حذر رئيس مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ماجد المذحجي من تداعيات دخول جماعة الحوثيين على خط المواجهة الإقليمية، معتبرًا أن تحركهم يمثل تصعيدًا استراتيجيًا يهدف إلى توسيع نطاق الصراع وفرض ضغوط مباشرة على الملاحة الدولية وتدفقات الطاقة عبر البحر الأحمر.
وأوضح في مقابلة مع مجلة "ليبوينت" (Le Point) الفرنسية أن انخراط الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران جاء ضمن إدارة عملياتية منسقة داخل ما يُعرف بمحور المقاومة، وأن توقيت التدخل ارتبط بتصاعد الضغوط على طهران واحتمالات توسع المواجهة عسكريًا، بما في ذلك تهديدات مرتبطة بمضيق هرمز.
وأكد أن الجماعة تمتلك القدرة على تعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب بشكل كبير، مستفيدة من سيطرتها على الساحل الغربي لليمن، وهو ما يمنحها أدوات ضغط مؤثرة على التجارة العالمية، خاصة إمدادات النفط.
وأشار إلى أن دور الحوثيين لا يتركز في إلحاق ضرر مباشر بإسرائيل بقدر ما يتمثل في تشتيت قدراتها الدفاعية وفرض أعباء عسكرية واقتصادية إضافية على إسرائيل والولايات المتحدة.
ولفت إلى أن العلاقة بين الحوثيين وإيران ذات طابع استراتيجي عميق، حيث لا تتخذ الحركة قرارات كبرى دون تنسيق مع طهران، مؤكدًا أن الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية لاحتواء الجماعة دون مسار بري محلي يقطع خطوط الإمداد.
نص المقابلة..
- هل تفاجأت بأن الحوثيين قرروا في النهاية دخول الحرب عبر ضرب إسرائيل؟
إطلاقًا. كان هذا الرد متوقعًا منذ البداية. كانت المسألة مرتبطة بشكل وثيق بما يُعتبر «الإدارة العملياتية» لـ«محور المقاومة»، والتي تُدار إلى حد كبير من قبل الحرس الثوري الإسلامي. وإذا كانت هناك بالفعل اختلافات في الحسابات بين مختلف مكونات الحركة الحوثية، فإن القرار النهائي يعود في نهاية المطاف إلى القيادة، وبالتحديد عبد الملك الحوثي. هذا الأخير يظل ملتزمًا أيديولوجيًا ومتوافقًا بشكل عميق مع الصراع في بُعده الجهادي.
- كيف تفسرون أن الحوثيين انتظروا شهرًا قبل الانخراط في المعركة؟
يمكن فهم ذلك على أنه جزء من نهج متعمد من المحور يهدف إلى دعم وإدارة إيقاع انخراط الحوثيين. ويبدو أن توقيت تدخلهم مرتبط بعاملين رئيسيين. أولًا، الضغط المتزايد على طهران، سواء على قدراتها العسكرية أو على حزب الله. وثانيًا، الاحتمال المتزايد لتطور عسكري أوسع، يشمل عمليات برية محتملة وجهودًا لتحييد الضغط الإيراني في مضيق هرمز.
- ما هو برأيكم هدف الحرب لدى الحوثيين؟
في هذا السياق، يهدف تفعيل الجبهة الحوثية إلى توليد ضغط إضافي في البحر الأحمر وفي مضيق باب المندب، وكذلك على إسرائيل على عدة مستويات. هذا التدخل يحقق في الوقت نفسه عدة أهداف. أولًا، يرسل رسالة واضحة بأن المحور يحتفظ بالقدرة على توسيع نطاق الصراع. ثانيًا، يخلق ضغطًا ملموسًا على تخصيص الموارد العسكرية، سواء بالنسبة لإسرائيل أو للولايات المتحدة، بإضافة قيد عملياتي جديد. ثالثًا، يشير إلى خطر متزايد لاضطراب التدفقات التجارية والطاقة العالمية، خصوصًا مع امتداد التهديد إلى البحر الأحمر.
- هل الحوثيون قادرون، برأيكم، على إغلاق مضيق باب المندب؟
نعم، لديهم بالفعل القدرة على تعطيل — وربما إغلاق — مضيق باب المندب بشكل كبير. طالما أن الحوثيين يحافظون على وجود على طول الساحل الغربي لليمن وعلى الجزر المجاورة، فإنهم يمكن أن يمثلوا تهديدًا جديًا لحركة الملاحة البحرية. حتى بوسائل بسيطة نسبيًا — مثل الألغام البحرية، والسفن السطحية غير المأهولة، والطائرات المسيّرة، والزوارق الهجومية السريعة، وأنظمة الصواريخ المضادة للسفن — فهم قادرون على خلق بيئة عالية المخاطر للسفن العابرة. ومن المرجح أن يستمر هذا الوضع ما لم تُنفذ عملية برية كبيرة على طول الساحل لدفعهم خارج هذه المواقع الاستراتيجية.
