تحليل: مضيق هرمز تحت التهديد.. هل تنقذ التكنولوجيا السفن من المسيّرات والتشويش الإيراني؟
يمن فيوتشر - ذا جيروزاليم بوست - غابريل أڤنير- ترجمة خاصة: الثلاثاء, 07 يوليو, 2026 - 04:06 مساءً
تحليل: مضيق هرمز تحت التهديد.. هل تنقذ التكنولوجيا السفن من المسيّرات والتشويش الإيراني؟

في 25 يونيو/ حزيران، تعرّضت سفينة الحاويات «إيفر لوفلي»، التي ترفع علم سنغافورة، لهجوم بطائرة مُسيّرة إيرانية انتحارية أثناء عبورها مضيق هرمز. وبعد يومين، أُصيبت أيضًا ناقلة النفط الخام «كيكو»، التي ترفع علم بنما، بالقرب من السواحل العُمانية، وذلك وفقًا لتقارير هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية.
وجاءت هذه الهجمات رغم سريان وقفٍ لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، يشبه من حيث الغموض حالة «قطة شرودنغر»، وكان من المفترض أن يتيح استئناف حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم.
ولم يعد المرور الحر للسفن التجارية أمرًا مضمونًا منذ أن أغلقت إيران والولايات المتحدة هذا الممر المائي خلال الحرب التي اندلعت في فبراير/ شباط. وعلى الرغم من أن احتمال إغلاق المضيق كان مطروحًا منذ فترة طويلة، فإن المؤشرات تُفيد بأن القيادات العسكرية والمدنية على حدٍّ سواء لم تكن مستعدة للمواجهة التي أسفرت عن خسائر اقتصادية جسيمة وأثرت بصورة كبيرة في حركة التجارة العالمية.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، وقد أدى تعطّل هذه الحركة التجارية إلى ارتفاع حاد في الأسعار، مما زاد الضغوط على الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) للتوصل إلى اتفاق مع طهران يتيح استئناف النشاط التجاري.
وفي ظل استمرار المفاوضات، وتبادل الأطراف المتنافسة الادعاءات بشأن مستقبل المضيق، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت حركة الشحن التجاري ستتمكن من التكيف مع المخاطر الجديدة، أو الكيفية التي ستتعامل بها معها.
و يكمن التحدي الأول في العامل الجغرافي. فعبور مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه 54 كيلومترًا (29 ميلًا بحريًا) عند أضيق نقطة، لا يتم إلا عبر مساري ملاحة للدخول والخروج، يبلغ عرض كل منهما 3.7 كيلومترات (ميلين بحريين)، ويفصل بينهما نطاق عازل بعرض ميلين بحريين. ويترك هذا التصميم هامشًا ضيقًا للغاية للخطأ في ممر مائي مزدحم، كما يمنح إيران نقطة اختناق استراتيجية تمكّنها من التحكم في حركة السفن العابرة.
وتصرّ إيران الآن على أن تعبر السفن فقط عبر المسارات التي توافق عليها، ملوّحة باستخدام القوة ضد أي سفينة تحاول المرور عبر ممرات بديلة.
وبعدما كانت السفن التجارية في السابق تواجه خطر اعتراضها من قبل البحرية الإيرانية أو استهدافها بصواريخ مضادة للسفن، باتت طهران تعتمد وسيلة أقل تكلفة وأكثر فاعلية لردع حركة الملاحة البحرية.
وقال الأميرال المتقاعد (يوفال إيلون)، الباحث الزميل الأول المتخصص في الاستراتيجية البحرية لدى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، في حديثه إلى الدفاع و التكنولوجيا التابعة لصحيفة ذا جيروزاليم بوست:
"اليوم لم يعد من الضروري إطلاق صواريخ باهظة الثمن. فبإمكانك استخدام ألغام بحرية، أو طائرات مسيّرة، أو زوارق مُسيّرة غير مأهولة. إنها وسائل منخفضة التكلفة، ولا تتطلب تشغيل قوة عسكرية كبيرة. إنها حرب غير متماثلة، وتمكّن الإيرانيين من حرمان السفن من المرور عبر المضيق من دون الحاجة إلى إطلاق صاروخ واحد."
