يمثل التدخل الروسي في دعم العمليات العسكرية الحوثية للسيطرة على الساحل الغربي وباب المندب، وفق ما كشفه الباحث السعودي نواف عبيد، الزميل في قسم دراسات الحرب بكلية كينغز لندن، محطة متقدمة في علاقة سرية بدأت بعد وقت مبكر من سيطرة الجماعة على صنعاء وانقلابها على السلطة الشرعية أواخر عام 2014.
وتكشف معلومات موثوقة وحصرية حصل عليها "يمن فيوتشر" أن الانخراط الروسي لم ينشأ فجأة، وإنما تطور عبر مسارات سياسية ودبلوماسية واستخباراتية وعسكرية متدرجة، حولت موسكو إلى أحد أبرز مصادر الدعم الدولي للحوثيين، والطرف الخفي خلف جانب من التطور النوعي في قدراتهم التسليحية والعملياتية.

•غطاء سياسي تحت لافتة الحياد
حافظت روسيا علنًا على خطاب سياسي ودبلوماسي يوحي بالحياد تجاه الأزمة اليمنية، ودعت باستمرار إلى الحوار والتوصل إلى تسوية توافقية بين الأطراف. وفي موازاة ذلك، سلكت موسكو مسارات واضحة وأخرى غير معلنة لتوفير غطاء سياسي للحوثيين داخل المحافل الدولية.
واستخدمت روسيا نفوذها في مجلس الأمن، ومن ذلك حق الفيتو، للحد من اتخاذ مواقف صارمة تجاه انتهاكات إيران والحوثيين في اليمن، أو تحميل الجماعة المسؤولية عن تعطيل مسار التسوية السياسية. كما استقبلت على مدى سنوات وفودًا تمثل الجماعة، في زيارات جرت بدعوات رسمية من وزارة الخارجية الروسية وبتسهيلات لوجستية قدمتها سلطنة عُمان، شملت منح عدد من أعضاء تلك الوفود جوازات سفر دبلوماسية عُمانية.
•قناة اتصال مباشرة
رفضت روسيا طلبين تقدمت بهما جماعة الحوثيين لإعادة فتح سفارتها في صنعاء، وأبقت في المقابل قناة اتصال مباشرة مع الجماعة عبر المسؤول الروسي السابق ميخائيل بوغدانوف.
وبدأت هذه العلاقة في مرحلة مبكرة من سيطرة الحوثيين على العاصمة وتمددهم في المحافظات الشمالية. ففي فبراير/شباط 2015، زار وفد حوثي موسكو بعد أقل من عام على الانقلاب المسلح، ثم تواصلت الزيارات الرسمية خلال الأعوام اللاحقة، ولا سيما في 2019 و2021 و2024، وجميعها جاءت بدعوات من الخارجية الروسية.
وأتاحت هذه القناة لموسكو بناء علاقة منتظمة مع قيادة الجماعة، مع إبقاء مستوى التمثيل دون إعادة فتح السفارة أو منح الحوثيين اعترافًا دبلوماسيًا كاملًا.
•انتقال متدرج إلى الدعم العسكري
يكشف الحديث عن مشاركة منظومة استخبارات وقيادة روسية–إيرانية في دعم العمليات الحوثية لإسقاط المخا والسيطرة على الساحل الغربي تحولًا نوعيًا في مستوى الانخراط الروسي في اليمن.
وبحسب عبيد، وفرت روسيا قدرات في الاستخبارات الجغرافية المكانية عبر الأقمار الصناعية واستخبارات الإشارات، فيما تولت إيران دمج هذه المعلومات داخل منظومة القيادة والسيطرة الحوثية، بما مكن الجماعة من تحديد نقاط الضعف في الجبهة الغربية واستغلالها ميدانيًا.
وجاء هذا التطور امتدادًا لمسار تصاعدي بدأ يتبلور بوضوح منذ عام 2024، عندما أوجدت المواجهة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن قناة اتصال غير معلنة بين الاستخبارات العسكرية الروسية وعناصر تنفيذية حوثية في صنعاء ومسقط.
وتركزت تلك الاتصالات على تبادل المعلومات وبيانات الاستطلاع الملاحي المتعلقة بحركة السفن، قبل أن ترفع موسكو مستوى دعمها اللوجستي والاستخباراتي، وترسل خبراء متخصصين في تقنيات الصواريخ والطائرات المسيرة.
وتفيد معلومات "يمن فيوتشر" بأن خبراء روسًا شاركوا في تقديم الدعم الفني والتوجيهي لبعض الهجمات التي استهدفت سفنًا وناقلات نفطية سعودية، ضمن ما تسميه الجماعة "الحصار البحري" المفروض على المملكة.
•الحوثيون ضمن استراتيجية الضغط الروسية
تدير موسكو علاقتها بالحوثيين وفق مبدأ "التكامل النفعي"؛ إذ تنظر إلى الجماعة كأداة ضغط عالية الفاعلية ضد المصالح الأميركية والغربية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
ومن هذا المنطلق، رفعت روسيا مستوى الدعم التقني والمعلوماتي المقدم للحوثيين إلى نطاقات متقدمة، شملت تزويدهم ببيانات أقمار صناعية تساعد على رصد السفن الغربية وتعقب تحركاتها، إلى جانب بحث نقل تقنيات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة عبر وسطاء.
