قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إن الدبلوماسية أصبحت أكثر صعوبة في السنوات الأخيرة، محذرًا من تراجع الالتزام بالقانون الدولي وتزايد اللجوء إلى القوة والضغوط الاقتصادية في التعامل مع النزاعات الدولية.
وفي مقال نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، قال البوسعيدي إن اتفاقات مؤقتة نجحت في تحقيق قدر محدود من خفض التصعيد، لكنها لم تؤد إلى حلول دائمة للنزاعات التي تهدد حياة الناس في فلسطين وإيران واليمن والسودان ولبنان وإسرائيل وأوكرانيا، وتؤثر كذلك على الدول المجاورة والاقتصاد العالمي.
وقال إن استمرار هذه الأزمات لا يعود إلى نقص الجهود الدبلوماسية، مشيرًا إلى كثرة المبادرات والوساطات والمفاوضات والقمم ومذكرات التفاهم التي شهدتها السنوات الماضية، لكنه أرجع ذلك إلى “بُعدين جديدين ومقلقين في السياسة العالمية” يتطلبان استجابة جماعية من المجتمع الدولي.
وأوضح أن البعد الأول يتمثل في تراجع الالتزام بالقانون الدولي، مشيرًا إلى ترسيخ الاحتلالات، وتزايد استخدام الاغتيال والاختطاف كأداتين من أدوات السياسة، وشن هجمات على المدنيين، إلى جانب ما وصفه بازدراء مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
وحذر البوسعيدي من أن هذا المسار قد يعيد العالم إلى حقبة كانت فيها القوى الكبرى قادرة على التصرف دون عقاب، ولكن في ظروف أكثر خطورة بسبب وجود أسلحة الدمار الشامل.
أما البعد الثاني، فقال إنه يتمثل في اعتقاد بعض قادة العالم بإمكان ممارسة الدبلوماسية بشكل مباشر، دون إشراك الدبلوماسيين، مضيفًا أن هؤلاء سرعان ما يكتشفون محدودية الأدوات المتاحة لتحقيق أهدافهم.
وقال إن ذلك قد يدفع إلى العودة إلى ما وصفه بـ”دبلوماسية السفن الحربية” التي سادت في القرن التاسع عشر، أو إلى استخدام القوة الاقتصادية لإجبار شعوب بأكملها على الخضوع، بهدف “تغيير النظام” وتنصيب إدارة تابعة ومطيعة.
وتساءل الوزير العُماني عن كيفية تصرف الدول الأصغر عندما تتزايد حالات تجاهل القواعد التي كانت تقيد الدول الأكبر، وقال إن أفضل استجابة قد تكون الإصرار بصبر، وإن تطلب الأمر قدرًا كبيرًا من التدقيق، على احترام القواعد والأعراف الدولية.
وأضاف أن التذكير المتكرر بالقانون الدولي قد يبدو مملًا للبعض، لكن هذه القواعد “موجودة لحماية الغالبية العظمى من سكان العالم”، مؤكدًا أن هذا ليس وقت التخلي عن مبدأ أن القانون يجب أن يقيد الاستخدام غير المشروع للقوة.
وقال إن ذلك يعني عمليًا الحفاظ على قدر من الثقة بالعملية الدبلوماسية حتى عندما تبدو عاجزة عن تحقيق النتائج، مشددًا على أن مهمة الدبلوماسي، ولا سيما دبلوماسي الدولة الصغيرة، هي مواصلة الحوار حتى في مواجهة الفشل الظاهر أو المشكلات المستعصية أو تعنت الأطراف.
وأشار إلى أن أحد المحاور الأساسية للدبلوماسية العُمانية خلال الأشهر الماضية كان محاولة التوصل إلى اتفاق يعيد حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، واصفًا المفاوضات بأنها معقدة وتجرى تحت تهديد دائم باندلاع الحرب، مع تداعيات محتملة على الاقتصاد العالمي.
وقال البوسعيدي إن عُمان لم تتوصل إلى حل حتى الآن، لكنها لن تنسحب من جهودها، مضيفًا أن أهمية المفاوضات لا تكمن فقط في المصالح المرتبطة بالمضيق، وإنما أيضًا في أن عملية التفاوض نفسها، باعتبارها وسيلة لتسوية الخلافات بين الدول بالحوار، أصبحت موضع اختبار.
وحدد الوزير ثلاثة أهداف رئيسية للتحرك العُماني، تتمثل في حماية سيادة سلطنة عُمان في ظل ما وصفه بتهديد الوضع الراهن لأمن مياهها الإقليمية، وحماية مصالح المجتمع الدولي مع إدراك أن الفئات الأكثر ضعفًا ستتحمل العبء الأكبر إذا ظل المضيق مغلقًا، إلى جانب تأكيد مركزية القانون الدولي من خلال التحرك في إطار أحكامه.
وقال إن هذه الأهداف تتوافق مع مفهوم عُمان لـ”الحياد البنّاء”، الذي لا يقتصر على المساعدة في تيسير الحوار، بل يشمل أيضًا الحفاظ على القانون الدولي العام والمساهمة في تطويره.
وختم البوسعيدي بالقول إن القانون الدولي ليس مجرد نص، بل يتم الحفاظ عليه وتعزيزه من خلال الإجراءات التي تتخذ باسمه، معتبرًا أن تطوير إطار عملي تدريجي من الالتزامات المتبادلة يمكن أن يساعد الدول الأصغر، التي تمثل غالبية دول العالم، على حماية نفسها من التصرفات غير المتوقعة للدول التي تتيح لها قوتها التصرف دون مساءلة.
لقراءة المقال من موقعه الأصلي عبر الرابط التالي:
https://giftarticle.ft.com/giftarticle/actions/redeem/72d1e0f7-fde8-4691-8efa-3de194c7cb22