كيف تنظر دول الخليج إلى الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران في ظل هذا التصعيد غير المسبوق؟ هذا التساؤل يفرض نفسه مع إعلان وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية، بعد أكثر من خمسة أسابيع من العمليات العسكرية التي امتدت إلى دول الخليج، وأنتجت واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا على مستوى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وتكاليف المعيشة.
ضمن هذا المشهد، تتعامل دول الخليج مع الهدنة بوصفها إجراء لاحتواء التصعيد وليس تسوية نهائية. فخبراء في المنطقة، تحدثوا مع “الحرة”، ينظرون إلى التهدئة الحالية باعتبارها استراحة عملياتية أكثر منها تحولا استراتيجيا، إذ رغم أنها أسهمت في تخفيف الضغط الفوري على أسواق الطاقة وتقليل حدة الاضطرابات في حركة التجارة، خصوصا عبر مضيق هرمز، فإنها لم تعالج مصادر التهديد الأساسية.
تاريخيا، لم تعرف العلاقات الإيرانية الخليجية استقرارا في أي مرحلة، واتسمت منذ الثورة الإيرانية عام 1979 بطابع متوتر في ظل ملفات خلافية عالقة، من أبرزها النزاع بين إيران والإمارات حول جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، إلى جانب توترات مستمرة مع السعودية وغيرها من دول الخليج.
في المقابل، شكلت سلطنة عمان استثناء نسبيا، إذ حافظت على علاقات أكثر استقرارا مع طهران مقارنة ببقية دول الخليج، وفي عام 2023 أسهم اتفاق بكين برعاية صينية في إعادة العلاقات بين السعودية وإيران إلى مسارها الطبيعي بعد سنوات من القطيعة.
وخلال الأزمة الحالية، أدانت دول الخليج الهجمات الإيرانية التي طالت أراضيها ومنشآتها، وشددت على رفضها للتصعيد وتداعياته على أمن المنطقة. وشهدت الأيام الماضية اتصالات بين طهران وعواصم خليجية، أكد خلالها مسؤولون سعوديون وقطريون أولوية المسار الدبلوماسي في التعامل مع الأزمة.
يرى المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية، سالم اليامي، أن دولا خليجية عدة رحبت بتعليق الضربات العسكرية بين واشنطن وطهران لمدة أسبوعين، وثمّنت الجهود الباكستانية أملا في تحويل التهدئة المؤقتة إلى سلام أكثر استدامة. ويقول إن سيولة موازين القوى في المنطقة تدفع دول الخليج إلى حماية مصالحها وتجنب الاصطفاف مع أي طرف.
ويضيف أن ما يجري لا يرقى إلى تسوية نهائية، بل هو “تعليق للعمليات الحربية” بطبيعته المؤقتة. وبرأيه، نجحت دول الخليج في تفادي محاولات دفعها إلى الانخراط المباشر في الصراع، مع احتفاظها بدور محتمل في أي مسار تفاوضي لاحق لرسم المرحلة المقبلة.
وفي هذا الإطار، يرى عايد المناع أن أولوية دول مجلس التعاون تتمثل في حماية أمنها الداخلي واستقرارها، وضمان استمرار النشاط الاقتصادي، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز باعتباره شريانا حيويا لصادرات النفط والغاز والتجارة. ومن هذا المنطلق، يظل هدفها ترسيخ استقرار مستدام في المنطقة.
ويقول إن الهدنة الحالية، رغم كونها مؤقتة، قد تعكس قدرا من المراجعة الإيرانية بعد الضربات الأخيرة، لكن استمرارها يبقى رهنا بمسار العلاقة الأميركية الإيرانية، وبقدرة الطرفين على ضبط التهدئة. ويضيف أن أي تصعيد إسرائيلي جديد قد يستجلب ردا إيرانيا وتدخلا أميركيا داعما، بما يعيد التوتر إلى المنطقة ويضع دول الخليج في دائرة التأثر المباشر، وهو ما يجعل التهدئة أولوية استراتيجية بالنسبة لها.
