عندما يتعامل المجتمع الدولي مع طهران، فإنه يرتكب بشكلٍ متكرر خطأً منهجياً جوهرياً. إذ يتعامل الدبلوماسيون والمحللون الغربيون مع الجمهورية الإسلامية بوصفها دولة قومية تقليدية تحكمها اعتبارات المصلحة الوطنية والحدود ورعاية الشؤون المدنية. غير أن هذا تصور مضلل وخطير.
فالجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست دولة بالمعنى التقليدي، بل هي حركة ثورية عابرة للحدود تمكنت من السيطرة على جغرافيا إيران ومواردها، محوِّلةً دولة ذات تاريخ عريق إلى مركز قيادة يهدف إلى تصدير أيديولوجيا دينية متشددة. وفي قلب هذا الكيان يقف الحرس الثوري الإيراني.
إن الحرس الثوري الإيراني لا يخدم النظام فحسب، بل إنه يشكّل النظام نفسه.
• الخيانة الدستورية
يعمل هذا النظام بوصفه قوة احتلال معادية للوطن. إذ ينصّ دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكلٍ صريح على أن مهمة الجيش تتمثل في تنفيذ «الواجب الأيديولوجي للجهاد» بهدف توسيع شريعة الله عالمياً، ودعم «نضال المستضعفين ضد المستكبرين في كل أرجاء العالم».
ومن اللافت أن الدستور لا يشترط حتى أن يكون المرشد الأعلى مواطناً إيرانياً. فمنذ البداية، نظر رجال الدين الحاكمون إلى إيران لا بوصفها وطناً قومياً، بل كغنيمة حرب تم الاستيلاء عليها لتمويل حركة تمرد عابرة للحدود.
• نشأة جيش موازٍ
لفهم كيفية استحواذ هذا الكيان على الدولة الإيرانية، لا بد من العودة إلى ثورة 1979. فقد تشكّل تحالف ضمّ اليساريين، وأتباع محمد مصدق (وخاصة حركة التحرير الإيرانية)، إضافة إلى الإسلاميين، وكان يجمعهم قدر كبير من الارتياب تجاه الجيش الإيراني ذي التوجه الغربي في عهد الشاه.
وفي ظل هذا المناخ من انعدام الثقة، اقترح الدكتور (إبراهيم يزدي)، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك، إنشاء قوة شبه عسكرية ذات ولاء أيديولوجي لحماية الثورة.
وهكذا وُلد الحرس الثوري الإيراني. وقد كان استخدام كلمة «الإسلامي» في اسمه إعلاناً مقصوداً: فمهمته لم تكن يوماً الدفاع عن حدود إيران، بل حماية البقاء العقائدي للنظام. وسرعان ما أحكم الإسلاميون سيطرتهم الكاملة، وقاموا بشكلٍ منهجي بتصفية شركائهم السذّج وإقصائهم من المشهد.
• ابتلاع الدولة: البيروقراطية الموازية
إدراكاً من النظام بأن الجهاز البيروقراطي الحديث الذي بُني خلال عهد البهلوي لا يتوافق مع مشروعه الثوري، قام بتأسيس «دولة موازية» شاملة داخل الحرس الثوري الإيراني، عملت تدريجياً على تفريغ كل مؤسسات الدولة الرسمية من مضمونها:
- الجيش النظامي (أرتش): أنشأ الحرس الثوري الإيراني أفرعاً عسكرية موازية، مع حرمان الجيش التقليدي من الموارد والإمكانات بشكلٍ متعمد.
- الشرطة الوطنية: أطلق النظام قوة شبه عسكرية تُعرف بالبسيج لفرض السيطرة الاجتماعية وقمع المعارضة الداخلية خارج إطار القانون.
- الاستخبارات: منح النظام صلاحيات واسعة لمنظمة استخبارات الحرس الثوري الإيراني (ساس)، التي تطورت لتصبح أكثر أجهزة الأمن قسوة داخل البلاد.
- الاقتصاد: أسس الحرس الثوري الإيراني شركة خاتم الأنبياء، وهي تكتل مالي ضخم يهيمن على مشاريع البنية التحتية الكبرى وقطاعات النفط والغاز والبناء.
- السياسة الخارجية: أُسندت الدبلوماسية الإقليمية بالكامل إلى فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، حيث أصبح قادته بمثابة سفراء فعليين في العواصم الإقليمية الرئيسية.
• تصدير النواة: إنشاء حزب الله
أقصى تجلٍّ لهذه الأيديولوجيا يتمثل في شبكة الوكلاء التي أنشأها النظام. فبالنسبة لحركة ثورية من هذا النوع، تُعدّ الحدود الوطنية أمراً شكلياً وغير جوهري. ويتجلى هذا التصور بوضوح في نشأة حزب الله في لبنان.
وفي مفارقة تاريخية لافتة، كان هذا المشروع من تدبير (علي أكبر محتشمي بور)، الذي صُوِّر لاحقاً في بعض الأوساط داخل إيران على أنه «إصلاحي». وقد شغل منصب سفير إيران لدى سوريا بين عامي 1981 و1985، وكانت مهمته الصريحة تتمثل في غرس الأيديولوجيا الخمينية في لبنان.
في تلك المرحلة، كانت حركة أمل هي القوة الشيعية الرئيسية في لبنان، ولم تكن تُبدي أي استعداد لتبنّي أيديولوجيا طهران. ومن خلال استخدام تمويل وتسليح غير محدودين من الحرس الثوري الإيراني، قام محتشمي بور بإدارة انقسام داخلي دموي داخل حركة أمل.