وتُقدَّر تكلفة الطائرة المُسيّرة الإيرانية «شاهد-136» بنحو 35 ألف دولار، ما يتيح لإيران تشكيل تهديد جدي للسفن من دون استنزاف مواردها. ويقابل ذلك فارق كبير في التكلفة مع صواريخ «باتريوت» الاعتراضية المستخدمة للتصدي للمُسيّرات الإيرانية، والتي تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد منها نحو 4 ملايين دولار.
لكن حتى لو انقلبت المعادلة الاقتصادية، فمن غير المرجح أن ترغب شركات الشحن في تزويد سفنها بأنظمة لمواجهة الطائرات المُسيّرة.
وقال (دور رفيف)، الشريك المؤسس والمدير التنفيذي للتكنولوجيا في شركة Orca AI، وهي شركة ناشئة متخصصة في أنظمة الملاحة البحرية وتجنّب الاصطدام المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، في حديثه إلى الدفاع و التكنولوجيا:
"السفن نفسها كيانات مدنية بالكامل. وليس لديها أي رغبة في حمل وسائل دفاع أو أسلحة، ولا تريد خوض أي مواجهة. كما أنها لا ترغب في حماية نفسها بأساليب قد تجعلها تُنظر إليها على أنها منحازة إلى أي طرف في هذا الصراع."
وبحسب دور رفيف، فإن شركات الشحن تعتقد أن تزويد سفنها بأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة سيجعلها في حد ذاته أهدافًا محتملة للهجمات. وأضاف أن مُلّاك السفن في أحد منتديات القطاع رفضوا أيضًا فكرة مرافقة سفنهم من قبل قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خشية أن يُنظر إليهم على أنهم انحازوا إلى أحد أطراف الصراع.
وأشار (يوفال إيلون) إلى أنه حتى لو رغب مالكو السفن في الحصول على حماية، فإن مرافقة السفن عبر نقطة الاختناق هذه تنطوي على تكاليف باهظة تجعلها خيارًا غير عملي. واستشهد بعملية «مشروع الحرية» الأمريكية قصيرة الأمد، التي أظهرت أن التحديات اللوجستية والاقتصادية والعسكرية المترتبة على حماية السفن في ممر مائي ضيق كهذا تجعل نظام القوافل البحرية غير قابل للتطبيق عمليًا.
وبدلًا من ذلك، لفت إيلون إلى وسائل الحرب الإلكترونية، مثل خداع نظام تحديد المواقع العالمي، وهي تقنية تهدف إلى تضليل الطائرات المُسيّرة بشأن موقعها الجغرافي، بما يصعّب عليها إصابة أهدافها بدقة.
وعلى خلاف الساحة اللبنانية، حيث تمكن حزب الله من تجاوز عمليات التشويش الإسرائيلية باستخدام طائرات مُسيّرة موجهة عبر الألياف الضوئية، فإن طبيعة العمليات في البحر تجعل إيران تعتمد بصورة رئيسية على موجات الراديو، التي يمكن تعطيلها عبر وسائل التشويش الإلكتروني.
ومع ذلك، فإن إضعاف إشارات نظام تحديد المواقع العالمي GPS قد يحد من فعالية الطائرات المُسيّرة، لكنه في الوقت نفسه يعيق قدرة السفن على الملاحة.
ومن دون نظام GPS، تصبح العديد من السفن وكأنها تبحر من دون قدرة فعلية على تحديد موقعها. وفي 1 يوليو/ تموز، أفادت تقارير بأن إحدى السفن جنحت أثناء محاولتها عبور المضيق عبر مسار أكثر خطورة لم تكن إيران قد وافقت عليه.
و التغلب على مشكلة غياب إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) الموثوقة هو المجال الذي تستطيع فيه شركات مثل أوركا إيه آي مساعدة السفن على الإبحار بمزيد من الأمان. فالشركة تُبلغ طواقم السفن فور تعرض إشارات GPS لعمليات الخداع الإلكتروني أو التشويش، إذ أوضح دور رفيف أن الأنظمة الموجودة على متن السفن ليست مصممة لاكتشاف مثل هذه الحالات تلقائيًا.