كما سهلت موسكو حصول الجماعة على صفقات سلاح عبر قنوات غير رسمية وشبكات وساطة، برز فيها اسم تاجر السلاح الروسي فيكتور بوت.
وتمنح هذه العلاقة روسيا أداة قليلة الكلفة لتهديد المصالح الغربية وتعقيد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات الدولية، بينما يحصل الحوثيون على معلومات وخبرات وتقنيات تزيد قدرتهم على الاستهداف وتمنح عملياتهم مستوى أعلى من الدقة والتعقيد.
•إيران وسيط العلاقة وضامنها
تتعامل روسيا مع الحوثيين بوصفهم جزءًا من تحالفها الاستراتيجي مع إيران، ولا تجري قنوات التعاون الأساسية بين موسكو والجماعة بمعزل عن طهران.
وتشير المعلومات إلى أن زيارات الوفود الحوثية إلى روسيا في أعوام 2015 و2016 و2024 جرى تنسيقها بين مسؤولين روس وإيرانيين، وتولى السفير الإيراني في موسكو استقبال تلك الوفود والمساعدة في ترتيب لقاءاتها مع شخصيات سياسية وعسكرية روسية.
وخلال الزيارة الأولى عام 2015، طلب الوفد الحوثي من الجانب الروسي تسليمه محركين لطائرتين حربيتين سبق للحكومة اليمنية التعاقد على شرائهما ودفع قيمتهما خلال فترة وزير الدفاع الأسبق اللواء محمد ناصر أحمد.
ووافق الجانب الروسي على تسليم المحركين مقابل مبلغ إضافي، قبل شحنهما إلى ميناء الحديدة على متن سفينة إيرانية.
كما سلم رئيس الوفد الحوثي محمد عبدالسلام، خلال لقاءات رتبت له مع مسؤولين في وزارة الدفاع الروسية، قائمة بمعدات عسكرية طلبت الجماعة شراءها، شملت قطع غيار للطائرات الحربية ومكونات مرتبطة بصواريخ "سكود" و"توشكا" وتجهيزات لتعزيز قدرات الأنظمة الإلكترونية.

•مشروع قاعدة روسية في جزيرة كمران
سبق لـ"يمن فيوتشر" أن كشف عن إبلاغ روسيا إيران، منتصف عام 2021، برغبتها في إنشاء قاعدة عسكرية في جزيرة كمران الاستراتيجية بالبحر الأحمر، مقابل تقديم امتيازات إضافية للحوثيين.
وأرسلت موسكو حينها وفدًا يضم خمسة قادة عسكريين روس إلى إيران، انتقلوا منها على متن سفينة إيرانية أبحرت من ميناء بندر عباس، تحت غطاء نقل شحنة وقود إلى ميناء الحديدة.
وأجرى العسكريون الروس جولة استطلاعية سرية استمرت أسبوعًا، شملت مواقع متعددة في محافظة الحديدة، وتركزت بصورة خاصة على جزيرة كمران التي اختارتها موسكو موقعًا لقاعدة عسكرية كان مخططًا أن تستوعب نحو ثلاثة آلاف جندي روسي.
وتوقف المشروع خلال عام 2021، قبل أن تتوصل روسيا وإيران، وفق المعلومات التي حصلت عليها المنصة إلى تفاهم جديد بشأن تنفيذه عقب إحكام الحوثيين سيطرتهم على باب المندب وتأمين نطاق جغرافي يصل إلى المناطق والمرتفعات المطلة على الساحل الغربي والمضيق الدولي.
وتفسر هذه الخلفية جانبًا من الدعم الروسي المباشر لعمليات الحوثيين في المخا والساحل الغربي، فالسيطرة على هذه المنطقة تمنح الجماعة تفوقًا داخليًا، كما تفتح أمام موسكو وإيران مجالًا استراتيجيًا بالغ الأهمية عند مدخل البحر الأحمر.
•صراع يتجاوز حدود اليمن
تكشف هذه المسارات أن العلاقة الروسية–الحوثية تجاوزت مستوى التواصل السياسي والغطاء الدبلوماسي، ودخلت طورًا يتصل مباشرة بالتخطيط العسكري وجمع المعلومات وتطوير القدرات القتالية.
كما توضح أن معركة الساحل الغربي لم تعد مواجهة يمنية داخلية أو امتدادًا للنفوذ الإيراني وحده، فقد أصبحت جزءًا من صراع دولي على باب المندب والبحر الأحمر، تتقاطع فيه المصالح الروسية والإيرانية مع سعي الحوثيين إلى توسيع سلطتهم وفرض حضورهم على طرق التجارة العالمية.
ويمنح النفوذ الحوثي عند الممرات البحرية روسيا وإيران قدرة على الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها ورفع كلفة تحركاتهم الإقليمية، فيما تمنح منظومات الاستطلاع والخبرة والتوجيه الخارجي الحوثيين قدرةً أكبر على تحويل موقع اليمن الجغرافي إلى ورقة ابتزاز دولية.
ومن هنا، تبدو المشاركة الروسية في عمليات الساحل الغربي حلقة متقدمة في مشروع طويل انتقل من الاتصالات السياسية السرية إلى بناء شراكة عملياتية قد تعيد تشكيل موازين الحرب في اليمن وطبيعة الصراع على البحر الأحمر.