تحليل: المحادثات الأميركية–الإيرانية ليست عدًّا تنازليًا نحو الصراع
يمن فيوتشر - The Conversation – بامو نوري- ترجمة خاصة: الإثنين, 09 فبراير, 2026 - 07:00 مساءً
تحليل: المحادثات الأميركية–الإيرانية ليست عدًّا تنازليًا نحو الصراع

عندما التقى مسؤولون إيرانيون وأميركيون لإجراء محادثات في العاصمة العُمانية مسقط في السادس من فبراير/ شباط، انشغل كثير من الصحافيين والمحللين بالتكهن عمّا إذا كانت الدبلوماسية ستفشل، وما إذا كانت الحرب ستأتي حتماً بعدها. غير أن هذا الإطار يختزل اللحظة الراهنة ويغفل حقيقتها الأعمق. فالسؤال الأهم ليس ما إذا كانت المحادثات ستنهار، بل لماذا عاد الطرفان أساساً إلى طاولة التفاوض، رغم سنوات طويلة من العداء والعقوبات وصراعات الوكلاء والتهديدات العلنية.

والقلق الذي أحاط بهذه المحادثات مفهوم. فقد حذّرت واشنطن مواطنيها من مغادرة إيران قبل ساعات من انطلاقها، ما غذّى التكهنات بشأن احتمال توجيه ضربات عسكرية. كما طرح مسؤولون أميركيون مطالب واسعة النطاق تتجاوز بكثير مجرد السعي إلى كبح طموح إيران لامتلاك سلاح نووي. ويقدّم التاريخ القريب أمثلة عديدة على مفاوضات انتهت بالانهيار والانزلاق إلى العنف.

غير أن التعامل مع هذه المحادثات بوصفها عدّاً تنازلياً نحو الصراع يعكس سوء فهم لطبيعة الدبلوماسية ولموازين القوى في الشرق الأوسط اليوم. فالمفاوضات ليست اختباراً وحيداً للإرادة، ولا مقامرة تُخاض مرة واحدة من أجل السلام. ومحادثات عُمان لم تكن مواجهة نهائية، بل خطوة افتتاحية. وهي تعكس إدراكاً مشتركاً في واشنطن وطهران بأن خمسة عشر عاماً من الإكراه والضغوط واستخدام القوة لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة، وأن أي تصعيد في المرحلة الراهنة سيكون أشد خطورة بكثير مما كان عليه في السابق.

كما يجادل منذ زمن الباحث المتخصص في الدبلوماسية جيفري بيريدج، فإن المرحلة الأولى من أي مسار دبلوماسي جاد تتمثل في إرساء أرضية مشتركة حول القضايا الأساسية. وفقط بعد وضع هذا الأساس يمكن الشروع في مفاوضات جوهرية. وعلى هذا الأساس، ينبغي فهم المحادثات التي جرت في عُمان بوصفها مرحلة تمهيدية، لا جولة حاسمة.

وقد تمثل الهدف منها في توضيح المواقف، وتبادل الخطوط الحمراء، واختبار ما إذا كان ثمة مسار دبلوماسي قابل للتطبيق. ووصف مسؤولون إيرانيون أجواء المحادثات بأنها بنّاءة، مشيرين إلى أن الجانبين نقلوا شواغلهم ووجهات نظرهم عبر الوسيط، وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي. وهذه هي الكيفية التي تبدأ بها الدبلوماسية، لا التي تنتهي عندها. وهو ما يفسر دعوة كل من المسؤولين الإيرانيين والأميركيين لاحقاً إلى مواصلة المحادثات.

وبالنسبة إلى طهران، فإن الانخراط في محادثات مع وفد أميركي يحمل دلالة خاصة. فقد سعت إيران على الدوام إلى نيل اعتراف بها بوصفها فاعلاً إقليمياً مشروعاً، لا دولة يُراد إخضاعها أو عزلها. كما أن استعداد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للمشاركة شخصياً في هذه المحادثات يعكس مدى جدية إيران في التعامل مع هذه اللحظة، وحجم استثمارها في مخرج دبلوماسي يقوم على الاحترام المتبادل.

أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن دوافعها لا تقل وضوحاً. فعلى مدى الخمسة عشر عاماً الماضية، استخدمت الولايات المتحدة تقريباً جميع أدوات الضغط المتاحة ضد إيران، بما في ذلك العقوبات، والعمليات السيبرانية، والضربات الموجّهة، واغتيال شخصيات إيرانية رفيعة المستوى، وإضعاف الجماعات المتحالفة مع إيران في مختلف أنحاء المنطقة، فضلاً عن الدعم المباشر لإسرائيل خلال حربها القصيرة مع إيران عام 2025. ومع ذلك، لم يُفضِ أي من ذلك إلى تغيير النظام، أو إلى استسلامه، أو إلى تحقيق استقرار إقليمي دائم.

لقد ألحقت العقوبات أضراراً جسيمة بالاقتصاد الإيراني، كما تضررت شبكة طهران الإقليمية. فقد واجه حزب الله ضغوطاً متزايدة وأعباء اقتصادية في لبنان، وتعرّضت حركة حماس لضربات قاسية في غزة، فيما جرى تقييد قدرات قوات الحوثيين في اليمن بفعل الدوريات العسكرية الدولية. ومع ذلك، ظلّ جوهر النظام السياسي الإيراني متماسكاً.

كما أخفق الاضطراب الداخلي في إحداث انهيار. فالاحتجاجات الأخيرة، التي قوبلت بقمع شديد وغالباً عنيف، لم تُسقط نظاماً صُمّم عمداً منذ عام 1979 ليصمد في وجه الضغوط الخارجية. وتبرز هنا مفارقة أساسية: فإيران قد تكون أضعف مما كانت عليه في أي وقت خلال العقود الأخيرة، لكنها ليست هشّة بالقدر الذي يفترضه كثير من المراقبين.