ومن خلال منتج يحمل اسم «كو-كابتن»، والذي شبّهه رفيف بتطبيق «خرائط غوغل» المخصص للسفن، تتبادل السفن بيانات التشويش عبر شبكة تضم نحو 1,500 سفينة، بحيث يتلقى ربان السفينة المتجهة إلى منطقة تتعرض للتشويش تنبيهًا مسبقًا قبل دخولها. كما أن كاميرات أوركا إيه آي، التي تعتمد بالفعل على تقنيات الرؤية الحاسوبية لتجنب الاصطدام، أصبحت تُستخدم بصورة متزايدة لمساعدة الطواقم على الملاحة بالاعتماد على الرؤية المباشرة عند تعطل نظام GPS، ولا سيما خلال ساعات الليل.
أما شركة أسيو، وهي شركة إسرائيلية متخصصة في تقنيات الدفاع، فتتعامل مع المشكلة من الجو. إذ تتيح تقنيتها «جيوفيوجن»، المستخدمة من قبل الجيش الإسرائيلي وعملاء آخرين حول العالم، للطائرات مواصلة الملاحة رغم عمليات التشويش التي تعيق غيرها، بما يمكّنها من مواصلة مراقبة ممرات الملاحة البحرية ورصد الألغام والطائرات المُسيّرة والسفن المعادية.
وقال (تومر ملخي)، مؤسس شركة أسيو ورئيسها التنفيذي:
"تتيح تقنيتنا للأصول الجوية أو البحرية تجاوز هذه التحديات والحفاظ على حرية تنفيذ عملياتها."
ويرى التقرير أن هذه الميزة تقلب معادلة الحرب غير المتماثلة؛ إذ يمكن للقوات البحرية التي تتولى حماية الملاحة أن تُغرق مضيق هرمز بعمليات تشويش على إشارات GPS لإرباك الطائرات المُسيّرة الإيرانية، في حين تواصل طائراتها المخصصة للمراقبة، التي تعتمد على الملاحة البصرية، العمل في المجال الجوي نفسه من دون أن تتأثر.
ومع ذلك، ورغم أن هذه التقنيات قد تساعد سفن الشحن على الإبحار بأمان أكبر في هذه المياه عالية المخاطر، وربما تمكّنها أيضًا من رصد التهديدات المحتملة، فإن الأوضاع لا تزال هشة إلى حدّ لا يسمح لشركات الشحن بالعودة إلى ممارسة أعمالها بصورة طبيعية.
و يثير استعداد إيران لاستهداف السفن من أجل فرض سيطرتها على الممر المائي قلقًا مشروعًا لدى مالكي السفن وشركات التأمين، نظرًا لما ينطوي عليه ذلك من مخاطر تهدد سلامة أطقم السفن والسفن نفسها وحمولاتها.
ومن جانبهم، لا يرى مالكو السفن أن ضمان حرية الملاحة يقع ضمن مسؤولياتهم، بل يعدّونها مهمة تقع على عاتق الحكومات والقوات البحرية. وفي الوقت الذي يخوض فيه الدبلوماسيون مفاوضات معقدة ومتشابكة، من المرجح أن يختار مالكو السفن ببساطة دفع الرسوم التي تفرضها إيران مقابل العبور، ثم تحميل هذه التكاليف إلى السوق.
وفي ظل إحجام البحرية الأمريكية عن اللجوء إلى الخيار العسكري، تبدو الدبلوماسية، إلى جانب ما يصفه التقرير بالابتزاز المالي، السيناريو الأكثر ترجيحًا.
وقال دور رفيف:
"في رأيي، المسألة تتعلق بالاقتصاد الكُلّي. إنها قضية دبلوماسية أكثر منها عسكرية، وفي نهاية المطاف ستُحسم عبر المسار الدبلوماسي. ومن المرجح أن نبقى في حالة من الجمود خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، لكن بمجرد التوصل إلى تسوية، ستكون مصلحة الجميع هي السماح باستمرار تدفق النفط."
وفي الوقت نفسه، ورغم أن حسابات الكلفة والعائد تعتبر العامل الحاسم في مضيق هرمز، إلا أن ما يحدث في الشرق الأوسط نادرًا ما يبقى محصورًا في المنطقة.
وقال يوفال إيلون:
"إنها مسألة وقت فقط قبل أن تُقدم ماليزيا أو إندونيسيا على إغلاق مضيق ملقا، أو أن يعمد طرف ما إلى إغلاق مضيق جبل طارق والمطالبة برسوم مقابل العبور، لأن مضيق هرمز ليس سوى نموذج يمكن أن يتكرر."

 

لقراءة المادة من موقعها الاصلي:

https://www.jpost.com/defense-and-tech/article-901674


التعليقات