لكن ذلك لا يعني، وفق وزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف، وجود تحول استراتيجي طويل الأمد في العلاقة مع إيران. ويقول إن ما جرى بعد 28 فبراير أظهر لدول الخليج، ولا سيما السعودية وقطر، أن طهران لا يمكن الاطمئنان إليها، بعدما اتسع نطاق الاستهداف على نحو لم يقتصر على دولة بعينها. ويضيف أن السعودية وعمان، رغم خلوهما من قواعد أميركية، لم تكونا بمنأى عن التهديد، ما يعزز، برأيه، أن ما يجري ليس سوى تكتيك مرحلي لاحتواء التوتر، لا تغييرا استراتيجيا دائما.
ويضيف النصف أن التهدئة الحالية تختلف عن أي تسوية تقودها واشنطن وسيطا بين أطراف أخرى، إذ إن الوساطة تمر هذه المرة عبر باكستان، التي لا تملك النفوذ ذاته على الطرفين. كما أن ميزان الضغوط يبقى مختلا ما دامت الولايات المتحدة تبادر بالضربات من دون أن تتحمل كلفة مباشرة على أراضيها أو في مصالحها الحيوية، فلا خسائر عسكرية أو اقتصادية فورية من نوع إسقاط الطائرات أو استهداف الناقلات، وهو ما يقلص الضغوط التي قد تدفعها إلى تقديم تنازلات.
وخلال نحو أربعين يوما من العمليات، أعلنت الولايات المتحدة استهداف أكثر من 12 ألف هدف داخل إيران، مؤكدة خفض وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية بنسبة تفوق 90%، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن قدرات إيران العسكرية تراجعت بالكامل. وتشير تقديرات خبراء إلى أن إيران لا تزال تمتلك منصات إطلاق متنقلة يصعب تعقبها، ما يبقي جزءا من القدرة الصاروخية الإيرانية خارج نطاق السيطرة المباشرة. وفي هذا الإطار جاء إعلان هدنة لمدة أسبوعين في لحظة بلغت فيها مستويات الصراع في المنطقة ذروتها.
وقد وصف الرئيس الأميركي الاتفاق بأنه “انتصار كامل”، مع منح إيران مهلة محددة، دون استبعاد استهداف بنيتها التحتية لاحقا، بالتوازي مع تأكيده استمرار الوجود العسكري الأميركي في المنطقة لضمان تنفيذ مخرجات أي اتفاق. وفي المقابل، زعمت طهران أن الهدنة تمثل “انتصارا استراتيجيا”، وفق ما نقلته وكالة “تسنيم” عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني.
في المقابل، قدمت المؤسسة العسكرية الأميركية قراءة أكثر تحفظا؛ إذ أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كين، أن ما جرى لا يتجاوز كونه هدنة مؤقتة، وأن القوات الأميركية لا تزال في حالة جاهزية كاملة لاستئناف العمليات عند الحاجة. وشددت واشنطن على أن قواتها ستبقى متمركزة حول إيران إلى حين الامتثال الكامل للاتفاق، مع تحذيرات من استئناف القتال “بشكل أكبر وأقوى” في حال انهياره، وربطت الهدنة بضمانات تتعلق ببقاء مضيق هرمز مفتوحا ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهي ملفات لم تحسم بعد.
ومن المقرر أن تستكمل هذه المرحلة بمفاوضات مباشرة في العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، يترأس الوفد الأميركي فيها نائب الرئيس “جيه دي فانس” بمشاركة صهر ترامب، جاريد كوشنر، والمبعوث ستيف ويتكوف، على أن تعقد الاجتماعات خلال عطلة نهاية الأسبوع، في خطوة تعكس انتقالا تكتيكيا من المواجهة الميدانية إلى المسار التفاوضي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيرا في جوهر الصراع.