حيث تم تسليح الفصائل الراديكالية الموالية للخميني بهدف تصفية الخصوم المعتدلين. ومن رماد هذا الصراع الأهلي المُصطنع، ظهر حزب الله؛ ليس كحزب لبناني محلي، بل كأول فرع خارجي تابع للحرس الثوري الإيراني.
• التنظيم الإجرامي العالمي: حزب الله كذراع تنفيذية للحرس الثوري
وبعيداً عن لبنان, تطوّر حزب الله ليصبح الذراع التنفيذية العالمية للحرس الثوري الإيراني وشبكة إجرامية عابرة للحدود. إذ ينشط في أوروبا وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية، ويدير إمبراطورية ظلّ قائمة على تهريب المخدرات وغسل الأموال والتهريب المنظم.
ومتى ما احتاجت طهران إلى الإنكار المعقول، تقوم بتوظيف حزب الله لتنفيذ الاغتيالات السياسية والتفجيرات وعمليات احتجاز الرهائن. فمن استهداف المعارضين على الأراضي الأوروبية إلى تدريب الوكلاء الإقليميين مثل الحوثيين، يعمل حزب الله كشبكة شبيهة بالمافيا المسلحة تنفذ الأعمال القذرة بالنيابة عن مشغّليه في طهران.
• الفظائع في الداخل والخارج
إن ولاء حزب الله للحرس الثوري الإيراني كُتب بدماء المدنيين. فعندما خرج الإيرانيون في احتجاجات وطنية مناهضة للنظام، دفع الحرس الثوري الإيراني بمرتزقة من حزب الله يتحدثون العربية إلى شوارع إيران. وقد قام هؤلاء المنفذون القادمون من الخارج بقمع المحتجين الشباب وإطلاق النار عليهم بوحشية، دون أي ارتباط ثقافي أو اجتماعي مع السكان.
أما في الخارج، فقد عمل حزب الله بوصفه أداة تنفيذية لصالح بشار الأسد خلال الحرب الأهلية السورية. وبتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، ارتكب حزب الله جرائم حرب ممنهجة، شملت تجويع بلدات سُنّية، وتنفيذ مجازر ذات طابع طائفي، وعمليات تهجير قسري لإعادة رسم التركيبة السكانية للمدن، وذلك للحفاظ على الممر الجغرافي للنظام نحو البحر المتوسط.
وامتد هذا التدخل ليصل إلى عمق شمال أفريقيا، ما دفع المغرب إلى قطع علاقاته الدبلوماسية مع طهران بعد أن كشفت الاستخبارات عن قيام إيران، عبر حزب الله، بتزويد جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية بصواريخ مضادة للطائرات وتدريب على حرب المدن.
• الضربات الحاسمة لإسرائيل
لعقود طويلة، تعامل الغرب مع الملف بسياسات استرضاء غير مجدية، لكن المشهد الاستراتيجي تغيّر جذرياً بفعل الحسم العسكري لدولة إسرائيل. ابتداءً من عام 2024، أطلقت إسرائيل حملة عسكرية تاريخية أدت إلى تفكيك منهجي لما بناه الحرس الثوري الإيراني خلال أربعين عاماً.
ومن خلال عمليات استخباراتية غير مسبوقة، تمكنت إسرائيل من شلّ قيادة حزب الله. فمن عملية أجهزة النداء المتفجرة التي عطلت آلاف العناصر، إلى الغارات الجوية الدقيقة التي استهدفت وقتلت الأمين العام طويل الأمد (حسن نصر الله)، كشفت إسرائيل هشاشة هذا “المنفّذ” رغم صورته كقوة صلبة.
و من خلال استنزاف مخزونات الصواريخ وتدمير مراكز القيادة المحصنة، قامت إسرائيل بما عجزت بقية دول العالم عن امتلاك الجرأة لتنفيذه.
وفي عام 2026، استغلت إسرائيل بمهارة حالة الضبابية التي أحاطت بصراعات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وشنّت هجوماً جوياً وبرياً واسع النطاق على جنوب لبنان، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية الاستراتيجية لحزب الله في معاقله الرئيسية مثل بنت جبيل والخيّام وقلعة الشقيف (بوفور).
ويُفسَّر هذا التفكيك سبب دخول طهران في حالة من الهياج والغضب الشديد عند مشاهدتها انهيار ذراعها التنفيذي الأساسي على الساحة العالمية، وهو ما انتهى بشنّها هجوماً صاروخياً انتقامياً يائساً في 7 يونيو/حزيران 2026. وتبقى الحقيقة المقلقة أن كل صاروخ أطلقه حزب الله وحركة حماس باتجاه إسرائيل كان يُدار ويوجَّه بشكلٍ مباشر من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
• دين عالمي من الامتنان لإسرائيل
ما دامت البُنى الموازية التابعة للحرس الثوري الإيراني هي التي تتحكم بثروة إيران، فإن أي اعتدال مؤسسي يبقى أمراً مستحيلاً. وستواصل الجمهورية الإسلامية التضحية بالثروة الوطنية الإيرانية وبمستقبل شبابها من أجل دعم جبهاتها الثورية الخارجية.
وفي هذا المشهد القاتم، يزعم النص أن المجتمع الدولي مدين بدين عميق ودائم لدولة إسرائيل، بوصفها الحاجز الذي لا يمكن الاستغناء عنه في وجه التهديدات التي تستهدف ما يسميه «الحضارة».
ومن خلال سحق منظومة الإرهاب التابعة للحرس الثوري الإيراني وحزب الله، لم تكتفِ إسرائيل بالدفاع عن حدودها فحسب، بل — وفق هذا الطرح — حررت المنطقة من شبكة إجرامية عابرة للحدود، وأسهمت في حماية سيادة وأمن العالم بأسره.