تصاعدت حدة التوترات في الشرق الأوسط خلال عام 2026، في ظل الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. كما أدت الهجمات السعودية المتجددة على المتمردين الحوثيين في اليمن إلى تصعيد الأعمال العدائية بصورة أكبر. وعلى الرغم من صغر حجم هذه الجماعة ومحدودية قدراتها، فقد أحدثت، من خلال هجماتها على حركة الملاحة البحرية العالمية، تأثيرًا استراتيجيًا يفوق بكثير حجمها وقدراتها. والآن، تدخلت المملكة المتحدة بعرض لتقديم الدعم لحليفتها السعودية.
ومن الأهمية بمكان بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي أن يظل المضيق المعني، باب المندب، مفتوحًا أمام حركة السفن، إذ يتعين على السفن المرور عبره للوصول إلى قناة السويس. لكن الأمر يتجاوز ذلك، فالمضيق يُشكّل أيضًا جزءًا من صراع أوسع على النفوذ في الشرق الأوسط بين السعودية وإيران، في إطار سعي كل منهما إلى بسط نفوذه على المنطقة.
وقد شنَّ الجيش السعودي ضربات استهدفت مواقع في اليمن بهدف الحد من قوة الحوثيين ونفوذهم، ومحاولة إعادة قدر من الاستقرار إلى البلاد. وحتى الآن، لا يزال اليمن يفتقر إلى حكومة مستقرة. وقد دفع هذا الصراع على النفوذ النظام الإيراني في طهران إلى تقديم دعم عسكري وسياسي متواصل ومتزايد للحوثيين.
و شهدت أحدث محاولة للتأثير في هذا الصراع الهش والمتأزم إقدام الحكومة السعودية على السماح بشنِّ هجماتٍ جديدة على الحوثيين، الذين كثّفوا في الآونة الأخيرة محاولاتهم لمنع سفن الشحن من العبور عبر المضيق.
وقالت السعودية إنها اضطرت إلى اتخاذ هذا الإجراء العسكري دفاعًا عن مصالحها في مواجهة الهجمات المتجددة التي يشنها الحوثيون. ويُعد مضيق باب المندب ومضيق هرمز، الذي أغلقته إيران عقب بدء الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية، من أهم الممرات البحرية في الشرق الأوسط. ومن شأن ذلك أن يمنح إيران نفوذًا وقدرة هائلة على التأثير في الاقتصاد العالمي، وهو ما دأبت على استغلاله بفاعلية كبيرة.
ودعمًا للسعودية، أعلنت المملكة المتحدة أنها ستزوّد حليفتها الرئيسية في الشرق الأوسط بطائرة «فوييجر» للتزوّد بالوقود جوًا.
• ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الأعمال العدائية؟
تُسهم عمليات التزوّد بالوقود جوًا في إطالة مدة تحليق الطائرات العسكرية، من خلال تزويدها بكميات إضافية من الوقود وهي لا تزال في الجو. وقد جاء هذا الاتفاق، رسميًا، بناءً على طلب من الرياض، لكن من الغريب حقيقةً إبرامه بالنظر إلى القدرات الجوية التي تتمتع بها السعودية.
فالسعودية تمتلك حاليًا أسطولًا يضم ست طائرات للتزوّد بالوقود جوًا، وبالتالي فإن إضافة طائرة بريطانية مماثلة لا تمثل سوى زيادة محدودة في قدراتها.
ومع ذلك، فإن أي زيادة في ما يُعرف بـ «القدرات العسكرية غير الحركية»، حتى وإن كانت لفترة محدودة كما أعلنت الحكومة البريطانية، ستعزز قدرة السعودية على تنفيذ ضربات ضد أهداف مخطط لها مسبقًا، وكذلك أهداف تتيحها الظروف الميدانية.
ورغم أن الأهمية العسكرية لهذه الخطوة البريطانية قد تكون محدودة، إلا أن دلالتها السياسية أكبر بكثير. أولًا، من اللافت أن الإعلان عنها جاء في الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء (آندي بيرنهام) في طريقه إلى الولايات المتحدة لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقبل إلقاء كلمته، عقد بيرنهام أول اجتماع مباشر وجهًا لوجه مع الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب). ومن الواضح أن هذا الإعلان صُمم في بريطانيا ليكون رسالة موجهة إلى واشنطن والرياض وطهران.
و يشير الإعلان عن زيادة الدعم المقدم للسعودية إلى تحول نوعي في التوجه الاستراتيجي لحكومة بيرنهام مقارنةً بنهج كير ستارمر، إذ إن تكثيف التحرك البريطاني في الشرق الأوسط يمثل وسيلة لإعادة ضبط العلاقات الإقليمية، إلى جانب العمل على بناء علاقة أقوى مع ترامب.
وعلى الرغم من إحجام الحكومة عن تقديم دعم عسكري مباشر للهجمات الأمريكية على إيران، إلا أن هذه الخطوة تشير إلى أن بيرنهام لا يمانع في أن تكون المملكة المتحدة طرفًا أكثر نشاطًا، ولا سيما في الشرق الأوسط. كما أنها تبعث برسائل سياسية واضحة إلى واشنطن مفادها أن لندن ماضية في هذا النهج الجديد للعلاقات عبر الأطلسي.
وتُظهر هذه الخطوة لترامب أيضًا أنه، رغم عدم استعداد المملكة المتحدة للمشاركة في عمليات عسكرية حركية مباشرة، مثل شن غارات جوية مباشرة على المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، فإنها مستعدة لتقديم الدعم إلى حليف إقليمي مهم.
وهذه رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن المملكة المتحدة بدأت تولي دفاعها وأمنها أهمية أكبر. كما أنها تبعث برسالة إلى ترامب مفادها أن بيرنهام أكثر استعدادًا لدعم أمن حلفاء المملكة المتحدة والدفاع عنهم. وقد يكون ذلك محاولةً لصرف جانب من الانتقادات الصادرة عن البيت الأبيض بشأن عدم إسهام الشركاء الأوروبيين في حلف الناتو بالقدر الكافي في تمويل أمنهم ودفاعهم.
كما تمثل هذه الخطوة رسالة دبلوماسية مهمة إلى الرياض. فالسعودية تُعد مصدرًا مهمًا لعائدات الصادرات البريطانية، كما أنها لطالما كانت من أبرز عملاء المملكة المتحدة في مجال المعدات العسكرية، وهي علاقة ستسعى بريطانيا إلى تعزيزها. ففي نهاية المطاف، تتنافس المملكة المتحدة مع الحلفاء والخصوم على حدٍّ سواء على الطلبات الخارجية المحدودة، التي من شأنها خفض تكلفة إنتاج القطعة الواحدة من المعدات العسكرية وإطالة دورات الإنتاج والصيانة.
وفي غضون ذلك، فإن عرض تقديم الدعم العسكري يبعث برسالة إلى الرياض مفادها أن المملكة المتحدة لا تزال حليفًا ثابتًا وموثوقًا للسعودية.