذين تصنّفهم الولايات المتحدة منظمةً إرهابية أجنبية، والمرتبطون بإيران والمتسلحون بدعم طهران، يشنّون حملة عسكرية ضد الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، وهي حملة تشكّل جزءًا من المواجهة الإقليمية ذاتها.
أما الجانب الإيجابي، فهو أن مسار الحرب بدأ يميل إلى صالح الحكومة اليمنية، وإن كانت المعركة ستظل شاقة، وستشهد، شأنها شأن جميع المعارك، مدًّا وجزرًا. فقد تمكنت القوات الحكومية، بدعم من القوة الجوية السعودية، من طرد الحوثيين من بعض المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية في محيط باب المندب، وأثبتت قدرتها على تنفيذ العمليات العسكرية بفاعلية. ولا تزال هذه المكاسب عرضة للانتكاس، لكن التحولات الميدانية الراهنة تبعث على التفاؤل.
كما أن ذلك يغيّر حسابات الانخراط الأمريكي في الصراع. فالولايات المتحدة تقدّم بالفعل للسعودية دعمًا استخباراتيًا ومساعدةً في تحديد الأهداف، مع تجنّب شنّ ضربات عسكرية مباشرة. وتكتسب هذه المساعدة أهمية كبيرة، إذ يمكن للأقمار الصناعية الأمريكية وغيرها من أنظمة المراقبة والاستطلاع أن تسهم في تحديد مواقع بطاريات الصواريخ ومنشآت الطائرات المُسيّرة ومراكز القيادة ومنصات الإطلاق المتنقلة.
ومن شأن استخدام القوة الجوية الأمريكية بشكلٍ مباشر أن يعزّز فاعلية هذه المعلومات الاستخباراتية بدرجة كبيرة. إذ تستطيع الطائرات الأمريكية العمل مباشرةً ضمن شبكات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وتحديد الأهداف التابعة للولايات المتحدة، بما يتيح انتقال المعلومات التي تجمعها الأقمار الصناعية وغيرها من أجهزة الاستشعار بسرعة عبر سلسلة الاستشعار والاستهداف والضرب. ويمكن للطائرات السعودية أيضًا تلقي معلومات متقدمة لتحديد الأهداف من الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك عبر أنظمة متوافقة فيما بينها. غير أن المعلومات الاستخباراتية التي تُتبادل مع دولة شريكة قد تتطلب إجراءات إضافية لنقلها والتصريح باستخدامها واستكمال الموافقات القيادية اللازمة، قبل وصولها إلى الطائرات المكلّفة بتنفيذ الضربة. وحتى التأخير القصير قد يكون حاسمًا، عندما تكون منصة إطلاق صواريخ متحركة قادرة على إطلاق صاروخها، ثم تغيير موقعها والاختفاء في غضون دقائق.
وعليه، فإن إشراك الطائرات الأمريكية مباشرةً في هذه الحلقة المتكاملة التي تربط الاستشعار بالاستهداف والضرب قد يقلّص الوقت الفاصل بين اكتشاف الهدف ومهاجمته. ويمكن حصر الدور الأمريكي في نطاق محدود، يركّز على منصات إطلاق الصواريخ المتحركة ومنشآت الطائرات المُسيّرة وغيرها من الأهداف التي تتطلب استجابة سريعة، بدلًا من توسيع التدخل ليصبح حملة عسكرية واسعة أو مفتوحة الأمد. ومن شأن هذا النهج أن يتيح استثمار المعلومات الاستخباراتية التي تجمعها واشنطن وتتبادلها بالفعل، بسرعة أكبر وفاعلية أعلى.
لذلك، فإن مشاركة القوات الجوية الأمريكية بصورة مباشرة ستكون مفيدة للغاية، لكنها ليست شرطًا حاسمًا لنجاح الحملة العسكرية. فالسعودية تمتلك الطائرات والقدرات الاستخباراتية والموارد اللازمة لدعم الحكومة اليمنية، في حين تثبت القوات اليمنية قدرتها على خوض المعارك البرية بنفسها. ومع ذلك، تستطيع واشنطن تسريع وتيرة الحملة وزيادة فاعليتها، دون أن تتحمل مسؤولية إدارة الحرب.
وهذا التمييز مهم؛ إذ لا ينبغي أن يستند مبرر تقديم الدعم الأمريكي إلى الادعاء بأن السعودية واليمن عاجزتان عن تحقيق النجاح من دونه، بل إلى حقيقة أن للولايات المتحدة مصلحة واضحة في مساعدتهما على تحقيقه.
وتجعل الجغرافيا اليمنَ ساحةً يصعب تجاهلها. فقد عزّز الحوثيون مواقعهم على طول ساحل البحر الأحمر وفي محيط باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. وتترتب على قدرتهم على تهديد حركة الملاحة السعودية تداعيات تتجاوز حدود اليمن بكثير. إذ يمر نحو 22% من تجارة الحاويات العالمية المنقولة بحرًا عبر البحر الأحمر. وعندما تتعطل الملاحة في هذا الممر، تضطر السفن إلى الالتفاف حول قارة أفريقيا، ما يطيل زمن الرحلات ويرفع تكاليف الشحن والتأمين.
