حينما ظنّ العالم أنه تخلّص من كابوس القراصنة الذين أرعبوا الملاحة البحرية عند سواحل البحر الأحمر قبالة الصومال، عاد هؤلاء مجدداً لممارسة نشاطهم مستغلّين الوضع المحلي والإقليمي لتكثيف هجماتهم البحرية على نحو ينذر بالقلق.
في البدء، كان القراصنة مجرد حفنة من الرجال المسلّحين يصعدون بطريقة عشوائية إلى السفن في عرض البحر، ويستولون عليها مطالبين بفدية لإرجاعها أو إطلاق سراح المحتجزين الذي كانوا على متنها، وبمرور الوقت تحوّلوا إلى منظومة متكاملة تعمل بحرفية.
•منظومة معقدة
ما كشفته الاتصالات والمعلومات المتعلقة بهؤلاء القراصنة، يوضح أنهم منظومة أكثر تعقيداً، إذ يتضح أنّهم يعملون بنظام ورديات، ولديهم مجموعات بحرية وأخرى برية، وقائد يبقى على متن السفينة المخطوفة لمتابعة التطورات مع قيادة موجودة في البرّ، وشبكة تمتدّ من القارب إلى الميناء ومن الحارس إلى المفاوض.
كانوا يعرفون تماماً قيمة الوقت، ويحافظون على السفينة والرهائن حتى تتحول عملية الاختطاف إلى صفقة مالية ناجحة في نهاية المطاف.
ومع تراكم الخبرة والأموال، تطورت أدواتهم من قوارب الصيد والمحركات الخارجية إلى زوارق أسرع، وأجهزة تحديد المواقع والاتصالات، ثم إلى استخدام السفن الأمّ التي أتاحت لهم الابتعاد مئات الأميال عن الساحل ومطاردة سفن أكبر بكثير من إمكانات قواربهم الأصلية.
ولم تكن الفدية التي يحصل عليها القراصنة أيضاً عشوائيةً، بل كانت لديهم أساليبهم الخاصة للتفاوض واستلام النقود وعدّها وفحصها، للتأكد من أنها ليست مزوّرةً أو تحمل أجهزة تتبّع.
وبعد سنوات من الخمول، عاد القراصنة من جديد، إذ شهدت الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري 2026، نحو 13 حادثاً مرتبطاً بالمياه قبالة الصومال، وهو أعلى مستوى منذ عشر سنوات، برغم أنه لا يزال بعيداً عن ذروة القرصنة بين عامَي 2009 و2011.
وبرغم إعلان الصومال وتركيا رسمياً عن تنفيذهما عملية مشتركةً لتحرير سفينة MV LATUF، التي كانت قد غادرت تركيا متجهةً إلى الصومال، قبالة سواحل إقليم بونتلاند، ما أسفر عن مقتل 14 من القراصنة وتدمير أربعة قوارب لهم، فقد قدّمت حكومة بونتلاند روايةً مختلفةً، وتحدثت عن اتصالات هاتفية بين مسؤولين من الحكومة الصومالية وقراصنة بشأن تسهيل دفع مبلغ مالي والإفراج عن السفينة.
هذا التناقض ليس جديداً، فقد اعتادت الدول والشركات المالكة للسفن المخطوفة الإذعان لابتزاز القراصنة ودفع فدية مالية سرّاً، ما مكّنهم من الصمود لسنوات ثمّ الظهور مجدداً على خلفية الحرب الأمريكية على إيران، بتداعياتها الإقليمية الخطيرة.
لكن تحرير السفينة التركية لم ينهِ أزمة الرهائن، فما زال ثمانية بحّارة مصريين وأربعة هنود، ضمن طاقم ناقلة النفط M/T EUREKA، محتجزين منذ أربعة أشهر على سواحل بونتلاند، بعدما اختُطفت في 2 أيار/ مايو الماضي قبالة ساحل محافظة شبوة اليمنية، فيما تبقى مفاوضات الإفراج متعثرةً بسبب خلاف على الفدية.