- هل يمتلك الحوثيون فعلاً القدرة على ضرب إسرائيل، مع العلم أن معظم صواريخهم الباليستية بعد 7 أكتوبر 2023 تم اعتراضها؟
إن أهمية عمليات الحوثيين ضد إسرائيل لا تكمن أساسًا في قدرتهم على إلحاق أضرار مباشرة عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة. في الواقع، فإن المسافة الجغرافية بين اليمن وإسرائيل تحدّ من قدرتهم على إحداث تأثير مباشر كبير. ومع ذلك، فإن دورهم مهم من جوانب أخرى. أولًا، يساهمون في تشتيت وإرباك أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، ما قد يخلق ثغرات تسمح لإيران وحزب الله بتنفيذ ضربات أكثر فعالية. ثانيًا، يزيدون الضغط الاقتصادي على إسرائيل عبر استهداف ميناء إيلات، مما يعطل منفذًا بحريًا مهمًا. ثالثًا، يفرضون قيدًا عملياتيًا من خلال إجبار إسرائيل على تحويل جزء من مواردها العسكرية — التي كانت مخصصة في الأصل لإيران وحزب الله — نحو الجبهة اليمنية، وهو ما يشكل تطورًا غير مواتٍ لتل أبيب.
- إلى أي مدى يطيع الحوثيون الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
العلاقة ليست مطابقة لتلك مع حزب الله، لكنها تظل عضوية ومتشابكة بعمق. الحوثيون وإيران لا يتطابقان بالكامل على المستوى العقائدي، فعلى الرغم من أن الحوثيين ينتمون عمومًا إلى المجال الشيعي، فإنهم ليسوا اثني عشريين، ما يخلق إطارًا مختلفًا لعلاقتهم مع طهران. هم لا يتبعون المرشد الأعلى بنفس المعنى الديني المباشر كما يفعل حزب الله. ومع ذلك، فإن هذا التمايز لا يلغي حقيقة أن الدولة الإيرانية كانت حاسمة في نشوء وتطور الحركة الحوثية — على المستوى السياسي والعسكري وكذلك في هياكل الأمن. على المستوى الاستراتيجي، لا يتخذ هذا الحركة قرارات كبرى دون تشاور معمق مع طهران. ورغم أن الحوثيين يحتفظون بهامش معين من المناورة، خصوصًا لإدارة أولوياتهم الداخلية، فإن هامش استقلالهم في القضايا الإقليمية الأوسع يظل محدودًا.
- هل يتوافق دخول الحوثيين الحرب مع أمر صادر من طهران؟
في ما يتعلق بالقرارات الاستراتيجية — خصوصًا تلك المرتبطة بالحرب والسلام — فمن غير المرجح جدًا أن تُتخذ مثل هذه القرارات دون مشاركة مباشرة من إيران. وتؤكد التطورات الأخيرة هذا التقييم، فقد انخرط الحوثيون في صراع لا يملكون فيه أي مصلحة وطنية مباشرة، على الأقل خارج الإطار الأيديولوجي. حتى رواية «الدفاع المباشر عن فلسطين» ليست قائمة ماديًا في الديناميكية الحالية للصراع. وبناءً عليه، يمكن القول إن الحوثيين قريبون استراتيجيًا جدًا من طهران، ومشاركتهم تعكس إلى حد كبير المصالح الإيرانية وتستجيب للاحتياجات الاستراتيجية الأوسع لطهران.
- هل يمكن القول إن الحوثيين قد حلّوا الآن محل حزب الله كأهم ورقة لإيران في الخارج؟
لن يكون دقيقًا وصف الحوثيين كبديل لحزب الله، الذي لا يزال امتدادًا مباشرًا للحرس الثوري الإسلامي، بينما الحوثيون ليسوا كذلك. هؤلاء يشكلون بالأحرى حليفًا استراتيجيًا للحرس، مع مصالح عميقة ومتقاربة. ومع ذلك، يمكن القول إنهم أصبحوا بشكل متزايد أهم ورقة استراتيجية إقليمية لإيران — وربما الأكثر قدرة على الصمود والأكثر قدرة على إحداث تأثير واسع. لديهم اليوم القدرة على تهديد الخليج وكذلك مضيق باب المندب، وفي هذا المعنى فإن القيمة الاستراتيجية المضافة للحوثيين أعلى بكثير.
- كيف أثّرت العمليات العسكرية السابقة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين على الحركة؟
يمكن القول إن معظم العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية — سواء استهدفت بنى تحتية عسكرية أو مزدوجة الاستخدام — كان لها تأثير ملحوظ على الحوثيين، وإن كان قابلاً للعكس. ومع ذلك، وعلى الرغم من الحملات المكثفة المتعددة، فقد نجحت إيران في زيادة حجم وتعقيد نقل الأسلحة إلى الجماعة بشكل كبير. وقد سُهّل ذلك جزئيًا بسبب غياب مراقبة بحرية مستمرة وفعالة على طول الساحل اليمني. وبناءً عليه، تمكن الحوثيون من تعويض جزء كبير من الأضرار. ومع ذلك، فإن العمليات التي استهدفت القيادة السياسية والأمنية العليا للحركة كان لها تأثير أعمق وأكثر دوامًا على هياكل اتخاذ القرار داخل الحركة.
- هل يمكن للولايات المتحدة وحلفائها فعلاً احتواء الحوثيين؟
من دون جهد بري محلي موازٍ قادر على تقليص قدرة الحوثيين على الحكم والحفاظ على عملياتهم العسكرية، فإن المقاربات القائمة على الضربات لن تؤدي إلا إلى تعطيل مؤقت لقدراتهم. وطالما أن شبكات الإمداد والتهريب لا تزال نشطة، سيواصل الحوثيون إعادة توليد قدراتهم. وما يثير القلق أن الحوثيين، بالتنسيق مع إيران، قاموا بتوطين عناصر من إنتاج الصواريخ والقدرات العسكرية، مما يمنحهم قدرة أكبر على التعويض. وبناءً عليه، فإن مواجهة التحدي الحوثي تتطلب مقاربة عسكرية مختلفة، تتجاوز الضربات الجوية، وتعتمد على جهد محلي مدعوم دوليًا.