وهناك تطور آخر يثير القلق. فالحوثيون يعملون على توطيد علاقاتهم بحركة الشباب في الصومال، وهي جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنشط في شرق أفريقيا وتتمتع بموارد مالية كبيرة. وقد حذّر مسؤولون أمريكيون من عمليات نقل للأسلحة، وتدريب على استخدام الطائرات المُسيّرة والمتفجرات، وتنسيق تكتيكي بين الجماعتين. ويثير ذلك احتمال نشوء شبكة مسلحة تنشط على جانبي خليج عدن. وقد ينصبّ تركيزها اليوم على السعودية والحكومة اليمنية، لكن لا يوجد ما يبرر افتراض أن أولوياتها ستظل على حالها.
ويزيد أمن الطاقة من خطورة هذه المسألة وتداعياتها. فالسعودية تصدّر النفط عبر مضيق هرمز، لكن خط أنابيب النفط «شرق–غرب» ينقل أيضًا الخام عبر أراضي المملكة إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر. ويوفّر هذا الخط مسارًا بديلًا لتصدير النفط عندما يصبح المرور عبر مضيق هرمز محفوفًا بالمخاطر. غير أن قيمته الاستراتيجية تتراجع بشدة إذا تمكن الحوثيون من تهديد الملاحة في البحر الأحمر بالتزامن مع ذلك.
وبذلك، تستطيع إيران وحلفاؤها ممارسة الضغط عند نقطتي اختناق بحريتين بالغتي الأهمية: طهران في محيط مضيق هرمز، والحوثيون في محيط باب المندب. وهذه ليست مشكلة تخص السعودية أو اليمن وحدهما، فالصين تعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الطاقة القادمة من الخليج، وتعتمد أوروبا على منظومة التجارة والملاحة التي تربط البحر الأحمر بقناة السويس، كما أن إنتاج الولايات المتحدة من الطاقة لا يعزل المستهلكين الأمريكيين عن تقلبات أسعار النفط العالمية.
وتكشف المعارك الدائرة حاليًا أيضًا عن حجم الخطأ الاستراتيجي الذي ارتُكب في الحديدة عام 2018. فقد تقدمت القوات اليمنية المدعومة من السعودية والإمارات حتى مشارف المدينة، وفرضت ضغوطًا شديدة على ميناء البحر الأحمر الرئيسي الذي يسيطر عليه الحوثيون. وكانت الحكومات الغربية تخشى أن تؤدي المعارك في محيط الميناء إلى تعطيل إمدادات الغذاء والوقود والأدوية. وكانت هذه المخاوف مشروعة، لكن الحل الذي فُرض آنذاك كان كارثيًا من الناحية الاستراتيجية.
فقد أُوقفت العملية العسكرية تحت ضغط غربي مكثف، وجمّد اتفاق ستوكهولم القتال ودعا إلى إعادة انتشار القوات خارج الحديدة. لكن الانسحاب لم يُنفَّذ قط على النحو الذي كان مقررًا له. واحتفظ الحوثيون بالميناء، وحافظوا على شريانهم الاقتصادي والعسكري الحيوي، واستغلوا السنوات التالية لترسيخ حكمهم، وتعزيز علاقاتهم بإيران، والحصول على صواريخ وطائرات مُسيّرة متطورة بصورة متزايدة.
و كان وقف الهجوم على الحديدة خطأً جسيمًا. فقد أنقذ الحوثيين في لحظة كانوا فيها في موقف ضعيف، وحوّل تمردًا يمنيًا كان من الممكن احتواؤه إلى تهديد استراتيجي للسعودية والملاحة البحرية الدولية.
ولا يعني الدرس المستفاد من ذلك ضرورة تجاهل الاعتبارات الإنسانية، بل إن وقف حملة عسكرية ناجحة من دون التوصل إلى تسوية سياسية قابلة للتنفيذ لا يصنع السلام، وإنما يتيح للطرف الأضعف استعادة قوته. فوقف إطلاق النار الذي يُبقي البنية التحتية العسكرية للمعتدي على حالها قد يؤجل المعاناة مؤقتًا، لكنه قد يفضي لاحقًا إلى حرب أوسع نطاقًا وأكثر خطورة.
ويجب عدم تكرار هذا الخطأ. فالحكومة اليمنية وداعموها السعوديون يمتلكون الآن زمام المبادرة ميدانيًا. وينبغي لهم استثمار هذا الزخم لدفع الحوثيين بعيدًا عن باب المندب، وتجريدهم من القدرة على تهديد الملاحة الدولية، ومواصلة الضغط على البنية التحتية التي تمكّنهم من تنفيذ حملتهم بالصواريخ والطائرات المُسيّرة.
وسيكون الدعم الاستخباراتي الأمريكي، إلى جانب تقديم دعم جوي محدود عند الاقتضاء، عاملًا مساعدًا. فالحكومة اليمنية تثبت قدرتها على تحقيق النجاح عندما تكون قواتها موحّدة، ومزوّدة بالإمدادات اللازمة، وتحظى بدعم سعودي متواصل. وينبغي لواشنطن دعم هذه الجهود، لأن نتائجها تمس المصالح الأمريكية.
الحوثيون ليسوا مشكلة تخص الآخرين وحدهم. لكنهم، في المقابل، ليسوا تهديدًا لا يمكن دحره إلا على أيدي القوات الأمريكية. فالقوات المحلية تُظهر بصورة متزايدة قدرتها على مواجهتهم، في حين يمكن للقوة الجوية الأمريكية، إذا استُخدمت بصورة مدروسة ومحدودة، أن تضاعف القدرات القتالية لهذه القوات وتعزّز فاعليتها بدرجة كبيرة.


التعليقات