علي مدى سنوات، شكّل "جنّ البحر" صداعاً في رأس الملاحة البحرية الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، ويبدو الآن أنّ الظروف المحلية والحرب الأمريكية على إيران توفّر لهم أكثر من مجرد فرصة لتكرار الظاهرة التي فقد العالم خلالها مئات المليارات من الدولارات.
ويعتقد بعض السكان والمراقبين المحليين أنّ شبكات القرصنة لم تختفِ بالكامل خلال سنوات تراجع الهجمات، وإنما حافظت على قدر من القدرة على العودة عندما تتغيّر الظروف الأمنية والسياسية والاقتصادية.
قد لا توافق على كل كلمة ننشرها...
لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغايرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحة، أو قاسية، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحر.
•الظهور الجديد
بدأت مؤشرات انعدام الأمن تظهر على اليابسة، بالتوازي مع عودة نشاط القرصنة في البحر، وفقاً لرواية فاطمة عبد الله إسماعيل، التي تقيم حالياً في مدينة غالكعيو وسط الصومال، بعدما كانت تعيش سابقاً في قرعب حيث تدير متجراً صغيراً، وقد اضطرت إلى مغادرة المنطقة بسبب ما وصفته بـ"تدهور الوضع الأمني".
تقول فاطمة في حديثها إلى رصيف22: "دخل أشخاص لا نعرفهم إلى المنطقة، وساد الخوف بين السكان الذين كانوا يعيشون هنا من قبل".
وبدا أنّ القراصنة استغلّوا استهداف الحوثيين للسفن في البحر الأحمر خلال الحرب على غزة، لتوسيع نطاق عملياتهم على بعد مئات من الأميال البحرية نحو الشرق والجنوب للعودة إلى القرصنة، بعد أن ظلّوا في حالة صمت لنحو عشر سنوات، حيث قلّصت القوات البحرية الدولية التي تعمل قبالة سواحل الصومال نشاطها.
وأكدت قوات البحرية الأوروبية الحديث عن إسهام الحرب في إيران في عودة نشاط القرصنة قبالة سواحل الصومال، وعدّت أنّ انصراف التركيز العسكري عن المنطقة، أتاح للقراصنة فرصةً سانحةً لتهديد أحد أكثر ممرّات الشحن ازدحاماً في العالم، الذي يشهد عبور نحو 20 ألف سفينة سنوياً.
في المقابل، يرفض الصومال إرسال الكثير من السفن الدولية إلى سواحله وتحويلها الى ثكنات عسكرية، مفضّلاً في المقابل تعزيز قدراته على إنفاذ القانون بحراً وبراً، باعتبارها الطريقة الأكثر فاعليةً للتصدي لتهديدات القراصنة، بحسب تقرير وكالة رويترز المشار إليه أعلاه.
•تفسير من بونتلاند
يعزو الخبير أوّل في الأمن البحري في إقليم بونتلاند في شمال شرق الصومال، العقيد محمد جامع، عودة القرصنة الصومالية خلال العام الجاري بعد سنوات من الخمول النسبي، إلى ظروف عدة تشمل ثغرات تغطية الأمن البحري، المحدودية في عمليات المراقبة وتوافر الدوريات عبر المساحة البحرية الواسعة جداً، تحديات الاستخبارات، الوصول إلى التمويل واللوجستيات، توافر القوارب والأسلحة، والوجود المستمر لأفراد لديهم خبرة سابقة في البحر والقرصنة.
ويشرح جامع في حديثه إلى رصيف22، المشهد قائلاً: "يُعدّ تخصيص موارد أمن بونتلاند لعمليات مكافحة الإرهاب عاملاً مهماً. فمنذ بداية عام 2025، تمّ نشر قوات دفاع، بما في ذلك عناصر من الشرطة البحرية في مناطق جبال أليسكات في إقليم باري، كجزء من العمليات المستمرة ضد تنظيم داعش".
وعليه، لا يرى جامع، ثغرة الأمن البحري على أنها ضعف عام لإدارة بونتلاند أو مؤسساتها الأمنية، بل يراها "تمثّل تحدّياً في توزيع القوة، حيث يتم تخصيص موارد أمنية كبيرة -كان يمكن أن تساهم لولا ذلك في التغطية الساحلية والبحرية- لصالح حملة نشطة لمكافحة الإرهاب".
