تفرض الحرب الإقليمية الدائرة أسئلة ملحة حول ضرورة بناء منظومة أمن متكاملة تشمل محيطها الجغرافي، وتضمن لها هامشاً من استقلالية قرارها الأمني والاستراتيجي وتتيح لها المضي في خططها التنموية والاقتصادية الطموحة. في الوقت ذاته، تعيد هذه الحرب طرح سؤال ظل معلقاً في العواصم الخليجية: هل يمكن تصور منظومة أمن إقليمي مستدامة دون أن تكون اليمن جزءاً من تصميمها؟
منذ نوفمبر 2023 وحتى سبتمبر 2025، شنّت جماعة الحوثيين (أنصار الله) هجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر طالت أكثر من 100 سفينة، وأسهمت في تراجع حركة الشحن عبر البحر الأحمر بما يزيد على 60 بالمئة في ذروة الأزمة، وكلّفت الاقتصاد العالمي عشرات المليارات من الدولارات. توقفت الحملة العسكرية الأمريكية التي نفّذت ما يقارب ألف غارة بين مارس ومايو 2025، بهدنة بين الطرفين، غير أنها عجزت عن تقويض التهديد الحوثي للملاحة أو تحقيق الهدف الرئيسي للعملية العسكرية المتمثل في ردع الحوثيين عن شنّ هجمات على إسرائيل؛ حيث انخرط الحوثيون بعدها في الحرب الإقليمية التي أشعلتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران عبر ضربات استهدفت إسرائيل، ولوّحوا باستئناف عملياتهم في البحر الأحمر، وإذا ما أُغلق باب المندب بالتزامن مع مضيق هرمز، فإن اثنين من أهم شرايين التجارة الدولية سيكونان خارج الخدمة في آنٍ واحد، وهو سيناريو لم يشهده الاقتصاد العالمي في تاريخه الحديث. تستوجب هذه المتغيرات إعادة النظر جذرياً في مفهوم الأمن الخليجي والإقليمي.
على مدار عقود، أنفقت دول الخليج الكثير من الجهد والمال في بناء اقتصاداتها ومنظوماتها الأمنية، فيما سارت علاقتها مع اليمن بمنطق الإدارة والاحتواء دون شراكة حقيقية، ومنذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي عام 1981 – الذي استُثنيت منه اليمن – جرى التعامل معها بوصفها هامشاً جغرافياً، أو مشكلة أمنية تُدار عند الحاجة، أو ساحة نفوذ يُراد الإبقاء عليها دون أن تستدعي أي استثمار استراتيجي حقيقي.
تقع المسؤولية الأولى عن التنمية وبناء الدولة على عاتق اليمنيين أنفسهم، إلا أن الفاعلين الإقليميين أسهموا في تعميق هشاشة الدولة اليمنية، إذ أخفقوا في إدراك أن اليمن جزء لا يتجزأ من البيئة الأمنية لشبه الجزيرة العربية، وأغفلوا قيمة موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتجاهلوا المخاطر التي يفرزها غياب الاستقرار في الداخل اليمني. بنت دول الخليج جزراً من الاستقرار والرفاه، ظانّةً أن بمقدورها الإبقاء عليها بمعزل عن الفقر والعنف المتمددين في محيطها، وقد كشفت هذه الحرب محدودية هذا الرهان، إذ بات واضحاً أن أي تصور للأمن الإقليمي لن يكتمل ما لم يأخذ بعين الاعتبار أوضاع الدول الهشة في المحيط، ومنها اليمن.
أفرز ضعف التنمية الاقتصادية وغياب الاستثمار الحقيقي وعدم الاستقرار السياسي في اليمن فراغاً أمنياً واسعاً، سارعت الجماعات المسلحة بمختلف توجهاتها إلى ملئه، وأتاح لتدخلات إقليمية تعبث بالاستقرار أن تجد لها موطئ قدم. نشأت جماعة الحوثيين في هذه البيئة وتمددت، وراكمت على مدى عقد قدرات عسكرية تجاوزت حدود اليمن لتهدد أمن المنطقة وسلاسل الإمداد الدولية، إذ تتحكم في أحد أكثر الممرات البحرية حيويةً في العالم. بينما كان يمكن لليمن بسواحلها الممتدة على أكثر من ألفي كيلومتر على البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، أن تشكّل بوابةً جنوبية لازدهار الجزيرة العربية وميزةً جغرافية لتحريك عجلة الاقتصاد والارتباط بطرق التجارة العالمية. بدلاً من ذلك، غدت مصدر تهديد إقليمي مستدام وبالغ الأثر.
تمتلك دول الخليج منظومات عسكرية متطورة، غير أن عقداً من الصراع أثبت أن القوة العسكرية التقليدية تبلغ حدودها حين تواجه التهديدات غير المتماثلة التي تشنّها جماعات مسلحة من خارج الدولة كالحوثيين، خاصة إذا كان لدى خصومها الكثير مما يخسرونه، فقد بنت دول الخليج سمعتها على الاستقرار الإقليمي، واقتصاداتها على الانفتاح والاستثمار وخطط تنموية بعيدة المدى، وهو ما يجعل استمرار الصراع أو دوام التهديد ثمناً لا تطيق تحمّله.