الموقف التفاوضي لواشنطن

تعكس تصريحات المسؤولين الأميركيين، التي تشدد على أن المحادثات ينبغي أن تشمل برنامج إيران الصاروخي الباليستي، وتحالفاتها الإقليمية، ونظامها الداخلي، الحدّ الأقصى لأي موقف تفاوضي محتمل.

وهذا النهج ليس مستغرباً. ففي العمل الدبلوماسي، غالباً ما تكون المطالب الافتتاحية قصوى بطبيعتها، إذ يُراد منها خلق أوراق ضغط، لا تحديد نهاية واقعية قابلة للتحقق، وهو أسلوب يُعرف به الرئيس الأميركي دونالد ترامب. غير أن الخطر يكمن في التعامل مع هذه المطالب على أنها قابلة للتحقيق جميعها في آن واحد.

ومن منظور طهران، لا تُعدّ هذه القضايا متكافئة. فقد دأبت إيران على الإشارة إلى أن مسألة الأسلحة النووية هي المجال الوحيد الذي تُبدي استعداداً للدخول فيه في نقاش جدي، لكون برنامجها النووي قد جرى تدويله بالفعل من خلال معاهدات، وعمليات تفتيش، واتفاقات سابقة.

كما تستند القيادة الإيرانية إلى الفتوى الدينية الصادرة عن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، التي تحرّم إنتاج واستخدام الأسلحة النووية. ورغم تشكك صانعي القرار في الغرب بشأن القوة القانونية الملزمة لهذه الفتوى، فإنها توفر لطهران إطاراً أيديولوجياً يمكن من خلاله تقديم ضبط النفس النووي داخلياً باعتباره خياراً مبدئياً نابعاً من قناعة ذاتية، لا نتيجة إملاءات خارجية.

في المقابل، تنظر إيران إلى ترسانتها من الصواريخ الباليستية بوصفها أمراً غير قابل للتفاوض. ففي منطقة تواجه فيها إيران خصوماً يمتلكون أسلحة نووية، واختلالاً واسعاً في ميزان القوى التقليدي، تُعد القدرات الصاروخية ركناً أساسياً في استراتيجيتها الردعية. وبالمثل، لا تُعد تحالفاتها الإقليمية مجرد أدوات نفوذ، بل امتداداً لوضعية دفاعية تشكّلت عبر عقود من الحروب والعقوبات والعزلة.

أما مسألة الحوكمة الداخلية فهي أشد حساسية. فلا يمكن لأي فريق تفاوضي إيراني القبول بقيود خارجية على طريقة إدارة الجمهورية الإسلامية لشؤونها، من دون التشكيك في شرعية النظام نفسه. ومن ثم، تُنظر محاولات ربط الدبلوماسية بمطالب الإصلاح السياسي الداخلي لا بوصفها مواقف تفاوضية، بل باعتبارها تهديدات وجودية.

وعليه، فإن جمع القيود النووية، والانكفاء الإقليمي، والتحول الداخلي في إطار تفاوضي واحد ينطوي على خطر الإفراط في الطموح. وتبدو فرص التقدم أكبر بكثير عبر نهج تدريجي يقوم على معالجة الملف النووي أولاً، وبناء الثقة من خلال آليات التحقق والمعاملة بالمثل، ثم الانتقال لاحقاً إلى استكشاف أشكال أضيق من خفض التصعيد في ساحات أخرى. ويساعد إدراك ذلك على تفسير استمرار المحادثات رغم حدة الخطاب وتكثيف الإشارات العسكرية.

مخاطر متبادلة وفرص مشتركة

إن توصيف عباس عراقجي للمحادثات التي جرت في مسقط بأنها «بداية جيدة»، حيث تمكّن الطرفان من إيصال مصالحهما وشواغلهما، إلى جانب إعرابه لاحقاً عن أمله في مواصلة المفاوضات، يشير إلى أن الدبلوماسية لا تزال الخيار المفضل لدى إيران. ومن المرجّح أن ينطبق الأمر ذاته على الولايات المتحدة.

فنادراً ما أفضت التدخلات العسكرية إلى نتائج مستقرة في تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الحديث. إذ إن إطاحة صدام حسين في العراق، و معمر القذافي في ليبيا، وانهيار سلطة الدولة في سوريا، لم تجلب سلاماً سريعاً ولا ديمقراطية حقيقية، بل أسفرت عن فراغات في السلطة، وحروب بالوكالة، ونزوح جماعي، وعدم استقرار مزمن.

وإيران دولة أكبر وأكثر ترسخاً مؤسسياً، وأعمق انخراطاً في التفاعلات الإقليمية، من أي من تلك الحالات. وأي صراع يشمل الجمهورية الإسلامية سيكون أطول أمداً، وأشد تدميراً، وأصعب احتواءً.

وعليه، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في فشل الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة، بل في التخلي عنها على نحو متسرّع. فالمفاوضات بطبيعتها عملية تراكمية، كثيراً ما تكون مُحبِطة ونادراً ما تسير بخط مستقيم. غير أنها، في هذه الحالة، قد تمثّل الاستراتيجية القابلة للتطبيق الوحيدة المتاحة أمام الطرفين.

فإيران تتجنب حرباً لا يمكن كسبها، والولايات المتحدة تتفادى مستنقعاً جديداً في الشرق الأوسط، فيما تحظى المنطقة بفرصة هشّة لكنها بالغة الأهمية للابتعاد عن حالة الأزمة الدائمة. وبهذا المعنى، قد تكون المحادثات ذاتها قد مثّلت بالفعل أقصى ما يمكن تحقيقه من تقدم ذي مغزى


التعليقات