وهناك عامل آخر مهم يشير إليه جامع، يتمثل في ظهور جيل أصغر سنّاً من المجنّدين الذين يبدو عليهم القدرة المتزايدة على استخدام التكنولوجيا، ومعلومات السفن، وأنظمة التتبّع البحري، لافتاً إلى أنّ المجموعات الحالية هي مزيج من أفراد ذوي خبرة سابقة في القرصنة ومجنّدين أصغر سنّاً يدخلون هذا النشاط، ومع ذلك لا يبدو أنّ الهيكل الحالي يشبه منظمات القرصنة شديدة المركزية المرتبطة بفترة الذروة بين عامي 2005 و2010.
وعن كيفية تحديد وتتبع القراصنة حالياً للسفن التجارية، يقول جامع: "يبدو أنّ لدى القراصنة معلومات من مصادر متعددة، تشمل نظام التعرّف الآلي، ومعلومات حركة السفن المتاحة للعموم، والمجتمعات السمكية، والجهات الساحلية، وغيرها من الشبكات البحرية".
وبحسب جامع "يُعدّ الوعي التكنولوجي المتزايد لدى المجنّدين الأصغر سنّاً أمراً بالغ الأهمية بشكل خاص؛ إذ يمكنهم دمج المعلومات المتعلقة بهوية السفينة، وموقعها، واتجاهها، وسرعتها، وأنماط حركتها لتحديد الأهداف المحتملة وفهم تحركاتها المحتملة. وهذا يعني أنّ الاستخبارات البحرية أصبحت قدرة عملياتية داخل شبكات القراصنة وليست شيئاً معتمداً حصرياً على المخبرين الساحليين التقليديين".
•التكتيك المغاير
يعكس توسّع الهجمات إلى مسافات أبعد في عرض البحر القدرة المتزايدة لمجموعات القراصنة على استخدام المعلومات البحرية لتحديد مواقع السفن والاقتراب منها خارج النطاق المباشر للساحل الصومالي، في تطور يصفه جامع بـأنه "تكتيك كبير" مقارنةً بفترة 2005-2010، إذ تُظهر الحوادث الأخيرة أنّ عمليات القراصنة لم تعُد تقتصر على المياه الساحلية الصومالية.
فقد أظهرت مجموعات العمل التابعة للقراصنة القدرة على استخدام مراكب الصيد المضبوطة أو المختطفة كـ"سفن أمّهات" توفّر هذه السفن وقوداً إضافياً، وأسلحةً، وأفراداً، وقدرة تحمّل عملياتية، مما يسمح لقوارب الهجوم الأصغر بالعمل على مسافات أبعد بكثير في عرض البحر.
يتفق الخبير الأمني والإستراتيجي اللواء محمد عبد الواحد، مع رؤية جامع، في أنّ عودة القرصنة قبالة السواحل الصومالية ناتجة عن عوامل متراكمة، أبرزها الفقر والبطالة والجهل في شمال الصومال، بجانب غياب حكومة مركزية قوية قادرة على بسط سيطرتها.
ويشير عبد الواحد في حديثه إلى رصيف22، إلى أنّ القرصنة تحولت من أعمال فردية إلى صناعة وتجارة منظمة، مدعومة بشبكات تمويل وبنية لوجستية محلية وخبرة متراكمة في الخطف والتفاوض على الفدية، كما تطورت أدوات القراصنة باستخدام تقنيات حديثة، واستغلوا المساحة البحرية الشاسعة، مع تلاحم متزايد بين القرصنة والجريمة المنظمة والجماعات الراديكالية مثل حركة الشباب الصومالية.
بالتأكيد، اختلفت عمليات القراصنة قبالة سواحل الصومال، مقارنةً بما كانت عليه قبل نحو عقدين، لكن البيئة المحلية نفسها ظلّت كما هي، فيما ساهم التوتر الإقليمي في عودة "جنّ البحر" إلى مطاردة السفن واحتجازها ومقايضتها بالمال.