بالنسبة لليمنيين، لا تقتصر مخاطر التصعيد الحوثي الأخير العابر للحدود على أمن المنطقة، فهو بالدرجة الأولى يزيد من معاناة شعب يعيش أكثر من عقد في حالة حرب، وقد يجلب ردودا انتقامية من الولايات المتحدة وإسرائيل تطال البنية التحتية المدنية التي يعتمد عليها الاقتصاد اليمني الهش. في مستوى آخر، تتلاشى فرص التسوية السياسية التي كانت أصلاً ضعيفة، وقد يعود سيناريو حرب شاملة تستمر تداعياتها حتى بعد أن تهدأ جبهات الحرب الإقليمية الأوسع.
يعاني ما يزيد عن 18 مليون يمني من انعدام حاد في الأمن الغذائي، فلم تتلقَّ خطة الاستجابة الإنسانية الأممية لهذا العام سوى 10 بالمئة من تمويلها المطلوب، واضطر برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص قوائم المستفيدين من مساعداته إلى النصف، جراء شُح التمويل من جهة، وتعليق عملياته في مناطق سيطرة الحوثيين من جهة أخرى، في ظل القيود المستمرة على العمل الإنساني واعتقال عدد من العاملين في تلك المناطق.
مع توقف صادرات النفط اليمني منذ الهجمات الحوثية على محطات التصدير عام 2022، بات اقتصاد اليمن وحكومتها يعتمدان اعتماداً شبه كلي على الدعم السعودي، وقد كشفت الموازنة العامة التي أُعلنت مؤخراً — وهي الأولى منذ نحو ست سنوات — حجم الاختلالات المتراكمة؛ إذ يُقدّر خبراء مركز صنعاء أن العجز قد يبلغ 1.4 تريليون ريال يمني (ما يتجاوز 890 مليون دولار أمريكي) في حال تعذّر تأمين المنح الخارجية المتوقعة، مما يهدد قدرة الحكومة على صرف الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية. هذا الدعم السعودي مهدَّد بدوره، إذ قد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى إعادة توجيه مواردها لمواجهة تداعيات الحرب الإقليمية عليها، كما أن أي اضطراب إضافي في سلاسل إمداد الغذاء أو ارتفاع في أسعاره كفيل بدفع ملايين اليمنيين نحو مجاعة حقيقية.
تقف الحكومة اليمنية أمام استحقاق لا مناص منه، ففي ظل تراجع الدعم الخارجي وتصاعد الضغوط، تظل منظومة الإنفاق الحكومي بعيدة عن أولويات المرحلة، إذ تخدم في أجزاء كبيرة منها شبكات مصالح على حساب الفئات الأشد هشاشة. هذه اللحظة الحرجة توفر مدخلا لإصلاحات طال تأجيلها، وفي مقدمتها إعادة توجيه الموارد نحو الاحتياجات الغذائية الأساسية؛ والانخراط في حوار جاد مع المجتمع الدولي لإعداد استراتيجية استجابة طارئة، قبل أن يتفاقم وضع الأمن الغذائي أكثر، فقد بات أمراً لا يحتمل التأخير. تجدر الإشارة إلى أن مسؤولية الحكومة في هذا الشأن تمتد إلى جميع اليمنيين بصرف النظر عن مناطق السيطرة.
تستدعي هذه المرحلة من دول الخليج مقاربة مختلفة جذرياً تجاه اليمن؛ فاليمن ليست مشكلة تُدار، بل جارة تُشكّل بحكم جغرافيتها وثقلها الديموغرافي ركيزةً أساسية في أي مشروع حقيقي للتنمية والاستقرار الإقليمي. تضم اليمن اليوم أكبر كثافة سكانية في شبه الجزيرة العربية، ومن المرجح أن يعادل عدد سكانها بحلول العام 2050 نحو 85 بالمئة من مجموع سكان دول الخليج الست مجتمعةً. هذه الكتلة البشرية إما أن تكون رصيداً استراتيجياً هائلاً إذا استُثمرت، أو عبئاً متصاعداً إذا أُهملت، والمستقبل يتوقف كلياً على الخيارات التي تُتخذ اليوم باتجاه أحد المسارين.
في كل الأحوال، يجب أن تتجاوز أي مقاربة خليجية تجاه اليمن الاستجابة للأزمات نحو انخراط سياسي واقتصادي حقيقي واستثمار في استقرار اليمن وتنميتها. يعني ذلك دعم مسار سياسي شامل لا يُهمّش أي طرف ولا يُعمّق التشظي القائم، والاستثمار في مؤسسات الدولة اليمنية والتحوّل عن النهج المعتاد القائم على دعم الجماعات المسلحة. الأهم من ذلك، التعامل مع دعم اليمن لا بوصفه مساعدةً إنسانية فحسب، بل استثماراً استراتيجياً في الاستقرار والأمن الإقليمي، وعلى الرغم من تهديدات هذه الحرب وتحدياتها، فإن هذه اللحظة ليست مائمة لتراجع الاهتمام باليمن أو تأجيل الاستثمار فيها، بل قد يكون هذا الاهتمام والاستثمار جزءاً محورياً في أي استراتيجية جادة لمواجهة التحديات والتهديدات الراهنة، فدول شبه الجزيرة العربية، شاءت أم أبت، تتشارك مصلحة واحدة في استقرار بعضها، ويجمعها في نهاية المطاف مصير مشترك.